eKtab
EN ع
المبحوح في دبي
اقرأ عينة مجانية

المبحوح في دبي

بقلم نايف فايز خوري

صفحة 1
 
المؤلف
 
يومي عيني، ذو ماض غني في حقل الاستخبارات، إن كان على صعيد جمع المعلومات أو على صعيد الأبحاث التنظيمية. يعتبر من مؤسسي وحدة جمع المعلومات المعروفة باسم 8200، والتي أصبحت بمثابة رأس الحربة في مضمار المعلومات الاستخباراتية. زودت هذه الوحدة ولا تزال، معلومات هامة وذات قيمة تنفيذية حاسمة لجناح الاستخبارات في جيش الدفاع وقادة الدولة. هذه الوحدة التي عمل في مستهل نشأتها قلة من الأشخاص، يبلغ تعداد أفرادها اليوم آلافًا في الخدمة العامة وفي الاحتياط. أشغل عيني في هذه الوحدة عدة وظائف، وكان أبرزها دوره كقائد لقاعدة الجنوب. وكان مع جنوده ملازمين لقائد المنطقة الجنوبية خلال حرب الأيام الستة البريغادير يشعياهو غبيش، وزودوه بالمعلومات في وقتها الفعلي.
 
بدأ يومي بعد دراسته الأكاديمية العمل في الأبحاث، وأصدر من خلالها كتابًا بعنوان "الجيش السوري"، الذي يعتمد على الوثائق والمستندات التي ضبطت كغنائم في حرب الأيام الستة. وأشغل طيلة أربع سنوات منصب رئيس للجمعية التابعة لهذه الوحدة. وعمل لاحقًا في أفريقيا وأوروبا في إطار الموساد، وقام بعمليات بغاية الحساسية والسرية، بحيث يحظر الحديث عنها اليوم، لا بل الصمت حيالها أفضل. ولكن بعد سنوات طوال، يمكن التطرق إلى إحدى هذه العمليات السرية جدًا:
 
طلب الموساد في سنوات الستين من الوحدة 8200 أن يسأل عيني عن عملية حساسة، وهي رصد ومراقبة خلية مصرية خطيرة كانت تعمل في إثيوبيا، ضد مؤسسات السلطة الإثيوبية للإمبراطور هيلا سيلاسي، وحاولت إفشال عملية استخبارات وعسكرية للبعثة الإسرائيلية. وقام الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للموساد، ناحوم أدموني، بتسليم عيني جواز سفر مزور باسم جون غرين، بحجة أنه يعمل مهندسًا للطرقات. وتضمنت هذه العملية أحداثًا مثيرة، بما فيها لقاءً بالصدفة مع الذي زيف له الجواز.
 
يومي عيني من مؤسسي مكتب توجيه المعلومات في جناح الاستخبارات، والذي أحدث تجديدات جذرية في نقل المعلومات الصحيحة في الوقت الفعلي لقادة الدولة. كما أشغل لاحقًا، وظيفة كبرى شملت مركزًا لتوجيه المعلومات، وإدخال الحاسوب إلى الأبحاث الاستخباراتية، ومسؤولية الاستخبارات عن أبحاث الحرب. واجتاز بوظيفته هذه حرب 
صفحة 2
 تشرين أو يوم الغفران، حين فشل القسم الذي كان ينتمي إليه فشلاً ذريعًا، عندما لم يشر إلى وقوع حرب وشيكة، وهذا على الرغم من المعلومات الجمة التي وصلت حول الموضوع، وخاصة من وحدة التنصت التي انتمى إليها، 8200. إلى جانب ذلك، ينبغي التأكيد على أنه رغم الفشل الذريع، كان هؤلاء من الدرجة العليا، وقد عملوا قبل كل شيء لأجل الدولة والجيش، وبعدئذٍ لأجل بيوتهم.
 
من الصعب العثور على استقامة كهذه بين ظهرانينا. 
 
