باب البنات
كلّ شيء يحدث في الحمّام،
حمام المقهى بالطبع.
تتحرك البنات صوبه، واحدة واحدة أو اثنتين اثنتين، في الغالب اثنتين، خلفهن بمسافة معقولة رجل أو اثنان، يلِجون بابه بدفعة ناعمة لا تحدث صريراً.
باب لزج متواطئ، يتحرك سريعاً، ثم يرتد بطيئاً كأنه يشارك بدوره في المكيدة، يتلّقاهم حوض من المرمر الأبيض تحت أضواء كامدة تعلوه مرآة عريضة، تعكس بابين متجاورين، واحد للنساء وواحد للرجال بالطبع.
باب الرجال في الغالب غير مقفل، موارب فحسب، ينظر عبره الواحد ﺇلى الواحدة، يرقبها، يترقبها حين تهّم بالخروج، يراها في المرآة المتواطئة أيضاً، في الواقع يرمي أذنه من قبل، يتسمع تكته بعد أن أقفلت الواحدة تكتها.
لا ينتظر، على الأرجح لا يتبول أو يفعلها بتهور ليكون الخروج سريعاً، وربما ينسى في غمرة ذلك أن يغلق سوستة بنطاله.
الواحد والواحدة اللّذان في الخلف ينتظران دورهما في الاغتسال كانا قد أنهيا المهمة، تبادلا أرقام التليفونات سريعاً، أخذ رقمها في الغالب، وربما أخذت رقمه أحياناً، قد لا يعجبها من منظره، من بدنه المترهل غير المشدود أو وسامته الغائبة، لكنه في مستقره داخل الشريحة وسط غابة الأرقام، والاحتياط أحياناً واجب، فمن تعافه اليوم قد تحتاجه غداً.
وعندما يتكدس الحمام، كثيراً ما يحدث هذا، إذ يهرع خلف الواحدة أو الواحدتين رهط هبطت عليهم فجأة فضيلة التبول، حينها تكون أرقام الهواتف المكتوبة سلفاً في ورقة صغيرة، والتي اقتطعت على الأرجح من فاتورة الحساب أو مناديل الورق، قد عرفت طريقها واستقرت مرتاحة في جيب الواحدة.
أحياناً تحدث ربكة وتختلط الحكاية، إذ إن واحدة طيرت نافوخ نصف القوم، سعى خلفها النصف الآخر، تركبها الحيرة للحظة، وقد ترتبك من الداخل، في الغالب لا يظهر عليها ذلك حتى تحافظ على هدوئها وعلى الزبون الاحتياطي.
بسرعة ورشاقة تفتح حقيبة يدها، وعلى مهل تفتش عن شيء غير موجود، وبخفة تسأل زميلة لها مشطاً أو أحمر شفاه، تمنح فرصة لينسحب الفوج الأول في ضيق غير ظاهر، لتنفرد بالفوج الجديد.
على الأرجح لا يحدث ذلك، إذ إنها تضرب بالآخرين عرض الحائط برقة مفتعلة، وتسرع وكأن ميعاد القطار قد يفوتها، وهي تعاجلهم بنظرات ووعود.
كلّه على الحساب، وغالباً لا تستحق المسألة كلّ هذا العناء إلا إذا كان الواحد تبدو عليه مظاهر الثراء.
أقل القليل من يرمي بخفة عالية ورقة بها رقمه على طاولة، أو على ساق واضحة عند مروقه إلى الحمّام.
خارجات خارجون، داخلات داخلون، متدفقون ﺇلى قلب المقهى كأن شيئاً لم يحدث.
كل شيء يحدث في الحمّام.
كلّهم يغشونه، يرمون شباكهم أمام مرآته، يعقدون صفقاتهم، تغمز صنانيرهم، ويرتفع خطّاف هنا وهلب هناك. وعندما يعودون لمقاعدهم، يطلبون بعضهم سريعاً في الهواتف، يتواعدون على اللقاء خارج المقهى، ينطلقون متعجلين بسياراتهم وصوت العجلات يصل عالياً إلى الداخل، لينجزوا الفصل المقدس من المهمة.
كلّ شيء يحدث في الحمّام، كلّهم يزورونه، إلا مجيد لا ينتظر حماماً ولا بولاً ولا يحزنون.
بعين الخبير يختار، وهو واقف، طاولة الحظ السعيد، معمّرة عامرة بالنهود، يحرص على أن يجلس قريباً منها من أية زاوية، ملاصقاً لها إن وجد فرصة، ينتظر لحظة ظهور فاتورة الحساب، ينتظر بصبر لا ينفد، يراقب بعين متيقظة خفيضة الجفن النادل الذي يحملها، فجأة يقفز كنمر جائع ويخطفها من أمام الجماعة، يصّر على دفع الحساب وينهي المسألة فوراً دون أن يكترث لنظرة اندهاش تنـزاح فوراً لتحلّ محلها نظرات امتنان وأماني.
يجب أن تذهب معه اثنتان، واحدة لا تكفيه، قنّاص الفواتير في المقهى، وكبير القنّاصين في السرير، يشير من طرف عين وهو يبتسم ساخراً إلى عضوه وبصوت مرتفع تخالطه النشوة:
- أبو جميل يسلّم عليكم.
