المقدمة
الحمدُ لله الواحد القهار العزيز الغفّار، مُكوِّر الليل على النهار، تذكرة ً لأُولي القلوب والأبصار .. أحمَدُهُ أبلغَ حمدٍ وأزكاهُ، وأشملُهُ وأنماهُ . وأشهَدُ أن لا إله إلاّ اللهُ البَرُّ الكريمُ، الرءوفُ الرحيم ُ، وأشهَدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، الهادي الى صراطٍ مستقيمٍ، والداعي إلى دينٍ قويم .
أما بعــــدُ :
فما هي فلسفة إدارة الجودة الشاملة ؟
ولماذا الاختيار لمداخل إدارة الجودة الشاملة ؟
وما هي المزايا التي تتصف بها ِإدارة الجودة الشاملة .. وهل هي ضرورة حتمية من ضرورات الحياة المعاصرة على المستوى العام والخاص، الذاتي والموضوعي، المادي والاعتباري، الداخلي والخارجي ؟
ما هي المعايير التي يتوقف عليها تحقيق مستوى جودةٍ محمودٍ و مرغوبٍ للمنتجات والخدمات بصفة مستمرة ؟
ما هي فكرة إدارة الجودة الشاملة تاريخياً .. هل ُولدت في الزمن المعاصر أم أنها مولودة مع ولادة الإنسان ؟
ثم ... لماذا أصبحت إدارة الجودة الشاملة هاجساً للشركات والمؤسسات والحكومات والأفراد ؟
وهناك الكثير والمزيد من هذه الأسئلة .. كلها تُعتبر التحدي الأكبر لمن يريد أن يكتبَ ويبحثَ في إدارة الجودة الشاملة، وهي التحدي الأوسع أمام أصحاب المواقع الأمامية والمسئولية القيادية الإدارية، بل أنها التحدي الأعمق في قدرة التعامل مع مفردات الحياة، المعينِ الذي لا ينضب، والمنجمِ الهائل المليء بالمعلومات والأغراض والمواقف التي من شأنها تطوير العمل والارتقاء به على نحو تزداد فيه إنتاجية العمل والإنتاج عبر تعبئة الموارد البشرية والمادية واستثمارها بحسابات جديدة ومبدعة، من البداية للنهاية فهماً وتحديثاً وتحفيزاً.
لقد أضحت إدارة الجودة الشاملة بمثابة حلقةٍ مهمةٍ ووظيفةٍ رئيسيةٍ من وظائف الإدارة ومسئوليات القيادات الأمامية والسفحية والقاعدية في الشركات والمؤسسات الإنتاجية والخدمية، وهذا ما يثبته الكثيرُ من الدراسات والبحوث العلمية، إذ أجمعت على أهمية الدور الحاسم الذي تلعبه القيادات الأمامية في قمة الهرم التنظيمي بشأن إدارة الجودة الشاملة والاستمرار بها، عبر تحسين العمليات من دون توقف أو تردد، ومن خلال دعم وتعزيز مناهج البحث والتطوير والالتزام بالمواصفات والمقاييس الوطنية والدولية وتطبيقها على العمليات الإنتاجية وأثناء تقديم الخدمات.
وقد ركزت المنظمات الدولية المتخصصة بالتقييس والسيطرة النوعية على دور الإدارة العليا في تثبيت وتطوير أنظمة إدارة الجودة الشاملة، حيث أشارت في مجمل بياناتها ومنشوراتها إلى قدرة الإدارة العليا وكفاءتها على إيجاد مناخات جيدة ومناسبة تساعد على:
1. وضع سياسة الجودة وأهدافها في المنظمة.
2. نشر وتعميم سياسة الجودة وأهدافها من أجل زيادة وعي العاملين بهذه السياسة وتحفزيهم على الالتزام بها.
3. ضمان التركيز على احتياجات الزبون.
4. التنفيذ الصحيح والمتوازن للعمليات الإنتاجية والخدمية وتلبية احتياجات الزبائن في بيئة المنظمة الداخلية والخارجية.
5. تأسيس نظام إدارة جودة ذو كفاءة وفعالية وصولاً إلى تحقيق أهداف الجودة.
6. توفير الموارد البشرية والمادية الضرورية وفق المواصفات الصحيحة.
7. اتخاذ القرارات ذات الصلة بسياسات وأهداف الجودة.
8. اتخاذ القرارات ذات الصلة بتطوير نظام إدارة الجودة.
9. مراجعة نظام إدارة الجودة وتحسينه بشكل دوري.
10. التفاعل مع المتغيرات والتطورات التي تعترض واقع إدارة الجودة الشاملة في كل المفاصل والقنوات العالمية.
وبشكل عام تعتبر القيادة الإدارية الأمامية، أهم عنصر من عناصر إدارة الجودة الشاملة، فدورها كبير يبرز في كل مرحلة من مراحل الحياة، وفي كل مجال من مجالات إدارة الجودة، سواء في إيمان العقل القيادي بها أو في وضع الرؤية الواضحة للتعامل مع مبادئها أو في صياغة رسالة المنظمة بشأن الجودة وفي تحديد استراتيجياتها الحالية والمستقبلية . وعليه فإن تطبيق منهج إدارة الجودة الشاملة يتطلب توفر الأجواء الملائمة للتطبيق، وبالمقابل فانّ غيابَ هذه الأجواء لن يساعد على التقدم والنجاح، إن لم نقل إنّ على الإدارة العليا العملَ على تغيير ثقافة المنظمة وقيمها وإعادة هندستها الإدارية والتنظيمية على وجه الخصوص.
