eKtab
EN ع
هدم الدين ومرجه
اقرأ عينة مجانية

هدم الدين ومرجه

بقلم قاسم أحمد عقلان

صفحة 1
مقدمة:

- تتلخص قضية مرج الدين وهدمه في كونها قضية عامة كلية مشتركة، تشمل وتستوعب عموم الناس المخاطبين بخطاب الشارع الحكيم التكليفي والوضعي عموماً، المتعلق بهم وبجلب مصالحهم العاجلة والآجلة, ودرء المفاسد العاجلة والآجلة, ومن ثم الدخول في أسباب الفتنة، والإختلاف والتفرق, والإقتتال, كما ثبت عن الرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم وفي هذا المبحث سنبين هذه القضية المهمة بشيءٍ من التفصيل والتوضيح, وبما وفق الله به وأعان عليه، كما أن من آثارخطاب التكفير، والتحريم، والتأثيم، ما ينشا عن ذلك من أحكام شرعية قد سبق بيانها في اصدارمستقل, وأحكام قدرية إلهية هي عبارة عن عقوبات عامة, تقع في كل مكلف وقع في أسبابها وعللها, كما أشرنا إلى بعض من تلك العقوبات، والمؤدبات، والإبتلاءات الربانية في اصدار مستقل كذلك .

- إن أعظم عقوبة حلت بالأمة, هي عقوبة مرج فقه أسباب العقوبات، والإبتلاءات, والفتن, والحوادث العامة, التي دخل بها عموم الناس في الحرج والمشقة, وجلبوا على أنفسهم بسب مرجهم وجهلهم أنواع عقوبات الله عز وجل, الخاصة والعامة, الحسية والمعنوية.

- فعجز عموم الناس عن فقه وفهم أسباب تلك العقوبات, بل وصل الأمر إلى حد العجز وعدم القدرة عن التفريق بين العقوبات المستحقة على الذنوب والآثام, مطلقاً, وبين الإمتحان المقصود به التزكية والتخلية, والتولية, والتكريم, أو بين التشريف والإهانة, أو بين العز والإذلال, وتلكم من أقصى وأعتى العقوبات التي تقع في المكلفين, إذا شاع فيهم الجهل, والمرج, والهرج, والتبس عليهم أمر الدين الحق, وأسباب الطاعات والمثوبات, وأسباب المعاصي والعقوبات, كأثر عن ظلمة القلوب وطمس البصائر, بتكاثف حجاب النفوس الحيوانية الأثيمة على القلوب, حتى تنقلب حقائق الأشياء وأعيانها, فيعتقد الناس أن التهوك في الفتن, والعقوبات الإلهية, إنما هو تكريم لهم وتشريف, ورحمة ومنة, وليست إهانة, وعقوبة وانتقام, وسخط وحرمان من الله تعالى, بسبب شيوع الذنوب والآثام, الصغار منها والكبار.

- وفي هذا المبحث سنبين بعضاً من أسباب ومظا هر مرج الدين وهدمه، في ضوء القواعد والضوابط، اللغوية والأصولية.
صفحة 2
الفصل الأول
ماهية الهدم والمرج الواقع في الدين:

1. المرج: بإسكان الراء: الفتنة والإختلاط، وبفتحها: تحير البصر.

• وبفتح الراء: الفساد، والقلق، والإختلاط، والإضطراب1.

• والمرج: بسكون الراء: أرض واسعة فيها نبت كثير تَمْرُجُ فيها الدواب.

• والمارج من النار: الشعلة الساطقة ذات لهب شديد.

• وأمر مريج: قد التبس، أي ملتبس، قد مرج مرجاً2.

2. الهدم: التخريب، ويقع على كل البناء، فما دام الشيء مما يبنى، يطلق عليه هدماً، قال تعالى: (لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ)3، أي صارت غير صوامع، وكذا النقض، قال تعالى: (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا...)4، كانت امرأة مجنونة تغزل جميع ليلها, وتنقض جميع نهارها حتى لا يبقى5.

• الهدم يدل على حط بناء، وهدمت الحائط أهدمه، والهدم ما تهدم، ومنه الثوب البالي، والجمع إهدام6.

- وقد روي أن عمر رضي الله عنه قال: (إنما يهدم الدين؛ زلة عالم، وجدال منافق، وأئمة مضلين)7.

• ويقول بن فارس: مرج: الميم، والراء، والجيم، أصل صحيح يدل على مجيء وذهاب واضطراب.

- ومرج الخاتم في الأصبع: قلعه، ومرجت أمانات القوم وعهودهم: اضطربت واختلطت.

- والمرج: أصله أرض ذات نبات تمرج فيها الدواب8.

• إذاً؛ معنى المرج؛ هو:

- الفتنة واختلاط الأمور الحسية وغير الحسية.

- الفساد والإضطراب والقلق، والسكون لكل ذلك.