تذهبان معه، حيث يعيش وحيداً منذ عشرين عاماً، لتؤنسا وحدته، يقدم لهما العشاء كأميرتين، يأكلون ويشربون وحين ترتفع الأدمغة يسخنون ويخلعون، يرتطمون ويلهثون، وحين لا تجدان جميلاً ولا أباه لا تختلف المسألة، شربتا وقبضتا، ولا تختلف عنده أيضاً، شرب ودفع.
يعود في اليوم التالي يخطف فاتورة أخرى كصقر ويدفع الحساب كعصفور.
يبحث عن واحدتين تحيطانه من جانبيه المتسعين، كأن شيئاً لم يحدث، يضحك من نفسه بصوت عال:
- أبو جميل في إجازة، من يجده يخبرني عنه.
لا تقلق، الذين يفكرون في الصيد سيحالفهم الطقس، والذين لا يفكرون لن تعود سيقانهم وحيدة أو جيوبهم خاوية، الشباك مفرودة، السمك ينط وحده يعرف طريقه وصنّارة صياده.
اطمئن، الشتاء بارد هذا العام كعادته والدفء فرض عين، البنات هبطن الواحدة تلو الأخرى كأنه قمقم وانفتح، في ظرف نصف ساعة كان المقهى قد فاض واكتمل عن ﺁخره.
رجال وصبايا من كل فجّ عميق، اسمه مقهى "لمة الأحباب"، تقول صاحبته إنها أسمته هكذا براحاً واسعاً وحفاوة بالجميع، يقول الخبثاء: لتسحب أرجل كلّ العابرين والمقيمين ليحضروا ويدفعوا بمزاجهم.
البعض يسمونه مقهى "الأجانب"، يعج ببقايا فلسطينيين بقوا هنا مرغمين بعد أن غادر الجميع تقريباً إلى رام الله مع ياسر عرفات بعد اتفاقية ﺃوسلو. الذين رفضوا تفرقوا في شتات البلاد وراء رزق أو عائلة أو دولة ترحب بهم أو أي مكان أوسع من رام الله وغزة.
بقايا لم يجدوا أسماءهم في كشوف السلطة الفلسطينية. في القوائم الإسرائيلية كانوا ومازالوا، ممنوعين من العودة، أياديهم ملطخة بدماء الإسرائيليين، وأرواحهم ملعونة أيضاً، وعليهم إن تنفسوا أن يفعلوا ذلك في مكان آخر يستحسن أن يكون قبراً سحيقاً في جوف الأرض.
رحل الجميع وتركوهم كما لو كانوا مصابين بالجرب.. أسماء مكتوبة بالأحمر في قوائم إسرائيل. مشطوبة بالأحمر في كشوف الفلسطينيين.
رحلوا دون أن يتذكروا مهمة التوديع، ولو بأحضان مرتبكة.
حُشروا هنا، لا علم يستظلون تحته، لا أرض ولا عشيرة، لا ضفة يقفون عليها ليلوّحوا لأي قبطان أو شيطان.
حُشروا وبقوا محشورين من وقتها في أحلامهم البطيئة الكسولة وكوابيسهم السريعة.
على الطاولات دائماً ليبيون عابرون يقضون أياماً أو أسابيع، يطيرون ﺇلى تونس للسياحة.. تونس قريبة وجميلة.. فيها كلّ شيء، يقول واحد منهم ويلعب بحواجبه ولسانه. بضعة مصريين وواحد من الخليج، سوري أو لبناني أتى للتجارة أو ربما هرباً من رصاصة أو قضبان من حديد في دولته، كلّ واحد يحمل بين ضلوعه حكاية يبحث عن واحدة يحكيها لها.
المقهى في شارع جانبـي متفرع من شارع المقاهي، الذي ينتفخ بنحو ستين مقهى آخر، ظل لسنوات بمقهى واحد، وحين ارتفعت المباني وسكن الناس، تناسلت معهم المقاهي في شهور وجيزة، يمتلكها لاعبو كرة القدم وبعض الفنانين وأصحاب الأموال القادمة من مدينة صفاقس تحديداً.
ينتصب المقهى على ربوة تصعد ﺇليها عبر سهل، وتهبط منها في أرض منبسطة، ومن أية نافذة يمكن لعينيك أن تمتد بين ربوة وقبة ومنبسط.
أجساد البنات اللائي هبطن للتّو تشبه هذه الأرض مصنوعة من طين مدموغة بلونها الأحمر، وأبو شندي الفلسطيني يقول: يبدو أن الأفارقة مروا من هنا، دقوا أوتادهم وماءهم عميقاً.
أجساد أفريقية، سيقان طويلة متماسكة تسند بجسارة عجيزات جسورات، وافرة واعدة، مندفعة بحساب.
بطون ممتلئة قليلاً من الأمام، ما بين السرّة والغرّة، على حافة النبع، غافية في غالب الأحيان، وجوانب زائدة من الخصر أحياناً، لكنها غير متهدلة، قل متهدلة بقدر، لكن فتنة الصبا تمنعها من الترهل، تشي بكل قطعة زائدة وتضعها برشاقة في ميزان الغواية.
عندها فقط يمكن لك- إن أحببت- أن تمد يدك لتعرف الفرق الدقيق بين جسد الآلهة وجسد البشر.