ومن البديهي القول الحسم، إن عمل القائد هو إلهاب المشاعر والأحاسيس، بحسب القول الذي لا يؤمن به إلا مكابر ومغرور : "إننا معاً في قارب واحد، إننا فريق عمل واحد، ما نفعله له قيمة كبيرة نحن الأفضل".. هذه هي التربة الخصبة التي ينمو فيها تحريك المشاعر والأذرع البشرية نحو إدارة الجودة الشاملة ونحو تحسينها باستمرار.
ضمن هذا السياق نذكر في أدناه أهم متطلبات توفر المناخ الصحي عند البدء بتطبيق منهج إدارة الجودة الشاملة:
1. الحضور الحي للإدارة العليا في التصور والتصرف.
2. الاهتمام والتركيز على الزبون واحتياجاته.
3. العمل الجماعي وبث روح الفريق الواحد والتعبير عن ثقة الإدارة بالعاملين واحترامها واهتمامها بهم ( أفعل ذلك وسوف تجد من حولك متحمسين للعمل).
4. اعتماد الأنماط القيادية المنفتحة مع العاملين .. ( اهتم بالعاملين معك وسوف يهتم العملُ بنفسه ).
5. بناء نظام متطور للقياس ولضبط الجودة.
6. التحسين المستمر لنظام الاتصالات بين مستويات الإدارة ( القمة والسفوح والقاعدة ).
7. هناك أكثر من طريقة واحدة في العالم لجعل أي شخص يفعل أي شيء، هي أن تجعله يرغب في ذلك، وتَذكّر أن هناك أكثرَ من طريقة في أن نفعل الذي نريده، فكيف إذا كانت هناك رغبة في العمل وقدرة متنامية على انجازه بزمن قياسي، بل بزمن استثنائي، خارق للتصور ... فالإنسان خليفة الله في الأرض،قادر على ان يكون بذي فعل أخلاقي ومثابة عالية تُرى من مسافات بعيدة، و ما عدا سواها يضمحّل وينسحق.
إذن .. أليست إدارة الجودة الشاملة في غاية الأهمية، اليوم وفي الغد؟...
نعم .. هي كذلك .
لقد توزعت الدراسةُ إلى جزأين، اشتمل الجزءُ الأول على مقدمة وستة فصول، والجزءُ الثاني على ستة فصول أيضاً، مع قائمة لمصطلحات تتعلق بإدارة الجودة الشاملة، بالإضافة الى المراجع والمصادر التي نفعت الدراسة، حاولنا في هذه الفصول الإجابة على التساؤلات المطروحة بشأن أهمية إدارة الجودة الشاملة في الحياة المعاصرة مثلما كانت بذي ضرورة لدى الأجيال الماضية من بني البشر وبخاصة عند العراقيين واليمنيين والمصريين وغيرهم، علاوة على الولوج في مفاصل إدارة الجودة الشاملة وقوانينها وأنظمتها الدولية والوطنية ومعطياتها التي لا تتحقق من دون تعاون المستويات الإدارية والإنتاجية والخدمية، بدءاً من القيادات الأمامية العليا حتى الشعيرات الصغيرة في العمل ضمن حلقات وفعاليات الإنتاج وتقديم الخدمة وطرق العمل وأساليبه وقنواته العلمية والفكرية والتقنية ... يضاف لهذا كله،أن يكون العاملون في كل مواقع العمل والإنتاج الأقرب الى الله،غير ناسين، بل مستذكرين مخافة الله في كل زمان ومكان .
ولقد أحسَنَ القائلُ :
إنَّ للّـــــــــهِ عباداً فُطَنـــــاً
طَلَّقـــوُا الدُنيـــا وخافُوا الفِتَـنا
نَظــــرُوا فيهــــا فَلمّا علموُا
أنهَّــــــــــا ليسـت لِحَىٍّ وَطنا
جَعلوهـــا لُجَّـةً واتــــخّذُوا
صالـــحَ الأَعمــالِ فيــها سفُنَا
فإذا كان الحالُ على هذا الوصف، وحالُنا وما خُلقنا له، وما نقدّمُه لامتنا ولمجتمعاتنا، قد لا يلتقي مع المنهج القويم الصحيح والمتوازن في العمل والإنتاج والفكر، فحَقَّ على عبدِ الله المُكَّلَفِ، بل وعلينا جميعاً، محاسبة النفس،والتأدّب بما صَحَّ عن نبيِّنا وحبيبنا سيِّد الأولّين والآخرين صلى اللهُ وسلَّم عليه وعلى سائر النبيين. وعليه، فانَّ على العاملين المؤمنين في بلادنا أن يذهبوا بأنفسهم مذهبَ الأخيار، ويسلكوا مسلكَ أولي النُهى والأبصار، ويعملوا بأصوب الطرق، وأرشد السبل .
هذا ما قصدناه، كي لا يخبو نورُ العلم والمعرفة ولا يتكلّس العقلُ والفكرُ، في ظل معادلات وتحديات العصر وما يشهده القرنُ الحادي والعشرون من تطورات متسارعة، وبخاصة في التقنيات والاتصالات والمعلومات وسواها، بالإضافة الى فهم وإدراك أن الوقتَ قد حانَ من زمن ٍلمضاعفة العمل والجهد الإضافي والاستثنائي لاستثمار الفرص والإمكانيات والقدرات البشرية والمادية لإغراض البناء والتنمية والتعامل مع فكرة المستقبل في لحظة الحاضر ...