- التباس حقائق الدين على المكلفين، وعدم تمكنهم من فهم الدين فهماً صحيحاً، بسبب ما حدث فيه من فعل المرج والخلط، واللبس، والإضطراب، والفتنة، إلى أن صار بعض الدين فساداً، أي بسبب ما وقع فيه من المرج من قبل بعض الطوائف، والفرق الفاسدة والممروجة، والتي قامت بفعل ذلك المرج، فأضافت إلى أصله وماهيته كثيراً من النصوص الموضوعة بقصد المرج والتلبيس، وإدخال المسلمين في القلق والإضطراب والحيرة، ثم الوقوع في الفتن، ثم بسبب قيام بعض الطوائف الفاسدة الممروجة بوضع ونصب قواعد وضوابط وطرق من عند أنفسها لفهم الدين، وكيفية التعرف على معاني خطاب الشارع الحكيم، بخلاف القواعد والضوابط والطرق الصحيحة التي أنـزل الله بموجبها القرآن، وخاطب بها قوماً محددين هم العرب، ونصب لغتهم العربية من بين سائر اللغات، أن تكون هي لغة خطابه إلى عموم المكلفين حتى تقوم الساعة، فلا يجوز أن يقول قائل أو متقول في خطابه، إلا بشرط التزامه بتلك القواعد والضوابط، وإن مخالفتها يعد مرجاً للدين، وهدماً وتخريباً له لفظاً ومعنى، وإفساداً للدين كماهية وحقيقة موجودة في الذهن، ومسطرة في الكتاب، ومتحققة في الوجود البشري التكليفي، فظهر كثير من الفرق والطوائف التي أحدثت – بمجموعها – في هذا الدين المرج، والإختلاط، والإضطراب، وجعلت من بعض النصوص المدخولة الموضوعة، أو المحرفة، مصدراً للفساد والإفساد، والفتنة، والإختلاف، والحيرة والقلق.

بعض النصوص الدالة على مرج الدين وهدمه:

- عن ميمونة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذات يوم: (ما أنتم إذا مرج الدين؛ وسفك الدماء؛ وشرف البنيان؛ وظهرت الزينة؛ واختلف الإخوان؛ وحرق البيت العتيق)9.
صفحة 3
• دلالة الحديث

1. يفيد بدلالة المطابقة وصريح الخطاب، وقوع المرج في الدين، ووقوع بقية أسباب المرج الأخرى في هذه الأمة.

2. ويفيد بدلالة الفحوى، إلى أن وقوع المرج في الدين سيظهر بصورته النهائية عندما يقع في الأمة تلك الصفات التي تعد من آثار مرج الدين، فهي مسببات ستقع عند وقوع سببها وهو مرج الدين، ففي قوله عليه الصلاة والسلام (اختلاف الإخوان)، بيان بوقوع هذا الإختلاف في كل طائفة وفرقة، ثم بين كل طائفة وطائفة، وفرقة وفرقة، وإن سبب ذلك الإختلاف سيكون سببه وعلته المباشرة والمؤثرة في وقوع فعل الإختلاف بين المسلمين؛ هو مرج الدين وهدمه.

- وفي قوله: (وشرف البينان)، أي ظهور إحدى أمارات الساعة، وهو التطاول في البنيان، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة.

- وفي قوله: (وظهرت الزينة)، أي الألوان المختلفة، فهو خبر يدل على أمر غيبي سيقع قبل وقوعه، وإدراك ماهيته وحقيقته في الخارج، وقد ظهرت هذه العلامة والأمارة الدالة على مرج الدين في عصرنا هذا، والذي قبله وذلك من خلال وسائل مختلفة متنوعة، محسوسة ومرئية مشاهدة في شتى مجالات الحياة، وخاصة التلوين الضوئي، والإشعاعي, والكيميائي، ونحو ذلك.

- وفي قوله: (وحرق البيت العتيق)، تقرير وتنبيه منه صلى الله عليه وسلم كما أخبره ربه سبحانه وتعالى بوقوع ذلك الحدث، وتلك الفتنة الإستحلال ية لحرمة بيته الحرام، بسبب وقوع أولئك المخاطبين بفعل الإحراق للكعبة المشرفة في اللبس، والإختلاط، والفتنة والفساد والإفساد، فإضافة حدث الحرق للكعبة إلى بقية الخصال التي عدها الرسول ( من مسببات مرج الدين، ومن علامات وحجج إثبات وقوع المرج في الدين عند وقوع حدث الإحراق الحسي، الذي لا يستطيع أحد وقف عليه وشاهده أو علم به بواسطة؛ إنكار وقوع المرج في الدين، إذ سيكون ذلك الحدث، آخر علامة تنتصب لمعرفة وإدراك ماهية المرج وأسبابه في الدين، وفي بعض الممروجين من المسلمين، وخاصة في بلاد الحرمين الشريفين، فإن قصد الشارع من نصب ذلك الحدث علامة لمعرفة حقيقة مرج الدين, في زمن وعصر وجيل وقوع الإحراق، فإن أهم مظاهر وعلامات مرج الدين إنما وقع بسبب خلط ولبس واضطراب الأحاديث، والأخبار المتعلقة بالفتن والحوادث، وأشراط الساعة في آخر عمر هذه الأمة، وخاصة ما يتعلق منها بالمهدي، والقحطاني، والعائذ بالكعبة, وما شابه ذلك من الأخبار، الممروجة، في بعض ألفاظها، أو بسبب الجهل في فهمها، وإدراك قصد الشارع منها.

• وعملاً بقواعد الإستدلال وفهم خطاب الخبر في الغيوب المستقبلة؛ فإن جميع الأحاديث والأخبار الصحيح منها وغير الصحيح؛ لم تثبت كلها بالتواتر، فكثير منها من نوع خطاب الآحاد التي لا ينبغي اعتقاد صحتها، ثم اعتقاد ما دلت عليه وتعلقت به، وإنما يصح العمل بها فقط، لاحتمال صدقها دون القطع بضرورة وجوب تحققها في الخارج، إلا بعد أن يثبت بالحجج والبراهين الضرورية، ويتحقق معناها المدلول عليه بلفظ الخطاب في الواقع، ويتطابق المعنى مع اللفظ في الواقع تطابقاً تاماً؛ لا يبقى عنده احتمال أو شك، فيجب حينئذٍ اعتقاد صحتها، ووقوع المعجزة في ذلك الخبر الغيبي المستقبلي والتحدي بها.