ولا عين في مكانها، عيون تدخل وتخرج مثل عيون أفلام الكارتون، تندفع بعيداً عن مكانها في الوجه بسرعة وتستمر معلقة، ثم تعود أكثر سرعة وزغللة وأشدّ اتساعاً.
تكذب عليهم عيونهم لو شبعت.
عيون تخترق رائحة بخار الشاي الأخضر ودخان الشيشة ومواقد الفحم المشتعل في مقهى مشتعل.
كلّ البنات يلبسن الجينـز، يعرفن فضائله، ويترحمن في سرّهن كلّ ليلة على الرجل الذي اخترعه.
الرجال يترحمون قبلهن.
يحبس العجيزة تحت قماشه القاسي، الحنون عليها، القاسي على قلوب الرجال المتلمظين، وإن ترطبت عيونهم.
عجيزات ربانيّة مستقرة داخله، محاصرة بحفاوة بالغة رغم أنها تستعد للانطلاق.
حكاية غرام ما إن تنتهي حتى تبدأ، يلم كل شيء، يحوّطه، يحتضنه، ويمنحه شحنة عالية، ما بالك إن كان مشحوناً من أصله.
ليس هناك مكان للباس غيره، أحياناً تزاحمه تنورات شاردة، صغيرة، أضيق من صابونة ركبتك، فوق جوارب لامعة مثل الكريستال وبدونها.
وحده الجينـز، ليس هناك غيره من يهب كل قطعة من الجسد نشيدها، ويتيح لها أن تغني بمفردها وأن تغني جماعة.. بعض القطع تصرخ وأنت تعوي.
بطاقة حياة ممتدة للأرداف والرفوف، يرتفع بالمتماسك، يضغط المترهل، ويخبئ بخبث عن العيون غير الواثق بنفسه.
متواطئ مع الجميع، ضد الجميع، يكوّر المتكوّر وغير المتكوّر.
وأبوشندي الفلسطيني الذي عمل لسنوات في منظمة التحرير الفلسطينية أثناء وجودها في تونس، يضرب كفاً بكف، يسرح بنظره بعيداً، شبح ابتسامة ساخرة وبصوت يكاد يكون مسموعاً يقول: الآن فقط عرفت لماذا كان ياسر عرفات يرفض بتاتاً أن يدخل عليه أحد يلبس بنطالاً من الجينـز، وإن اضطر وقابله لا يقبّله.
بنات يتجولن في المقهى، يخترن طاولة ثم يبدلنها، كأنما يقتربن بخفة من مواقع الأهداف، بالله عليك لا تنـزعج من مشيتهن، ولا تنفرط من هيئتهن فما تراه اليوم ستتعود عليه غداً.
ستتعود عيناك على عشرات الكيلوتات التي تتنـزل عليك، حين تنحسر حواف الأحزمة، تنـزلق لأسفل فيما عيناك حائرتان في الأعلى.
أشكال وألوان، لو أن مصمميه وباعته جاءوا هنا، لاستغنوا عن تكاليف الإعلان عنه في التليفزيون أو عرضه على فترينات الحوانيت.
عرض مجاني ساخن، وعلى عينك يا تاجر، مخرّم منقوب، مثقوب، بفتلة واحدة، بسيور رفيعة، على هيئة شبكة، بفيونكة أحياناً، بكرانيش في الأعلى أو بشريط في منتصف حزامه من الخلف يمتد خارج البنطال كزر طربوش عثماني.
يكاد كل واحد يتفلّت من مخبئه، انحسار البنطال كشف المستور، لحم خمري غالباً، أبيض تحت الأضواء، يكاد ينط فعلاً من المنطقة الفارغة بين حافة البنطال وشرائط الكيلوتات، قد يبدو الشق واضحاً يطل قبل المنتصف يردد نشيده الوطني وحده.
بينما جورج وسوف وحده بصوت أجش وطبقة خشنة يصول ويجول في سماعات المقهى:
قلب العاشق دليله.
شتاء بارد، هواء لاسع يضرب الأنوف، يمرق من تحت الباب، ينحني بأدب إن مّر أمام الصدور المرتفعة، لكن هواء الرغبة يضبط إيقاع الحرارة، يحمى عند دفع الفاتورة أو عندما تومئ واحدة لطاولة مجاورة:
تسمح تولع لي، والأخرى بجوارها بضحكة متغنجة: تسمح تولعني.
هنا، من هنا بالتحديد- ودون لف أو دوران- تبدأ ماكينات البخار في التكتكة، تدير تروسها وتغلي القدور، يلوح بخار وترتفع غيوم داكنة مسرعة ويشرع مطر الرغبة في إرسال رذاذه.
وتبدأ الحكايات.
لا تقلق.. قلت لك لا تقلق، البنت التي تخرج الآن مع رجل، إن أعجبتك لا تجحظ عينيك، لا تمصمص شفتيك، لا ترخي جفونك، ولا تسمح لضغطك أن ينخفض أكثر من اللازم، ستكون لك غداً، لا أحد يستقر على عجيزة واحدة أو نصل وحيد في هذا المقهى.
لا تقلق، في الغد ستحشوها تحتك وستحشوه لها بقدرة ربـي.
تقول نعيمة بابتسامة رخوة:
- كلّهن كسروال العساكر، يخلعه جندي مجهول لا تعرفه، ليلبسه جندي مجهول آخر لا تعرفه.