أخذ يمارس التجارة والأعمال الحرة بعيد تسريحه من الجيش في 1976، وكان قد أمضى أربعة وعشرين عامًا في الخدمة، ولكنه تخلى عن الخدمة بعد تردد طويل. أنشأ شركة "بريسل للتجارة م. ض." التي حققت نجاحًا ومكاسب في التجارة مع الدول العربية، وخاصة مع لبنان وسوريا، وأبرز إنجازات الشركة كان إقامة خط للتزويد بالمؤن الغذائية، على متن السفينة "رومل" التي أبحرت، تحت أعلام مختلفة ووثائق مزيفة، على خط أشدود بيروت. وكانت حمولة هذه السفينة تشمل ملح الطعام، الزيت ومنتجات "عيليت"، وبلغت ذروتها بالتعاون مع جاسوس لبناني عمل لصالح إسرائيل. وأدى هذا التعاون بعيني وبالجاسوس إلى علاقات الصداقة الحميمة، وظهر أثر تلك الصداقة والثقة المتبادلة بأن عيني هب لمساعدته عندما تعرض لمأساة شخصية وعائلية، وكل هذا على خلفية الانسحاب من لبنان والتخلي عن الحزام الأمني.
 
يحمل يومي عيني اللقب الجامعي الأول بتاريخ الشرق الأوسط والعلوم السياسية، واللقب الثاني، الماجستير في العلوم السلوكية، مع التركيز على علاقات العمل. كما أنه خريج دورة القيادة في الأركان العسكرية، وهي أعلى دورة في المراتب العسكرية، ودورات مختلفة في الاستخبارات المتقدمة. يتقن عيني اللغة العربية بطلاقة، كتابة وقراءة، مما ساعده كثيرًا على تأليف كتابه "الجيش السوري" في نطاق أبحاث الاستخبارات العسكرية، وعلى علاقاته التجارية مع الدول العربية.
 
وضع عيني حتى اليوم 13 كتابًا، وقد ترجم بعض منها إلى الإنجليزية، الروسية والعربية.
صفحة 3
تقديم
 
"بطريقتي الخاصة"
 
 
 
حين سمعت عن عملية تصفية محمود المبحوح، شدني الموضوع جدًا، لأنها عملية سرية مميزة، وأشار الجميع بإصبع الاتهام إلى أن "الموساد" هو المسؤول عن تنفيذ هذه العملية. وحتى إنجاز وضع هذا الكتاب، لم يصدر أي تأكيد لذلك من أي شخصية رسمية إسرائيلية. جلست وتساءلت من يمكنه القيام بهذه العملية المتكاملة والخالية من أي شائبة، فخطرت ببالي الإجابة: إن "الموساد" فقط يمكنه ذلك.
 
كما شدتني مشاركة العديد من النساء في خلية التصفية، وقد قامت إحداهن بعملية "التمهيد والتليين".
 
شرعت بجمع المواد من الصحافة المحلية، ومن الصحافة الأجنبية والإنترنيت، وحفظتها بملف خاص، فثمة هنا مواد أمنية بغاية السرية.
 
سيجد القارئ في الكتاب، من ضمن ما سيجد، عملية إغراء مارستها إحدى الحسناوات على "المستهدف" لكي توقعه بشباكها، تزييف عدد لا بأس به من جوازات السفر، مراقبة وترصد، تصفية وفرار "سلس" من ساحة التصفية، دون أن تلقي قوات الأمن في إمارة دبي القبض على أحد.
 
أتمنى مطالعة ممتعة
 
يومي عيني
صفحة 4
"جيل"
 
طلب م. د. من سكرتيرته استدعاء "جيل". ولم تمض ثلاث دقائق حتى سمع نقرًا على الباب، "أيمكن الدخول؟" سألت.
 
نهض م. د. عن مقعده الجلدي الكبير، لامس كتف "جيل" الحسناء واقتادها إلى المقعد أمام طاولته.
 
ظهر التوتر على محيا "جيل"، وتسارعت الأفكار إلى ذهنها. لا يدعوها رئيس الموساد كل يوم، فما عساه يريد؟ وقفت تنتظر كلماته بفارغ الصبر. 
 
"استدعيتك" قال بدون مقدمات، "لأني أرجو أن ألقي عليك مهمة بغاية الأهمية." 
 