ولا يفوتنا أن ننسى كلّ مَن قَدمّ لنا الكلمةَ الطيبةَ والنقدَ المرغوبَ لموضوعات هذا الكتاب، وفي طريقة إخراج هذا المطبوع المبارك إلى النور، وبخاصة الجهد المحمود والعزيز لحبة القلب ابنتنا الحبيبة الدكتورة ( نور سلمان) حفظها الله ورعاها وكل بنات جنسها من المؤمنات بالله وقدره سبحانه، والمؤمنات بتقديم الطاعة والمحبة للخالق تبارك وتعالى، وللوالدين، وللناس المؤمنين الصالحين الموفين بالعهود من أهل الخير والفضيلة، وكذلك لولَدَيْنا ( زكريا ويوسف) حفظهما اللهُ عزَّ وجلَّ وأبقاهُما لخدمة الخير وفضائل الحياة، وعلى الله الكريم اعتمادي، واليه تفويضي واستنادي، وحسبي اللهُ ونعمَ الوكيلُ،ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العزيز الحكيم، والحمدُ لله الذي هَدانا لهذا وما كنّا لنَهتدي لولا أن هَدانا الله، وصلّى اللهُ على سيدِّنا وحبيبنِا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم، وسبحانَ ربّك ربِّ العزةِ عما يصفونَ وسلامٌ على المرسلين والحمدُ لله ربّ العالمين ...
تمهيد
ماذا تعني إدارة الجودة الشاملة؟
للإجابة على هذا التساؤل نقول إن إدارة الجودة الشاملة قد تطورت ابتداءً من التركيز على الفحص ثم السيطرة على المواصفات،والتي كانت أساسيات الجودة المعاصرة في النصف الثاني من القرن العشرين الماضي، أما في عالم القرن الحادي والعشرين فإن الجودة تعني جودة المنتج والخدمة كما يدركها الزبون،وتعني أيضاً جودة العمليات، بالإضافة إلى جودة الأمور المتعلقة بالحياة بكل مفرداتها وروافدها، وبالبيئة وعناصرها التي تؤثر على المنتج وتتأثر به.
مفهوم إدارة الجودة الشاملة
إن المفاهيم الحالية والعمليات ذات العلاقة بالجودة الشاملة يمكن توضيحها من خلال العلاقات المتداخلة للقنوات الثلاث التالية([1]):
1- الكفاءة Efficiency: ذات العلاقة بمسار تحليل العملية المتصلة بالفعاليات التقليدية مثل العملية الهندسية Process Engineering وإدارة العمليات Operations Management وبحوث العمليات Operations Research بالإضافة إلى السيطرة الإحصائية على الجودة Statistical Quality Control.
2- جودة بيئة العمل Quality of Work Life: والمتصلة بتنظيم العلاقة ما بين الإدارة والعاملين وتعزيزها من خلال فرق العمل،إذ إن هذا المدخل قريب جداً من المدرسة الإدارية والسلوكية التي تعتمد على العلاقات الإنسانية بالإضافة إلى حقل السلوك التنظيمي وتصميم المنظمة. ويُعتبر نموذجُ فرق العمل أحد المفاهيم الأساسية لهذا المنهج بالإضافة إلى الوضوح في التعامل وفي التمكين Empowerment في إدارة القوى العاملة.
3- الحقول والمداخل ذات العلاقة بالأهداف والأعمال، مثل استمرارية المنظمة والعوائد والأرباح والحصة السوقية، وكذلك تحقيق الميزة التنافسية في ظل ظروف المنافسة الحادة في نظام الإدارة الدولية أو الكونية. ولتحقيق ذلكِ يتطلب الحال صياغة وتنفيذ ما يسمّى بالإستراتيجية المتماسكة Coherent-Strategy بالرؤيا المشتركة.
لقد شاع في الوقت الحاضر استخدام مفهوم إدارة الجودة بين مختلف المنظمات والشركات في كافة دول العالم تقريباً، وأن النظرة والتطبيق لهذا المفهوم تختلف من منظمة لأخرى،إلا أن المسألة تكمن في التركيز على الزبون إذ أصبحت الشاغل والاهتمام المشترك ما بين المنظمات، بالإضافة إلى مقدرة هذه المنظمات على اعتماد متطلبات الزبون وحاجاته المتجددة في السوق العالمي بهدف تحقيق النجاح ذا الأمد الطويل. وقد استخدمت إدارةُ الجودة بمثابة الأداة الناجحة في المنافسة وتحقيق الربحية على مدى سنوات عديدة. ويُعتبر مفهومُ إدارة الجودة الشاملة بالمقارنة مع المفاهيم الأخرى، مثل السيطرة على الجودة وضبط الجودة، أكثرَ المفاهيم أتساعاً لأنه يشمل على مجمل أعمال المنظمة وفعالياتها بدلاً من التركيز فقط على أجزاء المنتج. كما وقد أُعتمد مفهومُ إدارة الجودة الشاملة على أنه الموضوع الأهم في نظرية الإدارة وتطبيقاتها مما جعله يُستخدم في كثير ٍمن الأحيان على أنه حقل الجودة.