تلعب بحواجبها:
- هذا اللعب كله من أجل النقود، واحد يدفع ويركب، وواحدة ترقد وتقبض، التعادل نتيجة مرضية للطرفين في مباراة لا يفوز فيها أحد، وحتى إن حدث ففي الغالب تفوز البنات، جنس سريع مثل الوجبات الخفيفة ولكن بفاتورة مرتفعة، لا واحدة تأتي إلى هنا من أجل المتعة.. كله من أجل النقود، الورق الأخضر والأبيض والملّون، ولا بأس بالدينارات طالما كانت كثيرة..
حط الفلوس على وجه الميت يضحك.
تضحك وتشير كأنها تكلم أحداً.
لن تجد واحداً يضع يده على كتف واحدة أو يحمل وردة، قد يشتري لها عقداً من الفل إن أصّر البائع السمج، وإن لم تبعده هي، يده في بنطالها من الخلف أو مدسوسة بين ساقيها أحياناً.
لا ذراع حول خصر، لا غمزة طرية بالعين تحمل وعداً، لا قبلة في الهواء، ولا كلمة تفوح منها الرومانسية، لذا يحسدون زوجات المصريين واللبنانيين على اللسان المعسول لرفقائهن، وأحياناً يقولون بنصف حسرة:
بياعو كلام.
- لا غرام في هذه المدينة، بل لا غرام في هذه الدنيا، الفلوس، الفلوس فقط.
يدها على خدها وعينها على الباب، الذي انفتح فجأة بأثداء نصف عارية هلت مباغتة.. قبيلة من النهود.
كان سرب من البنات بأصوات عالية بضحكات مرقوعة قادماً من الخلف، سحب العيون وبعض الحواس في اتجاهه.
وواحد في طاولة بجوار نعيمة يقول:
الله أكبر، كتيبة المجاهدات وصلت.
يبلع نصف ابتسامة لعوب ويكمل: المنتخب القومي وصل في الميعاد، يرجع بالنصف الآخر: وبدون مدرب.
يكاد يستمر، لكن رنين هاتفه يشغله وبشيء من الغضب:
- إذا لم تعودي قبل العاشرة..
ملامحه تتعكر.
- قلت لكِ- وبصرامة تكسو وجهه الصارم أصلاً- إن تأخرتِ بعد العاشرة لا تعودي للبيت مرة أخرى، وابحثي عن مكان آخر.
وبلهجة حاسمة عالية النبرة:
- هذا بيت وليس مقهى.
- بنتك؟
تقول نعيمة، لكنه لا يعبأ بها، لا يرد ولا يلتفت ناحيتها.
غيظ يتعرق من وجهه:
- منك لله يا بورقيبة، منك لله، صحيح عملت الاستقلال والتعليم وتنظيم النسل.. محسوب لك، عملت الباهي، لكنك عملت الخائب أيضاً، قويت المرأة على الرجل، مددت الاستقلال لكل حاجة.. وكل حاجة بعده أصبحت ممدودة.. تخيلي، معقولة!
- بنتك؟
- تصوري، لا أستطيع أن أقول لابنتي لا، ما إن بلغت تريد أن يكون لها صاحب، والآن تريد أن تخرج معه حتى لو حاولت أن أمنعها.
- كبرت وتفعل أمامك أفضل من أن تفعل خلفك.
- وتريد أن تعود متى شاءت دون إذني، ولا أستطيع أن أمنعها أو ﺃبدي اعتراضي.
يحاول أن يبلع ريقه الناشف، يمد بصره الزائغ من فورة الغضب، يرفع يده يعد البنات الجالسات في المقهى.
- واحدة، اثنتان..
.. بنات العائلات لا يذهبن لهذه المقاهي.
صاحبة المقهى لا تحب البنات العابرات، تفضل المقيمات، تعرفهن جيداً وتأنس لهن، وإن لم تفتح حواراً ممتداً معهن، يبتعدن عن المشاكل ويصطدن زبائنهن بكل خفة وحرفنة وإحساس بالذات، لا يجرؤ أحد أن يقلل من قيمتهن أو يخدش مقامهن أو يعاملهن كعاهرات ولو من تحت الطاولة ولو بإشارة، يجلسن كبنات منعشات منشطات يعرفن ﺃنهن ملح المقهى والحياة، ولا يتركن آثاراً خلفهن، يزدن في إيراد المقهى، يشربن شيشة أو اثنتين لأن الأولى طعمها غير مناسب، وعصيراً على حساب كل زبون قبل أن ينطلقن معه، حتى ولو استغرقت المفاوضات بضع دقائق.
اتفاق غير مكتوب معهن، يشربن قهوة واحدة فقط طوال اليوم مهما طال إن لم يتوفر الزبون.
وأبوشندي يقول: عند افتتاح مقهى جديد في المدينة، تسقط عليه البنات من كل حدب وصوب، يقمن بغارة جماعية بترسانة أسلحة فاخرة من لحم وملابس وماكياج وعطور، يبخّرن المقهى بحضورهن ويمنحنه بركة الرغبة والبهجة، وليكونن في صدر الفتح المبين، يأتين على زبائنه الجدد، يقفزن بإيراد المقهى حتى تعوض صاحبته أو صاحبه مصاريف الافتتاح، ثم ينتقلن لمقهى جديد وفتوحات أخرى بعد أن تركن رائحتهن فيه وحكاياتهن.. وهكذا.