"بم أستطيع المساعدة؟" سألت. 
 
 "بوسعك المساهمة بعملية سرية سيتم تنفيذها في الأيام القادمة،" وتابع م. د. " ألقيت على "كيفن" مسؤولية قيادة العملية، وأنت تصبحين نائبًا له. تم إعداد وظيفتين لك في هذه العملية. الأولى كنائب "كيفن"، ستقومين بكل ما يتطلبه دور نائب القائد، ولا أرغب بالتوسع بالحديث لأني مقتنع بأن الوظيفة واضحة لك. والدور الثاني متعلق بكونك امرأة حسناء وجذابة. ويصعب جدًا على الرجل بألا يلاحظ ميزاتك الأنثوية، وهذا ما ننوي استغلاله."
 
"شكرًا للإطراء. حيال الوظيفة الأولى كنائب للقائد، فإني أدرك تمامًا ما يتطلبه مني ذلك، لكن أشكرك لو أفضت الحديث عن دوري كأنثى. ماذا يجب أن أفعل؟ ما هو المطلوب مني، أيمكن التفصيل؟"
 
"سأطرق الموضوع مباشرة،" رد قائلاً. "ثمة قاتل يدعى محمود المبحوح، الذي قتل جنديين من جنودنا. وإننا نترصد له منذ سنين، لكن لم تسنح لنا الفرصة للقبض عليه، لسبب مغاير في كل مرة. والآن يجب انتهاز فرصة ذهبية أتيحت لنا. ويجب ألا نتريث بل سنعمل بتعقل وحزم."
 
وتابع م. د. دون انتظار رد من "جيل". 
صفحة 5
"ثمة نقطة ضعف لهذا المبحوح، وهي النساء. وتبين من خلال مراقبتنا له، أنه كلما صادف امرأة لا يتردد بجذبها نحو السرير."
 
"ماذا، أتريدني أن أنام معه في ذات السرير؟" سألت مندهشة.
 
رد قائلاً "إلى مرحلة معينة." 
 
وما هي هذه المرحلة؟" سألت.
 
"لا أدري كيف أقول ذلك دون المس بمشاعرك، سيدعوك بمرحلة معينة، شبه مؤكدة، إلى غرفته. يجب أن تخلعي ملابسك، والاستلقاء على سريره، ولكن ليس أكثر من ذلك."
 
"لا أدري ما معنى هذا، ليس أكثر من ذلك. سأستلقي عارية على السرير، وماذا سيجري حينئذٍ؟" سألت. 
 
"سيدخل "كيفن" و"بيتر" إلى الغرفة، وقبل أن يدرك ما يجري، سيمسك به "كيفن" بقوة، وأما بيتر فسيحقنه بحقنة ستشله وينهار. وبهذه المرحلة سترتدين ثيابك، وتغادرين الغرفة بخطوات عادية جدًا، ليس جريًا ولا سيرًا سريعًا. أؤكد مرة أخرى، ليس جريًا، وتستقلين سيارة تاكسي مباشرة نحو المطار. وبذلك تنتهي مهمتك. يجب أن يبدو عليك الهدوء، خاصة عندما ستجتازين فحص الجوازات. ألديك أسئلة؟" سألها أخيرًا.
 
"لا، ليس لدي أسئلة. لم أتخيل حتى بأفضل أحلامي، منذ خدمتي في الموساد، أن تلقى علي مهمة كهذه. أتدري ماذا؟" أضافت، "إني أعتبر ذلك إطراء لأنوثتي، وسأحاول القيام بذلك على أكمل وجه."
 
كان م. د. راضيًا تمامًا من تجاوب "جيل". نهض عن مقعده، انتقل إلى الجهة الأخرى من الطاولة، وربت على كتفها ورافقها نحو الباب مودعًا.
 