• العلم الضروري يحصل باللغات، ويحصل بمدلول الألفاظ على معانيها الموضوعة لها، والمستعملة فيها، وأما المعاني التي لا تدل عليها الألفاظ اللغوية، فلا تفيد شيئاً من العلوم, قطعاً، بإجماع علماء اللغة، والأصول، والفقه10.

• إن نصب حدث إحراق البيت الحرام، والذي تحقق ووقع لدليل قاطع على أن القوم الذين فعلوا فعل الإحراق بالكعبة المشرفة، هم من القوم الممروجين الملبس عليهم أمر حقيقة الدين، فوقعوا في المرج والفتنة، والإستحلال لأعظم المحرمات والمقدسات القطعية، هي: بيت الله وكعبته، وبالنظر في أسباب وبواعث فعلهم ذلك الفعل، نجد أنه بسبب وقوعهم في اللبس والخلط في قضية المهدي المنتظر، إذ اعتقدوا ممروجين أن صاحبهم هو المهدي الذي يعوذ بالبيت بقصد طلب البيعة له بالخلافة، استناداً إلى أدلة ظنوها صحيحة وتفسيرها متطابق مع بعض الرؤى المنامية، التي إن كانت ملكية فتفسر بمعان مختلفة، وإن كانت غير ملكية فقصد بها الفتنة ليتحقق مدلول الخطاب النبوي في مرج الدين، وفي القوم الممروجين، وتظهر معجزة نبوته عليه الصلاة والسلام فهي رؤيا أذن الله بها بقصد الفتنة والإبتلاء، والإمتحان، وتعميم عقوباته في الناس بسبب مرج دينهم.
صفحة 4
• ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد ذكر أهم أسباب ومظاهر المرج في الدين، وهي:

- اختلاف الإخوان في الدين، وتفرقهم إلى شيع وأحزاب متنافرة.

- التفاخر بالبناء والتنافس في الأسواق، وما شابه ذلك.

- ظهور الزينة: أي الإكتفاء بظواهر الأشياء الحسية، وترك الماهية والحقيقة التي هي المقصود من خلق ظواهرها، بقصد الفرح والمرح، ونحو ذلك.

- استحلال الدم المعصوم بسفكه بإطلاق.

- إحراق البيت العتيق.

- فقد عد الرسول ( إحراق البيت واحداً من مظاهر ومسببات وقوع الناس في مرج الدين، فهم طائفة من الأمة وقعت في المرج بسبب التصور العقدي في المهدي المنتظر، كما هو عند بقية الطوائف الأخرى الواقعة هي كذلك في نفس السبب, وسبب المرج في الطوائف الإسلامية، التي اختلفت وتفرقت وتقاطعت ورمت غيرها بالإبتداع، والجهل، والضلال، ونحو ذلك؛ هي نفسها واقعة في المرج الديني، وفيما هو خاص بها، وهكذا كل طائفة تحقق فيها وصف من أوصاف مظاهر المرج، هي أيضاً واقعة في المرج والفتنة, قطعاً، فهي كلها أسباب ومظاهر وعلامات من قامت فيه وعمت وشاعت؛ حكم عليه بالمرج في الدين، إذ قد لبس عليه، ووقع في الإثم والحرج والفتنة في دينه من حيث لا يشعر، ولا يقصد، غالباً، وإنما أوقعه جهله بدينه، وعدم توفيق الله له وإرشاده إياه، وتبصيره وتنوير قلبه بالعلم والفقه والإيمان، كما جاء في الأحاديث الصحيحة التي ذكر فيها بعض أسباب ومظاهر مرج الدين، ومنها: الكبر، والفخر، والعجب، والجهل، والغنى، والبطر، والأشر، إذ أضيف إليهم صفة المرج في الدين قطعاً، سواءٌ كانوا أفراداً، أو جماعات، أو شعوباً أو قيادات، علماء، أو جهالاً، فمتى تحقق على جهة العلم اليقيني ظهور تلك العلامات، والأمارات الحسية؛ كان ذلك دليلاً على قرب خروج فتن الدجال، وتطابق النصوص في المهدي وعيسى عليه السلام، إلى آخر الفتن والحوادث الدالة على قرب الأجل.

•فلا فرق بين القوم الذين مرج دينهم في قضية عقدية، كقضية المهدي المنتظر، وقضية فتن الدجال، أو في قضية التعامل مع فقه المصالح والمفاسد, من حيث الإعتبار والإلغاء، التقديم والتأخير، أو قضية تسخير نعم الله تعالى والإستفادة منها، وما شابه ذلك، فالجميع يضاف إليه أسباب وعلة المرج، والحديث ذكر فيه خمسة أنواع هي أسباب لمرج الدين، مطلقاً.

- فهو إذاً مرج عام وقعت فيه الأمة كلها بدون استثناء، إلا قلة قليلة من خصهم الشارع بالذكر وعصمهم الله عز وجل من المرج، ووصف المرج عرضي وليس ذاتي، فمن فهم دينه على الوجه الصحيح وأصلح؛ انتفى عنه وصف المرج.

أسباب مرج الدين عموماً, من خلال حديث مرج الدين، وأحاديث أخرى في نفس القضية:

‌أ. فمن أسباب المرج كما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام ما يأتي:

1. عن بن مسعود رضي الله عنه، قال: (ليس عام إلا الذي بعده شر منه، لا أقول عام؛ أمطر من عام، ولا عام؛ أخصب من عام، ولا أمير؛ خير من أمير، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيهدم الإسلام, ويثلم)11.