لذا تحتفظ صاحبة المقهى بالمقيمات، وتبسط وجهها للعابرات ليلتي السبت والأحد، الإجازة الأسبوعية عند الحكومة، وليلتي العمل الشاق عندها.
العلب الليلية مكلّفة، وجيوب الزبائن لا تحتمل، والبنات أكثر من الهم على القلب.
جرَّت رجلهم، فرقة موسيقية كاملة بمطربها نصف المخنث، يغني أغاني جورج وسوف في فترة الإحماء، والأغاني اللبنانية القديمة التي تصنع الفرح، ثم يصعد بعد ذلك بأغاني أحمد عدوية لتصعد الأجساد فائرة من كراسيها إلى منتصف المقهى ترقص وتنتشي، وعندما يقترب "السح" تحتك مؤخرات وعجيزات، وعندما يدخل "الدح" تنتفخ الأعضاء في مكامنها، وليسبح المقهى كله فوق رغوة كبيرة.
الكل منتشٍ يعقد صفقاته سراً وعلانية وهي تربح.
وهو مازال رافعاً يده يكمل العد:
خمسة.. عشرة.
دخلت بنتان وحدهما بلباس أنيق يومئ إلى خريطتيهما بحدة، لم تجدا مكاناً فارغاً سوى طاولة صغيرة بجواره.
- عشرون.
جلستا تحدقان في المشهد، ترقبان البنات، أومأت لهما نعيمة، تعرفهما جيداً، عادة تحضران باكراً، تعرضان بضاعة جيدة لم تتفسخ بعد، تأخذان أرقاماً في هدوء وتنصرفان وحدهما وتلحق ضحيتان بهما أو يعدو صيادان خلفهما، تفعلان كل شيء بأدب ودون صخب.
- ثلاثون.
أخرج قلماً واستعان بفاتورة الحساب، راح يحسب على ظهرها الخالي.
- خمسة وثلاثون قحبة، لا لا، كلهن قحاب ماعدا واحدة.
ونعيمة لا تنظر ﺇليه لكنها ترمي أذنها.
تصبح النسبة إذاً.. يقول بصوت عالٍ، ويضرب ثم يقسم:
- النسبة تسعون بالمائة.
يفرد قامته سريعاً، ثم يغادر.
قالت البنت التي جلست على مقربة منه لصاحبتها:
- يا خبر اسود!
والأخرى تتلفت سريعاً تقلب عينيها في كل الاتجاهات، وتقول بانـزعاج مصطنع:
- ما الذي جرى؟.. يا خبر اسود فعلاً، لا لا، المقهى لم يكن هكذا من قبل.
باب الفتح
كل شيء يحدث في الحمّام، الجميع في اتجاهه، يزورنه ويتبركون به، ﺇلا مجيد وبعض المجاهدات، إلا نعيمة التي ترقبه في جلسته المتسعة وأجنابه العريضة التي تخرج من حافتي الكرسي الذي يغوص فيه.
تضحك منه بصوت خفيض: كان الله في عونه، لكنها تسحب ضحكتها سريعاً وترسل له نظرة طيبة تكاد تربت عليه:
- ما أخبار الإرسال؟
يقابل ضحكتها المنسحبة بأخرى سريعة متسابقة:
- أبو جميل في إجازة.. في معسكر تدريبـي، البث سيبدأ قريباً وحين يعود سيكون في استقبالك مرفوع الرأس.
- أبو جميلك عليه عفريت.
تصيح في وجهه بلطف، وبضحكة مرقوعة تنظر في عينيه جيداً وتكمل:
- الدنيا مع الواقف.. الواقف.
تهدأ ضحكتها وتعود لداخلها.
وحدها تجلس في ركن عند المنتصف تحت عمود بضوء خافت، قلقة من الأجانب، كل من ليس تونسياً أجنبـي، لكنها غير قلقة منه.
على العكس عنده حكاية، وهي تحاول أن تطرد حكايتها بحكايته.
لبناني يقيم هنا من زمان، كأنه من أهل المدينة لولا ملامحه، أنيق يعيش وحيداً، يقول كلاماً كبيراً لا تفهم أكثره، من إحدى الطوائف الكبيرة في لبنان، يقول إنه دبلوماسي وموعود.
موعود أن يكون سفيراً في إحدى البلاد قريباً، ينتظر أن تتبدل الحكومة وتركب جماعته الحكم ليركب هو.
- أي حاجة تعملها ممكن أصدقها، غير أنك تركب.
يملك النقود، وتستطيع أن تأخذها منه بسهولة في أغلب الأحيان.
عندما تكثر عليه البنات ينساها ويدخل في جديده، يدخل ويخرج كأنه لا يعرفها، لكنه سرعان ما يعود لها.
لا يسافر إلا نادراً، يعود محملاً بهداياه لصاحبة المقهى التي تظهر له المعزة وتفرد له جناح المحبة، وتعرف أن نقوده- نصفها أو كلها- ستقع عاجلا أو آجلاً في فواتير الحساب.