يمكن تحديد مفهوم إدارة الجودة الشاملة بصورة مختصرة على أنه "تفاعل المدخلات، وهي الأفراد والأساليب والسياسات والأجهزة، لتحقيق جودة عالية للمخرجات"، وهذا يعني إشراك ومساهمة العاملين كافة وبصورة فاعلة في العمليات الإنتاجية أو الخدمية مع التركيز على التحسين المستمر لجودة المخرجات بهدف تحقيق الرضى لدى المستهلكين. ومن هنا، يتضح بأن نظام إدارة الجودة الشاملة (TQM) عبارة عن ( توليفة أو تركيبة ) للفلسفة الإدارية الشاملة مع مجموعة من الأدوات والمداخل لأغراض التطبيق، على أن تعتمد هذه الفلسفة على المبادئ الأساسية الثلاثة وهي:
1. التركيز على رضا الزبائن أفراداً ومنظمات من المخرجات الملموسة وغير الملموسة.
2. المساهمة الجماعية وفرق العمل.
3. التحسينات المستمرة على نوعية العمليات والمخرجات.
أما بالنسبة للبنى التحتية Infrastructure لنظام الجودة فتعود إلى أنظمة الإدارة الأساسية التي تساعد المنظمة في تطبيق المبادئ الحيوية لإدارة الجودة الشاملة والتي تحتوي على العناصر التالية:
1) القيادةLeadership.
2) التخطيط الاستراتيجي Strategic Planning.
3) إدارة البيانات والمعلومات Data and Information Management.
4) العملية الإدارية Process Management.
5) إدارة التوريد Supply Management.
6) إدارة الموارد البشرية Human Resources Management.
هذا وتلعب الثقافة Culture دوراً بارزاً آخر في تطبيق نظام إدارة الجودة الشاملة لأن مبادئ الجودة الشاملة يجب أن تكون جزءاً حيوياً من الحياة الثقافية للمنظمة. ومن هذه المبادئ الحيوية هي:
أولاً: المعرفة الحقيقة لحاجات الزبائن( السوق ) ورغباتهم من المخرجات.. لأن هؤلاء الزبائن هم الذين يستخدمون المخرجات التي تحقق حاجاتهم وطموحاتهم.
ثانياً: عمل الأشياء الصحيحة بصورة صحيحة.. وهذا يتطلب الكثير من البيانات والمعلومات المتعلقة بالمواصفات وبتصميم المنتج والعملية، بالإضافة إلى القيام بالتحليل الإحصائي لها لغرض اختبار الأشياء الصحيحة Right Things وتوجيه النتائج مباشرة نحو التحسينات المستمرة للنظام Continuous Improvements.
ثالثاً: التركيز على تحسين وتطوير( عملية الإبداع المستمرة ) لأنظمة العمليات (الإنتاج والخدمات ) لغرض تحقيق أعلى قدر ممكن من رضا الزبائن بالإضافة إلى تحليل النتائج الموجهة للتحسين المستمر في قدرات وأنظمة العمليات المختلفة من جهة وبالتالي تحسين وتطوير جودة المخرجات من جهة أخرى.
رابعاً: العمل على رفع دافعية الأفراد Motivation العاملين ( كل الأفراد العاملين في المنظمة ) من خلال توفير المناخ الوظيفي الصحي وظروف العمل الملائمة التي تجعل كل فرد في المنظمة مسئولاً ومساهماً في تحقيق أهداف الجودة الموضوعة.
أما بالنسبة لمفهوم الجودة.. فقد عرّفَ المعهدُ الوطني الأمريكي للمعايير American National Standard Institute الجودة على أنها " مجموعة الخصائص والمفردات Features للسلع والخدمات التي تعتمد على مقدرتها في إرضاء الحاجات المحدودة ". ومن هذا التعريف يمكن تحديد جودة مخرجات العملية الإنتاجية والخدمية عموماً، على أنها القاعدة المعرفية التي يمكن استخدامها في حل المسائل المتعلقة بمشاكل السوق من خلال وظائف العملية الإدارية ( التخطيط والتنظيم والمتابعة والتنسيق والإشراف والرقابة بالإضافة إلى اتخاذ القرار... ) كما يتضمن هذا التعريفُ الكيفيةَ التي ينبغي بموجبها مواجهة المقدرة على تعريف وتحديد ماهية الخصائص Characteristics أو الصفات والمفردات لقاعدة المعرفة في إنتاج المخرجات السلعية أو الخدمية التي يجب أن تنسجم مع مفهوم الجودة Quality Concept. وتعتبر هذه بذات الوقت، الأساسَ في قياس مستوى الجودة والسيطرة عليها خلال العملية الإنتاجية، كما وتعني أيضاً القدرة على إرضاء الحاجات المحددة، أي قيمة Performance Value مخرجات العملية الإنتاجية أو الخدمية في السوق ومستوى أداءها بما في ذلك القيمة الاقتصادية Economical Value ودرجة المعولية Reliability بالإضافة إلى مقدرة إدارة العمليات على تطوير أداءها من جهة وتطوير ذاتها من جهة أخرى، لأن هذين المعيارين يعتبران من أهم الأبعاد الأساسية لمفهوم الجودة.