2. وعن زياد بن حدير رضي الله عنه، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون)12.

• وأخرج الخطيب بسنده, إلى أن قال, عن الشعبي, قال: قال عمر: لزياد بن حدير رضي الله عنهما: (أتدري ما يهدم الإسلام؟!)، قال: فلا أدري ما أجابه، قال: فقال عمر رضي الله عنه: (زلة عالم، وجدال منافق، وأئمة مضلون)13.

3. وأخرج, أيضاً بسنده, أن أبا حنيفة, قيل له: في هذا المسجد - في الكوفة - حلقة ينظرون في الفقه، فقال: (ألهم رأس؟! قالوا: لا! قال: لا يفقه هؤلاء أبداً)14.

• وبسنده أخرج أيضاً، أن أبا ثور، قال: قال الشافعي لأهل الحلقة: (تفقهوا مع فقهكم هذا بمذاهب أهل الإخلاص، ولا تفقهوا بما يؤديكم إلى ركوب القلاص، فإن عيسى بن مريم؛ إذا نـزل لكم؛ يطلب معشر الفقهاء)15.

4. وعن شفي الأصبحي، قال: (لتفتحن على هذه الأمة خزائن كل شيء، حتى تفتح عليهم؛ خزائن الحديث)16.

- ولقد فتح على الأمة والعالم كله خزائن العلوم والمعارف من خلال شبكات الإنترنت ، والقنوات الفضائية.

5. وعن عدي بن حاتم، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب، فقال لي: (يا عدي! ألق هذا الوثن من عنقك! وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة, حتى أتى على هذه الآية، (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداًلاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)17، قال: بلى! أليس يحلون لكم ما حرم الله عليكم؛ فتحلونه؟! ويحرمون عليكم ما أحل الله لكم؛ فتحرمونه؟! فقلت: بلى! فقال: تلك عبادتهم)18.

6. وعن إبراهيم النخعي، في قول تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ)19، قال: الخصومات, والجدال في الدين.

7. وعن عبدالرحمن الأوزاعي، أن عمر بن عبدالعزيز، قال: (إذا رأيت قوماً يتناجون في دينهم دون العامة؛ فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة)20.

- وعن بن الحنفية، قال: (لا تنقضي الدنيا؛ حتى تكون خصوماتهم في ربهم)21.

- وفي لفظ: (لا تقوم الساعة؛ حتى تكون خصومتهم في ربهم)22.

- وعن شهر بن حوشب، قال: (إياكم والخصومات في الدين؛ فإنها تحبط الأعمال)23.

- وعن بكر بن نصر، قال: (إذا أراد الله بقوم شراً؛ ألزمهم الجد ل؛ ومنعهم العمل)24.

8. وروى نعيم بن حماد, بسند رجاله ثقات، وفيه إرسال, حديث الطبقات، (أمتي خمس طبقات ...) فقال في صفة الطبقة الخامسة؛ بأنهم: (أهل فرح ومرح، والمرج والهرج).

9. وعن ميمونة رضي الله عنها، قالت: قال عليه الصلاة والسلام ذات يوم: (ما أنتم إذا مرج الدين...).

‌ب. ومن أسباب مرج الدين، وهدمه، ظهور القوم المارقين من الدين، في آخر فترة من عمر هذه الأمة.

‌ج. ومن أسباب مرج الدين، وهدمه، ظهور أمهات الفتن العامة, والحوادث العامة, بين يدي الساعة.، وذلك مثل الفتن الأربع ، والبدع الثلاث، والفتنة التي تدخل كل بيت، وغيرها.
صفحة 5
- دلالة الأحاديث السابقة, على مرج الدين, وهدمه:

- دل حديث هدم الدين، على وقوع الهدم في هذا الدين، ومرجه، وذلك إذا شاع في الأمة زيغ العلماء، وزلاتهم، وإنما يكون زيغ العلماء، عندما يخوضون في العلم، والرواية، والفتوى، والشهادة، بدون فقه وبصيرة من ربهم، فيقعون في اللبس، والإضطراب، والحيرة، والفتنة، والإشتباه، قال تعالى: (هُوَ الَّذِيَ أَنزلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ(25، فالمتشابه يقابل المحكم المعلوم البين المعنى، وكل جاهل وضع نفسه في موضع العالم الفقيه، يكون المحكم عند العالم؛ متشابه عنده، فيفتي بالباطل والخطأ، فيضل ويضل غيره، وأيضاً يقع الهدم في الدين، إذا ظهر في الأمة الجهال المنافقون الذين يجادلون بالدين، ويدعون العلم به، والدفاع عنه، والخصومات مع الناس بدافع التدين والحمية والغيرة عليه، وهم كاذبون مفتونون ضالون، هالكون، كما نشاهد كثيراً من هؤلاء أثناء الحوارات، والندوات، والمقابلات الإعلامية، التي تقام عبر القنوات الفضائية، وهم يتصدرون البيان، والفتوى، وإصدار الأحكام التي تهدم الدين وتمرجه، لعدم أهليتهم لهذا المنصب العظيم، والوظيفة الدينية العامة الكبرى، وأيضاً يقع الهدم والمرج في الدين، إذا صارت ولاية الأمة إلى السفهاء قاصري الأهلية، فإنهم سيكونون أعظم أسباب المرج والهدم للدين، والأحاديث النبوية تكاد تكون متواترة المعنى في إثبات ذلك, ووقوعه خاصة في آخر الزمان.