وحيداً إلا من رغبته العارمة في جمع البنات حوله، دائماً اثنتان أو ثلاث، صباحاً ومساءً، يغمز بعينيه ويقول كلاماً حاراً، كأنه إعلان مدفوع الأجر عن فحولته.
يدفع للبنات فواتير أكلهن وشربهن، وهن يعتبرنه صيداً ثميناً جاهزاً في كل وقت.
يلاعبنه ويتركنه بعد أن ملأ جوفهن ودفع فواتيرهن ليخرجن مع آخرين يملئون فروجهن وجيوبهن.
وهو ينعتهن بالغزوات، غزوة ألفة، غزوة درصاف، وغزوة مونيا، وأحياناً غزوة نعيمة.
في لحظة نادرة أنس لها، قال والأسى يركبه إن الوحدة تكاد تأكله وأنه قارب الستين لا طفل ولا أنيس، يقضي نصف وقته في المجمعات الاستهلاكية ينفق نقوده ليشتري أشياء لا يحتاجها، ينفق وقته الفائض عن احتياجاته، يشتري الشيكولاته ويوزعها على البنات كيفما اتفق.
- زعيم في الشيكولاته جداً، فالح فيها.
لم يعد يعنيها أمره، لكنها تحاول أن تطرد حكايتها بحكايته.
وحدها في مقعدها، تنتظر زبونها على طاولتها، تهبط ﺇلى المقهى بعد منتصف النهار بقليل، في انتظار من أنهوا أعمالهم الصباحية ويريدون أن ينعشوا قيلولتهم.
تقبع في الركن ذاته، تقلب عينيها بين الأجانب، وحين تستقر على الطريدة، تقف، تفرد جسمها، ترخي ثنياته ثم تشدها، وهكذا..
لا تذهب للحمّام، تتمشى على مهلها بالكعب العالي، يجعلها تمشي كأنها ترقص، بقوامها غير الطويل غير القصير، بتدويرة واسعة عند خصرها تسلمها لانحناءة أخرى كغيمة واطئة- كما يقول شاعر مصري اسمه عبد المنعم رمضان- فوق عجيزة مرتفعة، ممتلئة مدوّرة، تهبط بالناظر إلى بئر رغبته، سقط عنها بنطالها الجينـز إلى ما قبل منتصف عجيزتها تقريباً، وليمدد الكيلوت أذرعه الرفيعة في وجه العيون، نصف العجيزة الظاهر قدر نصفها المخفي بالتمام والكمال.
تتكئ على حافة الكونتوار، حافة المكان الذي تصنع فيه مشروبات المعازيم، تكسر ساقها، لا تدفع عجيزتها للخلف، مندفعة متعجلة وحدها، منفلتة كأنما تجري من شيء ضرب أسفل بطنها.
تتحدث مع صانع الشاي والقهوة، تسأله أي شيء، تدور برأسها وعجيزتها ثابتة تقلّب عينيها تكتشف الملعب، تعابثه وهي تعابث البعيد ليقوم بالإحماء والتسخين.
ترمي بضاعتها ثم تعود، المشية نفسها، الإيقاع نفسه، وسط مقهى واسع بأعمدة غريبة لا يتسع لها هذا المشهد حتى لا ينكسر الإيقاع، مكتظ بأجانب انتشروا في لهجاتهم ورغباتهم، يأتون فرادى أو جماعات، وفلسطينيون دائمون يأتون فرادى موزعون على طاولتين، يحكون بصوت خفيض، ثم ينسون.
تضحك وتقول: ملجأ الأيتام.
أجانب يأتون باحثين عن قعدة طرية، يصطادون طرائدهم ويمضون.
بائعات هوى تحت أجمل ملبس وأحلى زينة، بعضهن واضح، وبعضهن يلبس قناعه.
مقهى العشاق أحلى من ملجأ الأيتام، تقول نعيمة بصوت يختلط فيه الضحك بالكلام، يقطع ضحكتها كسوف، الأستاذ كسوف، كضوء مارق من باب المقهى ﺇلى طاولتها، يحجل ويرقص كطائر من طيور الشتاء.
يحط بجانبها بعد أن صف جناحيه، ابتسامته تتسع وسلامه يتطاير.. لا أحد يعرف ماذا يعمل، يقولون: يحتال، يغيب عن المقهى كأنه لم يدخله، ويأتيه كأنه لم يبارحه.
في يوم نادر انكسفت فيه الشمس، هدته حيلته، أحضر ورق الألومنيوم المفضض، استلفه من حانوت، واعداً صاحبه بأن يسدد ثمنه سريعاً، صنع نظارات واقية لرؤية الشمس في خجلها وهي مكسوفة من القمر ليراها من يراها في لحظة قد لا تتكرر في حياته، هكذا ردد بقوة.
باع لكل زبائن المقهى بمساعدة نعيمة، النظارات للبنات، والرجال يدفعون.
من ساعتها اكتسب اسمه وشهرته: الأستاذ كسوف، لكنه في الحقيقة ليس كسوفاً من أحد، حين تكون نعيمة في إحدى غزواتها يحط على طاولتك، يلم جناحيه سريعاً، وبوجه المحتال الباسم يسألك أن يشاركك الجلسة، يأخذ كأس شاي على حسابك، وإن أفرطت في الحفاوة وأومأت بطرف حديث، يعاجلك بالقاضية الفنية ويطلب شيشة: أنت باهي... باهي بالحق.