وتشمل العملية الإنتاجية والخدمية كما هو معروف، على المستلزمات البشرية والمادية ( المواد والمكائن والمعدات والأموال ) لذا بالإمكان النظر إلى العملية الإنتاجية على أنها التفاعل ما بين نظامين هما: النظام الإداري من جهة والعملية الإنتاجية ( أو النظام الإنتاجي ) من جهة أخرى، وأن القبول بهذه النظرة يساعد على النظر إلى نظام إدارة الجودة الشاملة بذات الطريقة التي تحكم تطابق هذين النظامين مع بعضهما البعض، أي النظام الإنتاجي ونظام الجودة الشاملة لاحتواء كل منها على نظامين فرعيين هما النظام الإداري Management System والنظام الفني System Technical.
أهمية وتعريف إدارة الجودة الشاملة
أهمية إدارة الجودة الشاملة
أصبحت الجودة الشاملة في هذا العصر أساساً للاتصالات التجارية بين الدول وهي التي تقرر نجاح أو فشل المنظمات الإنتاجية والخدمية في العالم حيث أنها وسيلة لإرضاء المستهلك وزيادة الإنتاج وتخفيض التكاليف وتحقيق الربح ولذلك لا بد من إدارتها بطريقة فعالة نظراً لأهميتها، حيث أن نظام الجودة الشاملة يؤدي إلى تخفيض التكلفة وزيادة الربحية، فالدراسات التي أجريت على الشركات الأمريكية متوسطة الحجم أوضحت أن (43) من كل (45) شركة تضاعفت في حجمها في خمس سنوات بسبب اهتمام مؤسسيها بإدارة الجودة، علاوة على أنها تؤدي إلى إرضاء المستهلك وتحقيق ميزة تنافسية وعائد مرتفع، بالإضافة إلى أن تطبيق مدخل إدارة الجودة الشاملة أصبح أمراً ضرورياً للحصول على بعض الشهادات الدولية للجودة مثل الأيزو 9000، كما أن إدارة الجودة الشاملة تعمل على تحسين السمعة الطيبة للمؤسسة في نظر الزبائن العاملين وتنمية الشعور بوحدة المجموعة وعمل الفريق والثقة المتبادلة بين الأفراد والشعور بالانتماء في بيئة العمل.
قد يكون من المناسب الإشارة إلى معنى الجودة كما ورد في بعض المعاجم العربية، حيث يشير المعجم الوسيط إلى أن الجودة تعني كون الشيء جيداً، وفعلها الثلاثي "جاد"([2]) أما المعنى الاصطلاحي للجودة الشاملة، فقد نظر إليها البعض على أنها "اتحاد الجهود واستثمار الطاقات المختلفة لرجال الإدارة والعاملين بشكل جماعي لتحسين النهج الإداري ومواصفاته "، ويذهب البعض الثاني إلى أن الجودة الشاملة تعني الكفاءة Efficiency ويرى آخرون بأنها تُعبرّ عن الفعالية Effectiveness، وقد عرّفها البعض الثالث على أنها "تحقيق رغبات وتوقعات الزبون من خلال تعاون الأفراد في جوانب العمل بالمؤسسة"، ويتفق هذا المفهوم مع المفهوم الذي يرى بأن الجودة تعني "تلبية رغبات الزبون وتحقيق توقعاته ورضاه من خلال تضافر الجهود لجميع الأعضاء سواء أكانوا داخل المؤسسة أم خارجها".
وبالرغم من التباين بين الباحثين في مفهوم الجودة الشاملة إلا أنه يمكن القول بأنه يشمل الكفاءة والفعالية معاً، ذلك لأنه إذا كانت الكفاءة تعني الاستخدام الأمثل للإمكانات المتاحة ( المدخلات ) من أجل الحصول على نواتج ومخرجات معينة أو الحصول على مقدار محدد من المخرجات باستخدام أدنى مقدار من المدخلات (أقل تكلفة ممكنة ) فهذا يمثل أحد الأسس التي ترتكز عليها الجودة الشاملة وهو تحقيق المواصفات المطلوبة بأفضل الطرق وبأقل جهد وتكلفة. وإذا كانت الفعالية في أبسط معانيها تعني تحقيق الأهداف والمخرجات المنشودة فإن هذا أيضاً يمثل أساساً مهماً للجودة الشاملة، حيث يعتبر التحسين المستمر في مراحل العمل المختلفة، وفي أهداف المؤسسة من أهم أسس الجودة.
ومع ذلك نشير إلى أن البعض يخلط بين الجودة الشاملة وإدارة الجودة الشاملة، فالجودة تشير إلى المواصفات والخصائص المتوقعة في المنتج وفي العمليات والأنشطة التي من خلالها تتحقق تلك المواصفات، أما إدارة الجودة فتعني جميع الأنشطة التي تبذلها مجموعة الأفراد المسئولين عن تسيير شؤون المؤسسة والتي تشمل التخطيط والتنظيم والتنفيذ والمتابعة والتقويم والرقابة والتدريب، أو بعبارة أخرى هي عملية التنسيق التي تجري داخل المؤسسة بغرض التغلب على ما فيها من مشكلات، والمساهمة بشكل مباشر في تحقيق النتائج المرجوة، وبالتالي فهي عملية مستمرة لتحسين الجودة والمحافظة عليها.