‌د. ومن أسباب مرج الدين العامة:

- اتخاذ الربط، والزوايا، والحوزات، ونحوها مقصداً أصلياًّ لتعلم العلم، والتفقه في الدين، وتوثيق وإجازة العلماء:

- اتخاذ القعود في الغرف، والربط، والزوايا, والحوزات؛ مقصداً أصلياً لتلقي العلم عن الشيوخ، والحفظ عنهم علمهم وحالهم ومقالهم، والتأسي بهم وتقليدهم، قياساً على أهل الصفة، وعلى حال الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه في العهد المكي، قبل تكليفه بالخروج والانتشار، وإنهاء المرحلة السرية والكتمان، كما يفعله بعض طوائف الباطنية، وغلاة الصوفية، وبعض أهل السنة، الذين يضيق عليهم تعلم العلم والدعوة العامة في العلن, كما في بعض البلدان، التي تمنع الحكومات بعض أفراد وطوائف المسلمين من إنشاء الربط والحلقات العلمية والمعاهد الشرعية العامة؛ فتضطر إلى إنشائها في السر، وجعل التعلم الشرعي والتفقه في الدين يجري داخل الغرف المغلقة، والزوايا السرية، فيحدث البدعة، والمرج والفتنة في الدين، بل تصير تلك الزوايا السرية والربط الدينية، وسيلة لتأسيس البدع والضلالة، ومرج الدين والمتدينين به عموماً.

- إن اتخاذ الزوايا والربط السرية المغلقة على أصحابها, لتعلم العلم والتفقه في الدين لا يصح؛ لأن قعود الصحابة الكرام في الصفة لم يكن مقصوداً لذاته ولنفسه، ولا كان بناء الصفة للفقراء مقصوداً، بحيث يقال: أن ذلك عمل يندب إليه من كان قادراً عليه، ولا أن ذلك عمل شرعي يطلب من الناس فعله على جهة الوجوب، أو الندب، وأن ترك الاكتساب والخروج لطلب الرزق، والانقطاع إلى الزوايا، والربط، والغرف السرية، والكهوف الجبلية، والسراديب الأرضية، يشبه حالة أهل الصفة، وهي الرتبة العليا في وسائل التربية والتعليم، والترقية والتولية، وفقه القلوب، لأنها تشبه بأهل صُفَّةِ رسول الله عليه الصلاة والسلام الذين وصفهم الله بقوله: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً(26.

- فإن الإستدلال بذلك غير صحيح، لإن تلك الحال التي كان عليها أهل الصفة تعتبر واقعة خاصة ببعض المسلمين، في زمن خاص ومكان خاص، وأحوال خاصة، اقتضت منهم أن يتصرفوا على ذلك النحو، لدرء مفسدة انعدام السكن، والفقر والحاجة، ولجلب مصلحة قربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم للتلقي منه عن قرب، وطلب حقوقهم في بيت مال المسلمين، ولم تكن ربط وزوايا سرية مغلقة، بل مفتوحة عامة، لا يمنع أحد من الجلوس معهم، ومشاركتهم معاناتهم وبلواهم، وحمل العلم عنهم إلى الناس كافة، يقول الإمام الشاطبي: (إن ذلك مزلة قدم لمن لم يأخذ دينه عن السلف الأقدمين، والعلماء الراسخين، فلا يظن عاقل أن القعود عن الكسب، ولزوم الربط؛ مباح, أو مندوب إليه أفضل من غيره، إذ ليس ذلك بصحيح، ولن يأتي آخر هذه الأمة؛ بأهدى ممن كان عليه أولها)27.

- ثم يقول مبيناً جوابه على اعتراض يرد؛ بما مفاده: (إن البدعة إنما في تخصيص ذلك الموضع دون غيره، والتخصيص هاهنا ليس بتخصيص تعبدي، وإنما هو تعيين الحبس كما تتعين سائر الأمور المجسمة، وتخصيصها ليس ببدعة، فكذلك ما نحن فيه، بخلاف الربط فإنها خصت تشبيها بالصفة للتبعد، فصارت تعبدية بالقصد العرفي، حتى أن ساكنيها مباينون لغيرهم في النحلة والمذهب، والزي والإعتقاد)28.

- ويقال في الجواب على ما سبق, أيضاً:

- لم يكن عمل أهل الصفة في حبسهم نفوسهم في ذلك المكان المخصوص، بقصد الحبس للعلم والعبادة والإنقطاع لله، وإنما كان عملاً عادياً عرفياً لا يعلل بأنه مقصود للتعبد والإنقطاع، حتى يجري القياس عليه، فالعمل الشرعي المعلل المقيس عليه، هو بناء المساجد، وإقامة الدروس، والحلقات، ومجالس العلم والذكر، والدعوة والفتوى فيها، أما إنشاء البيوت الخاصة بسكن بعض الطلاب، أو المعلمين، فقد جرت العادة منذ العصور الإسلامية الأولى، حتى اليوم، أنها من قبيل الأمور العادية التي لا تعلل أو يقاس عليها، أو تدل على مقصد ديني أو شرعي معتبر، يصلح دليلاً للإستدلال به على معنى شرعي مراد ومقصود للإقتداء والتأسي، وإلا للزم أن يجري الاقتداء والتأسي في سائر عوائد الناس المتغيرة المتبدلة من بناء المساكن، وإنشاء المساجد، وعمارة الربط، والمدارس، وحفر الآبار، والخنادق، وحياكة الثياب، ونحوها، إلى ما وراء ذلك من أصناف العوائد التي لا تتعلق بأمور الدين من حيث طلب فعلها, أو تركها، وإنما مكانها في دائرة المباحات، أو المندوبات الواسعه.