"أثق بأن هذه المحادثة ستبقى سرًا بيننا، والأهم، أن تتقني معاملة هذا اللعين، القاتل محمود المبحوح. مهم أن يدرك جميع القتلة أن يد الموساد ستطالهم حتى آخر الدنيا إذا اقتضى الأمر."
صفحة 6
"يمكنك الوثوق بي من جميع النواحي، بما فيها الإغراء الأنثوي." لم تنتظر "جيل" رده بل أضافت، "لست اليهودية الوحيدة التي ستسجل في التاريخ وقد أغوت رجلاً. ثمة سابقة لذلك، مثل "بات شيبع" التي أغوت داود الملك، وهي تدرك أنه يراقبها أثناء استحمامها وهي عارية. و"ديبورا" التي أغوت "سيسرا" لكي تنصب له كمينًا فيقطعون رأسه." ورددت قولا: "سأل ماءً، فأعطته لبنًا حليبًا، وعند قدميها انهار وسقط وانطرح، وحيث انهار سقط صريعًا." وكذلك "دليلة" كانت مغرية. رغم كونها فلسطينية وغير يهودية، لكنها أغوت "شمشون"، أحد كبار القضاة في إسرائيل، بقص شعره وانتزاع قوته منه.."
 
لم تضيع "جيل" وقتًا، غادرت مبنى الموساد، وتوجهت مباشرة إلى مصممة أزياء، لكي تصمم لها الفستان الذي يفترض أن يجذب محمود المبحوح. وتم تصميم فستان بنهاية المطاف، يكشف أكثر مما يستر. وبغضون يومين كان الفستان جاهزًا. ارتدته "جيل" وانتصبت أمام المرآة فدهشت لهذا الفستان المثير. وكشف شق عميق عن ساقين ممشوقتين، وفتحته العلوية أبرزت جيدها حتى منتصف نهديها المنتصبين، في حين كشفت الفتحة الخلفية عن ظهرها وجسمها الناصع. فبدت إمارات الارتياح على وجه "جيل" ووجه المصممة معًا. "جيل" التي عرفت الغاية من إعداد مثل هذا الفستان المغري وتخيلت المبحوح يقع في شركها، والمصممة التي حققت إنجازًا مهنيًا لائقًا، رغم عدم إدراكها لماذا صممت فستانًا كهذا.
 
تم لف الفستان بإتقان وعناية، وخاطبت "جيل" نفسها بالطريق نحو السيارة بأنها ستتدرب على عملية الإغراء، حيث لم تمارسها من قبل. وانشغل تفكيرها، أين يمكنها أن تتعلم أصول الإغراء؟ وجالت الأفكار برأسها، ولم تجد حلاً.
 
وخطرت ببالها فكرة لزيارة أحد المواخير، وبوسعها هناك التعرف على نساء يمتهن ضيافة الرجال لقاء المال. لكن سرعان ما أزاحت هذه الفكرة لضيق الوقت. وأخيرًا خطرت ببالها فكرة أخرى بدت لها مثالية. استعارت من مكتبة الفيديو فيلم "امرأة حسناء" وشاهدت كيف تقوم الممثلة "جوليا روبرتس" بإغراء "ريتشارد غير" وتوقعه بشباكها. 
 
وشرعت "جيل" بالتدبير لاصطياد المبحوح بعرض مفاتنها، فيما تزودها "جوليا روبرتس" بالإيحاءات لذلك. ورأت بمخيلتها أن المبحوح سيصادفها في الفندق ويومئ إليها لكي ترافقه إلى غرفته. وسيطرت على دماغها الأفكار والتهيوءات، وبعد أن مضى يوم مزدحم بالأحداث، بدءًا من اجتماعها برئيس الموساد وانتقالا إلى مصممة الأزياء وانتهاءً بفيلم الفيديو، غطت في نوم عميق.
صفحة 7
واستيقظت صباح الغد واسترجعت أحداث يوم أمس، فأسرعت إلى مكاتب الموساد لتفحص ما إذا كان "كيفن" قائد العملية قد بحث عنها. 
 
قرعت "جيل" بابه فدعاها للدخول وكأنه كان بانتظارها، فأشار عليها بالجلوس.
 