تعريف إدارة الجودة الشاملة
على الرغم من تعدد تعريفات إدارة الجودة الشاملة نتيجة الاستخدام والتطبيق المستمر، إلا أن هناك قاسماً مشتركاً يجمع بينهما هو تحري حاجات ورغبات وتوقعات الأفراد والتوافق معها من خلال الجهود والتطوير المستمر على مستوى المؤسسة ككل.
تُعرّف إدارةُ الجودة الشاملة بأنها " خلق ثقافة متميزة في الأداء حيث يعمل كافة أفراد التنظيم بشكل مستمر لتحقيق توقعات المستهلك وأداء العمل مع تحقيق الجودة بشكل أفضل أو بفاعلية عالية وفي أقصر وقت ممكن ".
وتُعرّف إدارةُ الجودة الشاملة بأنها ( استخدام فرق العمل بشكل تعاوني لأداء الأعمال بتحريك المواهب والقدرات لكافة العاملين في المنظمة لتحسين الإنتاجية والجودة بشكل مستمر ).
وتعريف ثالث ( أنها عمل الإدارة وطريقتها لتحسين الجودة والتركيز على الإدارة التي تتفهم عملها وتركّز على العمليات بشكل يحقق النتائج وليس الإدارة التي تنظر إلى النتائج ).
وتُعرفّها إدارةُ الدفاع للولايات المتحدة الأمريكية بأنها ( فلسفة ومبادئ إرشادية للتحسين المستمر للمنظمة من خلال التطبيق الدقيق للطرق الكمية والاستخدام الناجح للمصادر البشرية وأنها درجة الوفاء باحتياجات المستهلك حالاً وفي المستقبل).
كما عَرّفها آخرون.. ( بأنها مدخل لإدارة المنظمة الذي يرتكز على الجودة ويُبنى على مشاركة جميع العاملين بالمنظمة ويستهدف النجاح طويلَ المدى من خلال رضا الزبون وتحقيق منافع للعاملين بالمنظمة والمجتمع ككل ).
وقد عَرّفها المعهدُ الفدرالي الأمريكي بأنها ( القيام بالعمل السليم بالشكل الواضح والصحيح منذ البداية مع الاعتماد على تقييم الزبون في معرفة مدى التحسن في الأداء باستخدام الطرق الكمية لإحداث التطوير المستمر في المنظمة ).
في حين عُرِّفت بأنها ( التغيير الجوهري في طريقة أداء الأعمال باعتبارها ابتكارَ اتجاهٍ جديدٍ يتضح من خلال أداء صاحب العمل وأفراد الإدارة العليا، فهي عبارة عن مناخ يتضمن الإبداع والقيادة الإبتكارية والمسؤولية الفردية والتطبيقات الكمية ).
وتُعرّف أيضاً على أنها ( نظام متكامل موجّه نحو تحقيق احتياجات المستهلكين، وإعطاء صلاحيات أكبر للموظفين تساعدهم في اتخاذ القرار والتأكيد على التحسن المستمر لعمليات إنتاج السلع والخدمات والذي يؤدي إلى تحقيق ولاء الزبون في الحاضر والمستقبل ضمن كلفة تنافسية معقولة).
كما يمكن تعريفُها بأنها ( مدخل جديد في أداء الزبون يتطلب تجديد الأساليب الإدارية التقليدية والالتزام طويل الأجل بوحدة الأهداف والعمل الجماعي ومشاركة جميع أفراد المؤسسة).
ويعتبرها البعض فلسفة إدارية عصرية ترتكز على عدد من المفاهيم الإدارية الحديثة الموجهّة التي يستند إليها المزج بين الوسائل الإدارية الأساسية والجهود الابتكارية وبين المهارات الفنية المتخصصة من أجل الارتقاء بمستوى الأداء والتحسين والتطوير المستمرين.
إلى جانب هذا فإن إدارة الجودة الشاملة من أكثر المفاهيم الفكرية والفلسفية الرائدة التي استحوذت على الاهتمام الواسع من قبل الاختصاصيين والإداريين الذين يعنون بشكل خاص في تطوير وتحسين الأداء الإنتاجي والخدمي في مختلف المنظمات. وتُعزى النجاحاتُ الكبيرة في الصناعات اليابانية إلى تطبيقات إدارة الجودة الشاملة التي تعرف أحياناً بضبط الجودة على مستوى الشركة
Company Wide Quality (CWQC)Control. .
ضمن هذا السياق فقد أُستخدم مصطلحُ إدارة الجودة الشاملة Management Total Quality لأول مرة في عام 1985م من قبل الطيران في البحرية الأمريكية، يصف فيه الطريق إلى تحسين الجودة بالأسلوب الياباني للإدارة، وهي طريقة لتحقيق نجاحات مستمرة وصغيرة ومتواصلة على المدى البعيد من خلال تحقيق رضا الزبون.
وتُعّرف منظمةُ التقييس العالمية إدارةَ الجودة الشاملة بأنها ( عقيدة أو عرف متأصل وشامل في أسلوب القيادة والتشغيل لمنظمة ما، بهدف التحسين المستمر في الأداء على المدى الطويل من خلال التركيز على متطلبات وتوقعات الزبائن مع عدم إغفال متطلبات المساهمين (Stockholders) وجميع أصحاب المصالح الآخرين (ISO9004,2000:4) (Stakeholders).