• إذاً النتيجة: أن اتخاذ الربط والزوايا السرية لتلقي العلم والتربية الدينية, والشرعية الفقهية على يدي بعض الناس؛ مقصداً تبعياً وليس أصلياً يجوز اتخاذها عند الحاجة والضرورة الملجئة إلى تلك الوسائل، وحكمها؛ حكم المقاصد التي تؤول إليها؛ فإن كانت هذه الوسائل تفتح ذرائع المرج في الدين والفتنه في الأمة، كالجهل، وادعاء العلم، والإنتصاب لوظيفة الفتيا، والرواية، والإجتهاد، والنذارة العامة، وتوهم الصواب فيما انتصبوا له، وخطأ من عداهم، أو تفسيقهم وتأثيمهم، وربما تكفيرهم؛ فإن هذه الوسائل تمنع ويجب سدها وتحريمها، وإن كانت تؤول إلى مقاصد مصلحية حقيقية خاصة أو عامة، تعلم يقيناً وتكون بنظر أهل الحل والعقد وليست في الخفاء وبعيداً عن النظر والمعرفة لماهية ما يجري ويتعلم فيها، فحكمها حكم مقاصدها، فإن صارت هذه الوسائل في حكم العادة المطردة؛ فإنها تحرم وتمنع، باعتبار ما أضيف إليها وألحق بها من المداومة عليها واعتقاد مشروعيتها, وطلبها من جهة الشرع، أو من جهة سد ذريعة أن لا يظن العوام مشروعية طلبها ديناً، وأن العلم إنما يتم تلقيه من خلالها، ونحو ذلك من المفاسد المترتبة عن المداومة عليها، والتي متى ظن حصول بعض منها أو كلها؛ صارت الوسائل المباحة، ممنوعة محرمة لذلك المآل الغير مشروع.
صفحة 6
• وقد قال الأوزاعي: أن عمر بن عبدالعزيز، قال: (إذا رأيتم قوماً يتناجون في أمور الدين دون العامة؛ فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة)29.

• وإن قاعدة سد الذرائع من القواعد المحكمة المجمع عليها في الشريعة المباركة، ثابتة بدليل الإستقراء القطعية، وعمل بها الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة, والتابعين، وسائر الأئمة والمجتهدين في مختلف العصور والأجيال، خاصة عندما يتعين العمل بها، وتقوم الحجج والبراهين القطعية في وجوب العمل بها لجلب مصلحة خاصة أو مصالح عامة، وخاصة، ودرء مفاسد، أو مفسدة خاصة أو عامة.

• والحاصل: أن الربط والزوايا ونحوها من وسائل التعليم والتربية، والتفقه في الدين، وسائل مباحة من حيث الحكم الأصلي، تكون ممنوعة في زمان ومكان ما, وفي طائفة أو طوائف مخصوصة، إذا كان ذلك يؤول إلى فتح أسباب الفساد والمرج في الدين، والفتنة والتفرق والإختلاف، والتشيع بين المسلمين، ونحو ذلك من المفاسد، وتكون مباحة إذا خلت من المفاسد الخاصة والعامة، وقد تكون متعينة في حق بعض الطوائف التي نفرت للتفقه في الدين في زمان ومكان ما! إذا لم يوجد في الناس من يعلمهم ويفقههم دينهم، وكان هناك أسباباً تمنع من ذلك على جهة القهر والإكراه الملجئ، فيصير في حق هؤلاء، تلك الوسائل واجبة باعتبار مقاصدها الواجبة، بشرط أن يقوم عليها أهل العلم الراسخون، الربانيون، المشهود لهم من الخاصة والعامة، وإلا فلا يجوز، بدليل خطاب القرآن الكريم، قال تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(30،

• ويكون حكمها ممنوعاً، في حالة المداومة عليها، لأنها تصير مظنة التهمة والشبهة لدى العامة، فيتوهم أن العلم والفقه لا يتحصل إلا بها ومن خلالها، فامتنع سداً لهذه المفسدة، وغيرها.

الفصل الثاني

الهدم و المرج في قضية مفهوم الأمة الوسط

أولاً: المرج في ماهية مفهوم الأمة الوسط:

1. الأمة: كل جماعة يجمعها أمر أو دين، أو زمان أو مكان واحد، سواءٌ كان الأمر الجامع تسخيراً أم اختياراً، فهي أمة، وكل من آمن بنبي؛ فهو أمة الإجابة، وكل من بلغه دعوة النبي (؛ فهو أمة الدعوة، وأم كل شيء أصله.

قال الخليل: كل شيء ضم إليه ما يليه يسمى أماً31.

2. اسم الأمة: اسم شرعي يطلق ويراد به عموم جنس المسلمين, في سائر العصور والأمكنة، منذ البعثة المحمدية حتى قيام ساعتهم, بخروج الريح المميتة لكل مؤمن على وجه الأرض.

• ويطلق هذا الاسمويقصد به نوع مخصوص من جنس الأمة، أو فرد وعين مخصوصة، وكل ذلك بحسب قصد المتكلم وغرضه.