"نحن،" قال لها، "أنت وأنا، يجب أن ننجز بنجاح ما ألقي على عاتقنا. عدت للتو من مكتب المدير الذي أبلغني بأنك ستصبحين نائبًا لي. أود الإشارة إلى أني سعيد لأننا سنعمل معًا. وأقترح أن نلتقي بعد ساعتين لندبر خطواتنا. ثمة رجال ونساء لخدمتنا بهدف مراقبة المبحوح. وسأكشف لك سرًا: إن مراقبة القاتل بدأت منذ مدة، ونحن نعلم الآن أنه سيصل إلى دبي بجواز عراقي مزيف. وامرأتان من عندنا لا تنفكان عن مراقبته، "ملاني هارد" و"إيفي برينتون" فهما بأعقابه، ولا مفر له منا. كلاهما محترفتان وقادرتان، وهما ميزتان ضروريتان لعملية الترصد."
 
"جيل" شكرت "كيفن" على ثقته بها. 
 
توجه إليها وأضاف، "قبل أن نستريح أود الإشارة إلى أن "آنا كلاسبي" ستشارك في العملية، ولديها دور هام، بحيث أُفضل ألا أفصح عنه بهذه المرحلة. فهيا نجتمع بعد ساعة. والآن يمكنك الاستراحة."
 
كادت "جيل" أن تغادر غرفة "كيفن".
 
"بالمناسبة، ألمحوا لي بأنك انتخبت لاصطياد المبحوح بشباكك المغرية. يشدني الفضول للتأكد من صحة ذلك، وإن كان صحيحًا، فما هي الطريقة لذلك؟ مجرد فضول رجل."
 
ردت "جيل" بابتسامة ولم تضف.
 
قرر "كيفن" الاجتماع بمعظم أفراد الفريق ليقدم لهم التوجيهات الأخيرة.
 
ما عدا "جيل" نائب قائد العملية، حضر هناك "بيتر"، الذي سيساهم كما يبدو بالقتل الفعلي للمبحوح، "إيفي برينتون" من خلية الترصد، "ملاني هارد"، وهي من خلية الترصد أيضًا، "آنا شوان"، التي كان لها دور فعال في التنظيم، وامرأتان شاركتا بالتحضيرات وأربعة رجال.
صفحة 8
حين أخذ الجميع مقاعدهم، افتتح "كيفن" كلامه قائلاً لهم:
 
"سننطلق في عملية سرية وسنضطر لاستخدام جوازات مزيفة، بريطانية أو أسترالية وغيرها. كما سنضطر لتغيير هوياتنا. سنستخدم الشَعر المستعار ونبدل مظهرنا، سيظهر أحدنا مرة بشعره الكثيف، ومرة كرجل أصلع. وكذلك الأمر بالنسبة للنساء، ستصبحين يومًا شقراء، وفي الغد سمرا وتضعين نظارات شمسية أو نظارات نظر. مرة بثديين منتصبين وأخرى بصدر شبابي صغير. لا حدود للمظاهر، ولن أدخل الآن بالتفاصيل، لكن إذا استخدمتم خيالكم الخصب ستتوصلون إلى الحلول تقريبًا. ستعمل "جيل" نائبًا لي وينبغي الانصياع لتعليماتها التي تنسقها معي. ليس لنا متسع من الوقت، وعقارب الساعة تتسارع أكثر مما يخال لكم. 
 
وأضاف "كيفن": " أمر آخر يجدر أن تعلموه، لقد نصبت كاميرات في المواضع والفنادق العديدة التي ستزورونها، بحيث ستتعرضون للمراقبة الدائمة. وإذا سألتم كيف نعلم ذلك؟ فالأمر بغاية البساطة، لقد نصبت هذه الكاميرات في دبي شركة إسرائيلية مختصة بذلك، ووجد مدير الشركة من المناسب أن يبلغنا بالأمر دون أن يعلم عن حاجتنا الملحة لهذه الكاميرات. وقال مدير الشركة إنه نصب الكاميرات في الفنادق والمطار ومراكز التسوق."
 