مبادئ إدارة الجودة
كما اعتمدت اللجنة الفنية ISO/TC176 بعد دراسة متكاملة لأساسيات مفاهيم وفلسفة إدارة الجودة الشاملة، ثمانية مبادئ لإدارة الجودة الشاملة (TQM) تعكس أفضل الممارسات الإدارية الواجب تنفيذها، وقد شَكّلت تلك المبادئ الأساس الذي تم الاستناد إليه عند إجراء التغييرات في سلسلة المواصفات الدولية ISO9000، وهي كالتالي([3]):
أولاً: التركيز على الزبون: (Customer Focus )
تعتمد المنظمة على زبائنها في استمرارها ونجاحها، مما يتوجب عليها فهم حاجاتهم الحالية والمستقبلية والعمل على تلبيتها والسعي بجد لتجاوز توقعاتهم.
ثانياً: القيادة: (leadership)
تقع على قيادة المنظمة مسؤولية خلق وحدة الغرض والتوجه الكلي للمنظمة، وإيجاد البيئة الداخلية المناسبة التي تسمح للعاملين بالمشاركة الفاعلة في تحقيق الأهداف، والمحافظة على تلك البيئة.
ثالثاً: مشاركة الأفراد(Involvement of People)
إن الأفراد في جميع المستويات هم (Essence) المنظمة والسماح لهم بالمشاركة الكاملة تمكنهم من إظهار قدراتهم ومواهبهم من أجل فائدة المنظمة.
رابعاً: مدخل العملية: (Process Approach)
إن الوصول للنتائج المرجوة يتحقق بصورة أكثر كفاءة عندما تتم إدارة الأنشطة والموارد ذات العلاقة من خلال نموذج العملية.
خامساً: استخدام مدخل النظام للإدارة: (System Approach to Management)
إن تحديد وفهم إدارة العمليات المترابطة والمتفاعلة (Interrelated Processes) كنظام، يسهم في تحقيق المنظمة لأهدافها بفعالية وكفاءة.
سادساً: التحسين المستمر: (Continual Improvement)
إن التحسين المستمر للأداء الكلي للمنظمة، يجب أن يكون هدفاً ثابتاً ومستمراً.
سابعاً: مدخل الحقائق في اتخاذ القرار: (Factual Approach to Decision Making)
إن القرارات الفاعلة هي تلك المستندة على تحليل البيانات والمعلومات وليس على الحدس والتخمين أو الخبرة.
ثامناً: علاقات المنفعة المتبادلة مع المجهزين: (Mutually Beneficial Sapplier Relationships)
تعتمد المنظمة والمجهزون كلاً على الآخر، إذ تربطهم علاقة مصلحة مشتركة، تؤدي عند إدارتها بكفاءة إلى تعزيز قدرتهما على خلق قيمة مضافة لكل منهما.
ومن خلال ما سبق يمكن القول أن إدارة الجودة الشاملة:
- تسعى إلى تحقيق النتائج المتوقعة بأقل تكلفة وجهد وبأقصر وقت ممكن.
- العمل على تحقيق متطلبات وحاجات الزبون وفق المواصفات التي ترضيه.
- الابتعاد عن الانحرافات والأخطاء بدلاً من معالجتها.
- إتاحة الفرصة للحوار والمناقشة وتوليد الأفكار البناءة والابتعاد عن التردد والخوف.
- تحقيق الاتصال الجيد والتفاعل المشترك وتبادل المعلومات باعتبار كل فرد مسئولاً عن الإنتاجية، ومن هذا المنطلق لا تعترف الجودة الشاملة بالانفصال بين الأقسام والأنظمة داخل المؤسسة.
- التقييم المستمر للجهود المبذولة والتعرف على جوانب القصور ومعالجتها وتنمية الجوانب الإيجابية عن طريق التحسين والتطوير المستمر.
ولما كانت الشركات الكبرى قد حصلت من سنواتٍ مضت على شهادة المطابقة، فهل هي اليوم بحاجة إلى تطبيق برنامج لإدارة الجودة الشاملة؟
ماذا تعمل الشركات التي لم تطبّق برنامجاً لإدارة الجودة الشاملة، ولم تحصل على شهادة المطابقة، ومن أين تبدأ؟ من مواصفات أنظمة إدارة الجودة ISO9000 أم من إدارة الجودة الشاملة أم الاثنين معاً ؟
إن الشركات التي تمتلك برامج لإدارة الجودة الشاملة ومنها الشركات التي تتميز في تطبيقها والتي أهلّتها للحصول على جوائز الجودة الخاصة بالشركات الأكثر نجاحاً في تطبيق إدارة الجودة الشاملة مثل (جائزة Deming في اليابان، وجائزة مالكوم بالدرج Malcom Baldrige في الولايات المتحدة، وجائزة الجودة الأوروبية European Quality في أوروبا) قد أصبحوا مسجلين على مواصفات ISO9000 حيث وجدت تلك الشركات أن تطبيقها لتلك المواصفات ساعدتها على تقييس وإضفاء الصفة الرسمية على أنظمة جودتها، وأشارت كذلك إلى الفوائد التشغيلية والتسويقية وتحسين العمليات المتحققة، والذي يثبت أن إدارة الجودة الشاملة ومواصفات أنظمة الجودة ISO9000 هما متوافقان (Compatible) ولا يوجد أي تعارض بينهما، ذلك أن التطبيق الناجح لإدارة الجودة الشاملة يتطلب وجود نظام جودة مشابه لنظام الجودة القائم على مواصفات أنظمة إدارة الجودة ISO9000 وبهذا فإن الشركات التي طَبّقت برامج لإدارة الجودة الشاملة تعمل باستمرار على إجراء تغييرات ثانوية للإيفاء بمتطلبات التسجيل مما يوفّر عليها كلفةَ ووقتَ التطبيق.