بابتسامة واسعة مطبوعة على وجهه، كأنه نام ليلة عرياناً، وحين استيقظ وجدها ملصوقة عليه، حلت بسهولة محل ملامحه القديمة، ومن يومها لا يفارقها ولا تفارقه، وسيلته في الحياة والطلب.
وحين ضاقت به الحال وهربت الشمس من القمر، فتح جرابه وأخرج حيلة جديدة، عمل قارئاً للكف والفنجان بمساعدة نعيمة، تقص عليه حكايات الزبائن وتعطيه طرف الخيط، وهو يرد لها الجميل، إذ يمد طرف أحدهم أو يلقيه جاهزاً في حجرها، ويلهف نصيبه من الناحيتين.
يفعل ذلك بأناقة كأنه لورد قديم، أحياناً ينقل أرقام الهواتف بين المشتاقين والمشتاقات، لكنها حين تتكدس، يعرض خدماته من تلقاء نفسه بصوت خفيض، ويوفق رأسين في الحلال بابتسامة مرسومة من قبل.
ونعيمه تحبه، تلقف حكاياته لتخبئ حكايتها.
لا تقلق، قلت لك من قبل، إن أوجعتك شهواتك وحضرت في وقت لا تحضر فيه البنات عادة، ستجد نعيمة في انتظارك في ثكنتها المعتادة، نعيمة جرينتش، جاءت من بعيد من أقصى الشمال، بشهادة متوسطة لا تستطيع أن تمنحها عملاً ولا شربة ماء في مدينة يتسكع فيها حاصلون على شهادة أعلى، ويدوخ فيها كثيرون بحثاً عن أية فرصة.
المدينة فرصة دائمًا، والأهل في ضيق، والعمل هناك مستحيل، والعريس بعيد.
وراء رزقها صعدت، معها شهادة بكالوريا وعجيزة وبعض فرنسية وإيطالية.. وعجيزة محترمة مع بكالوريا تكفيان بالكاد للعمل في مقهى.
عملت نادلة، والبنت في المقهى مطلوبة تناغي وتناجي.
في المقاهي تسقط الحواجز، كلمة من هنا، ويد تصدم بعفوية أي جزء بارز أو ليّن، هدية من هنا وسهرة في علبة ليلية مع الصديقات تريح الأعصاب، والجو العام يسحبها من شواطئ براءتها بقوة.
في البداية كانت تتفرج، تشاهد ما يجري دون أن تشارك سوى بالضحك الخفيف، كان يكفيها أن تنقل رقم هاتف من زبون لزبونة، وتحاول أن تزيد في إيرادها كي تكفي مئونة العيش.
في البداية كانت تخشى أن تخلع سروالها، كله على الناشف وتعود لحجرتها، لكنها بعد أن جرفها التيار وتعرفت على ماء الآخرين ونقودهم صارت تنساه في مكان قد لا تعود ﺇليه.
تبيت في فراشها وحدها، أحياناً مع أختها التي تكمل تعليمها الجامعي على حس نعيمة وفلوسها، تنام في المدينة الجامعية، تقضي عندها ليلتي العطلة السبت والأحد، وتأخذ نصف ما في جيبها.
كان عليها أن تساعد ﺃختها، تعطيها ما حرمت منه، وأن تساعد أخاها الذي ربت طويلاً عليها، قبلها ونـزل ليعمل.
- أنت تعبانة في عرقك، لك وحدك، كان يجب ﺃن أعطيك أنا وأنا سأعمل.
أختها مغرمة بالمدينة، ونعيمة مدعوكة في مقاهيها ومآقيها، من مقهى لآخر ومن فخذ لأخرى، يأكل عليها أجرها أصحاب المقاهي أو يماطلون فتبحث عن غيره، عن فرصة أوسع.
تعوّدت على المقهى، وتعوّد الشارع عليها.
في الطريق بين مقهى وآخر تعثرت بإيطالي طيب، في منتصف الخمسينيات، وهي في أول الثلاثينيات، اكتشف أنه نسيَ محفظته بعد أن شرب قهوته، بشت في وجهه وأمهلته لليوم التالي.
حين عاد ليدفع مست بيدها صدرها العالي:
- ضيفناك على حسابنا.
وأصرت.
علق خفيفاً بها، بمجاملتها ولطفها، هذه مدينة لا يدفع فيها أحد لأحد لوجه الله والمحبة، ولو في الأعياد الوطنية.
الإيطاليون والفرنسيون تحديداً يروحون ويجيئون دائماً، الشاطئ قريب والشهوة كامنة، الحنين متقد واللغة مشتركة.
والحب يحتاج للغة، وحتى إن لم يكن موجوداً، فالغرام وإخوته يحتاجونها، تفتح الباب وتضيء القنديل.
الجسد سيد اللعبة واللون الخمري بوابته، والعجيزات بطاقته، وبنات محتاجات يعملن في مقاه غالباً، يلقِّطن أرزاقهن، يضعطن على أمعائهن بقسوة زائدة، يعصرنها كصائمي الدهر ويدخرن ما استطعن من نقود للمظاهر، يلبسن ويمنحن أنفسهن مظهراً براقاً وعافية وفيرة.