ووفق الخطة فإن ذوي العلاقة بالعملية يجب أن يغادروا إلى بلدان مختلفة، ومن هناك يصلون إلى دبي. وثمة من سيغادر إلى بريطانيا، مثل "بول جون كيلي" و"مايكل لورنس" واثنين آخرين. وسيسافر "مايكل بودنهايمر" إلى ألمانيا، فيما يسافر "كيفن" قائد العملية إلى أستراليا. علم الجميع أنهم سيهبطون في دبي حتى يوم 20 يناير 2010 كأقصى حد، لأن محمود المبحوح سيغادر دمشق متوجهًا إلى دبي بجواز عراقي مزور. 
 
بدأ التعقب وراء المبحوح عمليًا وهو لا يزال في دمشق، حيث اقتفت أثره "ملاني هيرد" التي استبدلتها على التوالي "إيفي برينتون". وحين صعد المبحوح إلى الطائرة في دمشق كان اثنا عشر رجلا وامرأة قد هبطوا في دبي. ووصل بعضهم برحلة على متن طائرة تابعة ل"خطوط الإمارات"، والتي هبطت في دبي في 19 يناير. توفرت لدى الموساد معلومات موثقة ومؤكدة عن تحركات وبرامج المبحوح، ومنذ هذه اللحظة ساد صمت رهيب بين أفراد الخلية. 
 
شعر المبحوح بالاطمئنان، لأنه يتنقل من دول عربية إلى دولة عربية أخرى. وإحدى المضيفات التي خدمته على متن الطائرة حظيت بتحسس منه على مؤخرتها، فأزاحت يده بلطف، لكنه كرر فعلته مرة وأخرى. فقام رئيس طاقم المضيفات، بكل هدوء ودون إثارة أي جلبة، بإرسال مضيفٍ رجل لكي يخدمه بدلا من المضيفة. شعر المبحوح بالإهانة، فنهض عن مقعده وتوجه نحو المضيفة واعتذر لها طالبًا أن تسامحه، وطبع على وجنتها قبلة المسامحة وأضاف: "أنت قمر، يا روحي" فشعرت المضيفة بالحرج، لا بل بالغثيان، فعاد المبحوح إلى مكانه مطمئنًا. 
صفحة 9
طيلة هذه الفترة تابعت أربع عيون تحركاته وتصرفاته. 
 
قالت "ملاني" ل"إيفي": "يذوب الفتى عشقًا للنساء، مما يؤكد أن المرأة يمكنها الإيقاع به في شباكها بسهولة."
 
هزت "إيفي" رأسها موافقة.
 
راح المبحوح في غفوة قصيرة. وأيقظه صوت الطيار الذي خاطب المسافرين: "إننا نقترب من مطار دبي. أرجو من المسافرين الجلوس على مقاعدهم وربط الأحزمة."
 
أفاق المبحوح وربط حزامه، وتمتم بكلمات الحمد والشكر لله على الوصول بالسلامة. فإنك قد تركب الطائرة لكنك لست واثقًا من وصولك إلى بغيتك سالمًا. أخذ الطيار ينخفض بالطائرة فسمع المسافرون ضربة فجائية، فأدركوا أنها عجلات الطائرة التي يهيئها الطيار استعدادًا للهبوط، والتي ستحمل وزن الطائرة ووزن ركابها وأمتعتهم. وكان ثمة من ذهل، فأخذ الجميع يرفعون صلواتهم إلى رب العالمين. ومنهم من جثا على ركبتيه وصلى، ومنهم من التصق بالنافذة الزجاجية للطائرة وأخذ يعد الدقائق واللحظات منتظرًا بفارغ الصبر وصول عجلات الطائرة إلى الأرض.
 
كانت هذه اللحظات طويلة جدًا، وحين لامست العجلات أرض المدرج صفق المسافرون للطيار الماهر ولفريق المساعدين لأن الطائرة هبطت بغاية الليونة والسهولة.
 
انتظر المبحوح باب الطائرة لكي يفتح فتقدم بخطى وئيدة في الممر، وهو يحيي المضيفة التي خدمته، فيعانقها ويقبلها على وجنتها. وأخذ يهبط على سلم الطائرة، ومن هناك تقدم إلى شباك الجوازات. قدم جوازه المزيف، وفوجئ من أن الشرطي يختمه له بدون أي متاعب. بل سأله عن بغيته من القدوم إلى دبي، فرد المبحوح، "أعمال تجارية بالطبع."
 