• فلو قال عليه الصلاة والسلام (إن الله لا يجمع أمتي؛ على الضلالة)، فهو لفظ عام قصد به نوع خاص من جنس أمته، وهم أهل الإجتهاد والفتيا المؤهلون لذلك، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام (الضلالة)، فإن لفظ الضلالة يعني: ما يضاد الهداية والحق والإستقامة، والصراط المستقيم، المتمثل في الدين الحق والشريعة الخاتمة التي جاء بها الرسول محمد (.

• يقول شمس الأئمة السرخي، مستدلاً بالحديث: ألا ترى أن إجماع أهل كل عصر يجعل حجة بهذا الطريق، وإن لم يكن قول الواحد منهم مقدما على الرأي في العمل به32.
صفحة 7
• وهكذا يطلق لفظ الأمة ويكون المراد به نوع مخصوص، وطائفة وجماعة مقصودة ، هي محل الخطاب والمحكوم عليها أو فيها بذلك الخطاب العام المخصوص، أو العام المراد به الخصوص.

• ففي قوله ( لحذيفة: (تلزم جماعة المسلمين, وإمامهم)، فالقصد بالجماعة هنا: عامة المسلمين الذين اجتمعوا في عصر ومكان ما، ونصبوا لأنفسهم إماماً منهم يتولى تدبير سياسة أمر دنياهم، ممن اجتمع عليه أمرهم وكلفوه قائماً عنهم بوظيفة السلطان الأعظم، والوالي الأكبر.

- بدليل: قوله عقب أمره بلزوم الجماعة بالعطف عليها بحرف الواو, بقوله: (وإمامهم)، فهي جماعة من الناس لها إمام منهم، أي من بين عموم أفرادها، يجب عليهم السمع والطاعة لإمامها الذي أضيف إليها, بقوله عليه الصلاة والسلام (وإمامهم)، وحكم المعطوف على ما قبله يأخذ نفس الحكم، فخطاب الجماعة في هذا الحديث يفيد بدلالة صريح العبارة التي سيق لأجلها الخطاب، أن المقصود بها الأمة من الناس، المنظمة المؤطرة في إطار نظام سياسي، في إقليم، أو قطر، أو بلد وشعب ما من بلاد المسلمين عامة.

- أما زعيم وأمير الجماعة، والتنظيم والطائفة من الناس، فلا يطلق عليه اسم الإمام، إذ الإمام يطلق أصالة على وظيفة منصب الإمام والسلطان الأعظم، الذي يقوم بحفظ ورعاية مصالح عامة الناس المخصوصين بمصلحة تلك الوظيفة، وذلك عند الإطلاق في الخطاب، وليس التخصيص.

• يقول الكفوي: الإمام: كل من ائتم به قوم؛ فهو إمام لهم.

• وأم كل شيءٍ؛ أصله33.

3. إسم الأمة قد يطلق ويقصد به اسم جنس، أو علم جنس من أنواع الجنس البشري عموماً، فبنوا آدم جميعاً يعتبرون أمة وجماعة يرجعون إلى أصل واحد؛ هو آدم وحوى عليهما السلام، وذلك باعتبار الجنس الأعلى الذي ليس فوقه جنس آخر، وتحته أنواع مختلفة من الأجناس، باعتبار الدين، أو النسب، أو الزمان، أو المكان، أو نحو ذلك من الأوصاف، إذا اعتبرنا أن حد تلك الأنواع بالفصول والأوصاف، لا ذات الجنس الذي هو ذات الإنسان وتكوينه الجسدي والنفسي، الحيواني الناطق.

4. وقد يطلق لفظ الأمة ويقصد به ذات واحدة من ذوات ذلك الجنس العام، أو النوع، نحو قوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(34.

• والحاصل: أن لفظ الأمة، يعم عموم شمول واستيعاب، أو يخص نوعاً من أنواعها، وفرداً واحداً من أفرادها، وهناك أدلة كثيرة في ذلك، منها:

• الحديث: (افترقت اليهود على اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة – وفي لفظ – ملة، كلهم في النار إلا واحدة في الجنة؛ وهي الجماعة)، وفي لفظ: (وهي ما أنا عليه وأصحابي)35.

• قال الله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنـزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(36.

• فالآية تفيد أن الناس كلهم كانوا أمة واحدة، قبل إرسال الرسل إليهم، فوقع التفرق بسبب المناصب والوظائف الدينية.

• والضابط في ما سبق:

- كل لفظ وضع لمعنى، اسماً كان أو فعلاً، أو حرفاً؛ فقد صار ذلك اللفظ اسماً علماً لنفس ذلك اللفظ37.

- وكل لفظ له معنى لغوي، وهو ما يفهم من مادة تركيبه، ومعنى صيغي، وهو ما يفهم من هيئته، أي حركاته وسكناته، وترتيب حروفه، لأن الصيغة اسم من الصوغ الذي يدل على التصرف في الهيئة، لا في المادة، فالمفهوم من حروف: (ضرب)، باستعمال آلة التأديب في محل مقابل له38.

• ويمكن تقسيم اسم الأمة باعتباره اسم جنس عام كلي يستغرق كل الناس المسلمين، بحسب أجزاء الماهية الذهنية إلى قسمين رئيسين, هما: أمة الوسط، وأمة غير الوسط، والتي تنقسم إلى أقسام كثيرة، قد تصل إلى بضع وسبعين طائفة، وفرقة، وأمة، وشعب، وقطر، ودولة.