والزواج بعيد- نصف البنات عوانس- وفرنسي ﺃو إيطالي في الخمسين فرصة يجب أن تطبق عليها بما منحتها الطبيعة كي تستطيع أن تطفو على سطح الدنيا.. بلاد جميلة غير هذه البلاد البليدة، وفلوس ومعاش للعمر وتأمين للمستقبل والصحة، حتى ولو استمر سنة واحدة.
- الدنيا هنا مقفولة.
أنس لها، إيطالي مطلق بنصف كرش وآثار وسامة، وليست في إيطاليا ذراع فارغة لبنت في الثلاثينيات غير معلقة في ذراع واحد آخر.
حين هبط تونس شدت سمرة البنات خيوط قلبه وأنعشت الأرداف المنطلقة والعجيزات العالية بقايا جسده، وسمراء أو خمرية في إيطاليا باهظة التكاليف.
رتبت له شقته، طبخت له، أرخت جناحاً حين قرأت في بريق عينيه وارتعاشة يديه أنه مغرم، لم تسمح له أن يتذوق عرقها، وإن
هفهفت بالجناح الآخر.
اكترى لها شقة، طبع على خدها قبلة، وسافر بوعد أن يعود قريباً ينهي أوراقها ويطيران معاً.
اشترط عليها ألا تعمل.
يصلها مصروفها، ضعف أجرها في المقهي أو يزيد، إيجار الشقة وأشواق خفيفة، والتليفون بينهما.
الطبع غلاّب، بسرعة نـزلت للشارع، تطوّحت من مقهى لآخر، لم تقنع بما في يدها، والإيطالي بعيد.
تضرب جبينها بكف يدها، تركل الطاولة تكاد تسقطها وتقول كالمجانين: مخ التونسي هكذا، لو فتحوه لن يجدوا خلايا وأعصاباً، سيجدونه محشواً بأوراق نقدية من كل الأنواع والألوان، وإن لم يجدوها فسيجدوا صوراً ضوئية منها.
نـزلت للشارع وتركت ﺃختها في الشقة، أختها الفاتنة التي تأخذ نقودها لتصرفها على زينتها، والتي لم يرها الإيطالي إلا قبل سفره بيومين، حكى لها عن الجسد في لوحات عصر النهضة الإيطالي، فحدثته عن الجسد في الشارع التونسي، برم معها المدينة بحثاً عن هدايا تذكارية في غياب نعيمة التي كانت في الحمام العمومي تجهز نفسها لسهرة أخيرة قبل سفره.
تعمل، وإن أكلها فخذها تسد جوعه، وتقتسم مع أختها النقود.
الغيبة طالت، والنقود تصل من إيطاليا في الموعد، ظله يبتعد، تكاد تنسى ملامحه لولا انعكاس لمعة الليرة على وجهها، وحلمها بالسفر وتغيير حياتها.
حين طلبها في تليفون الشقة- لم تكن الهواتف المحمولة قد اخترعت بعد- كانت أختها هناك تخبره بصوت متردد أن نعيمة عادت للعمل، وتطلب منه بقوة أن يسامحها.
مرة ثانية وثالثة، والخيط الذي يرتخي بينه وبين نعيمة يشتد يقوى بينه وبين أختها، في المرة العاشرة قالت له: نعيمة عادت لصاحبها.
عبأته بنعومة حتى الفجر، وحين تناثرت شظاياه لملمتها، دعكت رجولته، ودعته أن يبرما الحياة معاً.
- فهمتك من أول نظرة.. نعيمة بنت سوق، بنت الشارع... وأنا... أنا عشقتك.
بسرعة عاد.
الخيوط السوداء دخلت في البيضاء، البكرة تتدحرج بسرعة مخلفة خيوطاً واهية لا تكاد ترى.
حين شاهد نعيمة في المقهى مع صاحبها، لم يترك فرصة لشيء، خرج تائهاً يتأرجح على منحنى، عند أعلى نقطة فيه قبل صابونة الانـزلاق، أخت نعيمة كانت هناك، في أعلى المنتصف أيضاً على مسافة قدم واحدة، على مسافة يد واحدة، زحزحت نفسها بخفة، لعبت بأصابعها، شدته والتقطته، نَفَسه مقطوع بردان، وفي منتصف المنتصف احتضنته، لا شيء ينعش قلباً قدر حضن في لحظة برد الروح، كان جمالها يكشط ضباباً وألماً خفيفاً عن عينيه، وسخونة خصرها تعيد الدم لعروقه ومنتصف حزامه والمناطق المجاورة.
قلب العاشق لا يبرأ، قلب المغرم يبرأ، الأول يحتاج حانة وعاهرة، والثاني يحتاج حضناً وخمرية مغوية بأقل تكلفة.
احتضنته ثالثة وسابعة.
انـزلقا معاً، ثم طارا معاً.
مثل الأفلام الهندية بالضبط، تقول نعيمة، فيلم أمام شاشة عينيها طوال الوقت، معروض على مدار الساعة، وأسئلة تنغزها من كل جوانبها.
لماذا يغير الأوروبـي بوصلته فجأة وهو المعروف عنه أنه لا يكذب مثلنا، ولا يشغل مخه كعادتنا؟
لماذا غدرت بها أختها، لحمها ودمها وفلوسها، لماذا خطفته منها؟
يحدث ذلك بين البنات أحياناً، أما أختها فلا..