أما الشركات الحاصلة على شهادة المطابقة فإن أنظمة جودتها تمثل قاعدة قوية تستطيع أن تبني ثقافة إدارة الجودة الشاملة عليها من خلال التركيز على الزبون ومشاركة العاملين والتحسين المستمر، وفي هذا الصدد أثبتت الدراسات الاستطلاعية أن مواصفات ISO9000 هي الأرضية التي يمكن للشركة أن تستند إليها للبدء بتطبيق برامج إدارة الجودة الشاملة حيث أدرك المدراء أن الخطوة المنطقية التالية بعد الحصول على شهادة المطابقة هو البدء ببرنامج لإدارة الجودة الشاملة.
أما شركات الدول النامية والتي لا تمتلك برامج لإدارة الجودة الشاملة ولم تحصل على شهادة المطابقة فإن عليها أولاً العمل على توفير هيكل أو نظام رسمي للجودة متمثل بتطبيق مواصفات ISO9000 لخلق الاستقرار في بيئة الأعمال الداخلية للشركة ولتحقيق جودة ثابتة لمنتجاتها، حيث يتوجب من تلك الشركات استخدام مواصفات ISO9000 أداة للوصول إلى إدارة الجودة الشاملة من خلال توفير بيئة عمل مهيكلة تنسّق عمليات التحسين وتكاملها، فهي تساعد الشركات على تطوير وتعزيز ممارسات الإنتاج الكفوءة، وبالتالي إذا وُضع نظامُ الجودة في محله الصحيح فإن ذلك يسهّل من عملية تطبيق إدارة الجودة الشاملة.
أما الشركات التي تُطبّق فلسفة الجودة الشاملة ولم تحصل على شهادة الجودة فإنها تستطيع اعتماد مجموعة من التقنيات والأدوات والأساليب والمنهجيات التي تمثل مواصفات ISO9000 قاعدة أساسية لها وصولاً إلى إدارة الجودة الشاملة.
إن الحصول على شهادة المطابقة يُمكّن الشركة من التوجّه نحو تطبيق الأساليب الأساسية لإدارة الجودة الشاملة وهي([4] ):
1. تحليل كلف الجودة وتطبيقاتها ( إضافة إلى ما ورد في المواصفةISO90041).
2. مشاركة وقيادة وتوجيه الإدارة العليا لفرق الجودة، وتخطيط، وضبط وتحسين استراتجيات الأعمال القائمة على الجودة.
3. مشاريع التحسين المستمر.
4. مشاركة العاملين من خلال فرق العمل وحلقات الجودة.
5. ضبط العملية الإحصائية (SPC).
6. أنظمة إدارة الخزين / الإنتاج مثل الإنتاج في حينه (JIT).
7. التأكيد على مشاركةِ المجهّز المستندةِ إلى الخبرة والثقة أكثر من التقييم.
8. الإبداع في المنتجات والعمليات.
9. استخدام مصفوفة انتشار وظيفة الجودة (QFD).
10. استخدام قواعد المقارنة مع أفضل المنافسين في الصناعة من حيث المنتجات والعمليات والأنظمة.
ويمكن توظيف عناصر نظام الجودة ISO9000 باعتبارها قاعدة أساسية لتطوير عناصر التكنولوجيا / الصناعة وعناصر المنافسة من خلال توفير إطار تكاملي يصل بالشركة إلى التفوق والتميز. بيد أن الاختلاف بين مواصفات أنظمة إدارة الجودة ISO9000 وإدارة الجودة الشاملة يبرز في دافعية الشركة لتطبيق كل منهما. فالمواصفة ISO9000 هي مواصفة يمكن تقييم الالتزام بها من قبل هيئة معتمدة تُمنح على أساسها شهادة مطابقة، لذا فالشركة التي يكون هدفها الشهادة فقط سوف تنتهج مدخلاً يختلف جوهرياً عن تلك الشركات التي تتبنّى مدخلاً لإدارة الجودة الشاملة، والتي هدفها الوحيد هو إرضاء الزبون، على الرغم من أن مواصفات ISO9000 تهدف إلى إرضاء الزبون والسعي لخلق بيئة يحتل فيها هذا الرضا المنزلة الأولى.
إن الرؤية المستقبلية تؤكد رغبة الشركات في أن تتطور مواصفات ISO9000 باتجاه إدارة الجودة الشاملة وهذا ما أخذته منظمة ISO بالاعتبار عند إعدادها لمسودة المواصفة ISO9000 والتي صدرت في عام 2000 والمتضمنة تركيزاً أكبر على رضا الزبون أو ما يُعرف بالتركيز على الزبون (Customer Focus) حيث يمثل هذا التعديل في جوهره تناغماً مع فلسفة إدارة الجودة الشاملة. وبذلك فإن إدارة الجودة تُعد ركناً من أركان العمل المتميز، والارتقاء بها مسألة تسعى المنظمات كافة إلى تحقيقها بما ينعكس على قبول الزبائن للمنتجات المقدّمة لهم بشكل واضح، فضلاً عن إحرازها الميزة التنافسية والتفوق على المتنافسين.