وصل مندوب كبير من حركة حماس للتأكد بأن عملية دخوله تجري دون معوقات. علم المبحوح الذي حمل حقيبة سفر خفيفة، مسبقًا أين يجب أن يصل، كما علم ذلك مندوب حماس الذي كان ملمًا بالتفاصيل، وحرص على عدم الدنو منه. واكتفى كلاهما بتبادل النظرات بينهما. وكان آخرون الذين عرفوا بالضبط أين وجهة المبحوح، فانتظروه.
 
انتظر الرجل زوجان من العيون، وحين شاهدوه بدأت بشكل فعلي العملية التي أعدت لتصفيته بسرعة دون ترك أي أثر في الحلبة. ولا يقل أهمية عن ذلك ألا يلقى القبض على أحد من أفراد الخلية قبل مغادرتهم دبي.
صفحة 10
استقل المبحوح سيارة تاكسي مباشرة إلى فندق "بستان روتانا" حيث حجز رجال حماس في دبي غرفة له، وحرصوا بأن تقع غرفته في الطابق الأرضي، لئلا يضطر لصعود الدرج أو يستخدم المصعد. لذا حجزوا له الغرفة رقم 130.
 
وفور دخول المبحوح إلى غرفته استلقى على السرير ليستريح قليلا. لم ينتبه أحد إلى أن ذلك لم يغب عن عيون الموساد. وكان "كيفن" قائد العملية قد دخل إلى الفندق قبل دقائق من دخول المبحوح ولاحظ أنه حصل على الغرفة 130، فأصر على الحصول على الغرفة رقم 137، وهي الغرفة المقابلة تمامًا لغرفة المبحوح. وهذه الغرفة سيجتمع فيها أفراد الخلية بعد قليل. 
 
كان المبحوح مستلقيًا على السرير، وانشغلت أفكاره بالخطوات التي سيتخذها بعدئذٍ. فالرحلة القادمة ستكون إلى السودان، بعد أن يمضي يومًا في دبي، يجتمع فيه بعدد من تجار الأسلحة الإيرانيين. وكان هذا محور تهريب الأسلحة والعتاد العسكري إلى غزة.
 
بمجرد دخول المبحوح إلى الغرفة 130 أخذ يتعقبه اثنان من خلية التصفية. وانتظر أحدهما في ردهة الفندق، وهو يرتدي ثياب لاعب تنس ويحمل بيده مضرب التنس. وكانت مهمته التأكد من دخول المبحوح إلى الغرفة التي حجزت له. وللتأكد من ذلك تدافع اثنان من الخلية بثياب التنس إلى المصعد، وسارا بأعقاب المبحوح حتى دخوله إلى الغرفة. لم يكن ذلك مشهدًا ملفتًا للانتباه، أو مثيرًا للارتياب، فقد أقيم في دبي في تلك الفترة الدوري الدولي للتنس، واشتركت فيه لاعبة التنس الإسرائيلية "بئير شاحر". وبالطبع فإن ذلك كان من قبيل الصدف. لم يدبر أحد من قبل ثياب التنس لأعضاء الخلية، بل جاء ذلك تلقائيًا لوجود دوري التنس في دبي.
 
بعد يوم من ذلك، في 20 يناير، وصلت "جيل بوليارد" نائب قائد العملية، التي قدمت جواز سفر إيرلندي في مطار دبي. ووضعت شعرًا مستعارًا على رأسها، مما جعل مظهرها يدل على امرأة في منتصف سنوات الثلاثين من عمرها، وكان الشعر مسترسلاً بلون كستنائي. وسحبت وراءها حقيبة سفر حمراء صغيرة على عجلات، وبداخلها فستان الإغراء الذي سيكشف أكثر مما سيستر من جسدها، وتم تصميمه خصيصًا، ووضع بعناية فائقة في الحقيبة.