• أو يكون هذا التقسيم بحسب جزئيآت ماهيته، لا أجزائه إذ الأجزاء ما يتألف منه ذات الماهية والشيء، وهو تقسيم الكل إلى أجزائه، وليس الكلي إلى جزئيآته، والكل: هو الناس مطلقاً باعتباره جنساً أعلى ليس فوقه جنس آخر يصح أن يكون اسم جنس الناس داخلاً فيه، وعلى هذا فيكون تقسيم اسم الناس باعتباره اسما لكل أفراده، أي لكل هذا الصنف من المخلوقات، وباعتبار انتسابهم واتصافهم بصفة الدين إلى عدة أقسام، أشهرها:

1. الأمة الإسلامية.

2. الأمة اليهودية.

3. الأمة النصرانية.

4. الأمة الوثنية، ونحو ذلك.
صفحة 8
• يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي:

- الأمة: كل قوم يجمعهم الدين في أمتهم، قال الله تعالى: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ(39.

- قال الله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ(40.

أي دين واحد، وكل من كان على دين واحد مخالفا لسائر الأديان؛ فهو أمة على حدة41.

• وكل قوم نسبوا إلى نبيّ وأضيفوا إليه؛ فهم أمة، وقد يجيء في بعض الكلام أن أمة محمد ؛ هم المسلمون خاصة42.

• وكل جيل من الناس؛ هم أمة على حدة.

• وكل جنس من السباع؛ أمة.

• وكل من اقتدى به، وقدم في العلم والرئاسة، أو أي أمر آخر؛ فهو إمام، والنبي عليه الصلاة والسلام إمام الأمة، والخليفة: إمام الرعية43.

• والإمام: الطريق، قال تعالى: (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ)44.

• والإمام: بمنـزلة القدام، وفلان يؤم القوم، أي يقدمهم، وأم فلان أمراً؛ أي قصده45.

• وفي ضوء المعاني اللغوية لكلمة أمة: فإن اسم الأمة إن أريد به الجنس العام؛ فهو اسم وضع ليفيد معنى معلوماً، هو جنس الإنسان مطلقاً، وإن أريد به جنساً خاصاً من الناس؛ فينظر في الحد الفاصل بين هذا الجنس والأجناس الأخرى، فإن كان الحد الفاصل وصفاً يرجع إلى ذات ماهية الجنس العام، كونه إنساناً من حيث الذكورية والأنوثية، أو اللون، أو صفات الذات الأخرى، كالنطق، والسمع، والبصر، والحركة، ونحو ذلك؛ فإن هذا الوصف يفصل به بين أنواع الجنس الواحد باعتبار خصائصه وصفاته الذاتية، الملازمة للماهية التي لا تفارقها بعد وجودها في الأعم الأغلب؛ أما إن كان الحد الفاصل وصفاً يرجع إلى ما يطرأ ويحدث للماهية، من أوصاف، وألقاب، وأحوال، مثل التدين، والرئاسة، والقيادة، والعلم، ونحو ذلك؛ فإن هذا الوصف الفاصل بين أنواع الماهية العامة الكلية، الإنسانية أو الأمة، إنما يرجع إلى الصفات العرضية التي يمكن اتصاف بعض أنواع وأفراد الماهية، وعدم اتصافها بها، ومن هنا: تعددت اسماء الأمة باعتبار الوصف العرضي وليس الذات، فقيل للأمة:

- الصنف من الناس: قال تعالى: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)46.

- الجماعة، والطائفة، والفرقة، والعصابة.

- الحين: قال تعالى: (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ)47.

- القرن: قاله بن قتيبة في تأويل مشكل القرآن48.

- الملة: قال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنـزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)49.

- الدين: قال النابغة الذبياني: وهل يأثمن ذو أمة؛ وهو طائع50.

- وعندما يقول عليه الصلاة والسلام (لا تزال طائفة من أمتي تقاتل على الحق)، وفي ألفاظ أخرى ذكر ( أوصافاً عامة وخاصة، مطلقة ومقيدة، في حديث هذه الطائفة التي ستظل ظاهرة إلى قيام الساعة، فينبغي أن تفهم تلك الأحاديث على أنها خطاب وجه إلى عدة أنواع مختلفة من الطوائف، وليس طائفة واحدة، وذلك في ضوء ما دل عليه كل لفظ على حدة، فلا يمنع من وجود عدد كثير من الطوائف، والجماعات التي تنتظم في الفرق والعصب التي يختص كل واحدة منها بخصائص وصفات معينة، تفصل بينها وبين غيرها، وتميزها عمن سواها من تلك الفرق، فمثلاً: في هذا العصر يوجد طوائف وتجمعات علمية، أو سياسية، أو اقتصادية، أو اجتماعية، أو ما أشبه ذلك، يتحلى بعضها بصفات الشجاعة والقتال، وأخرى تتحلى بصفات العلم والفقه والإجتهاد، وأخرى تتحلى بالسياسة والقيادة والإدارة والتنظيم، وأخرى في الجوانب الخدمية الإنسانية المتنوعة، أو المخصوصة بجانب معين من جوانب الخدمة: وتحقيق وجلب مصالح عامة الناس، وخاصتهم ودرء المفاسد عنهم، مثل الجماعات الأمنية، والعسكرية، والزراعية، والهندسية، والطبية، والإعلامية، والتصنيعية، والتعليمية، والقضائية، والدعويه، وما شابه ذلك، فعلم أن الخطاب النبوي يجب أن يفهم في ضوء هذا المعنى العام المطلق للطائفة، والفرقة، والأمة، والجماعة، ونحوه، وكل طائفة يصح أن تكون جزاءً من أجزاء فرقة من أنواع فرق الأمة الكثيرة؛ يصح أن يطلق اسم الطائفة ونحوه على عدة أنواع متماثلة، إذا كان يجمع بينها كلها وصف واحد مشترك، أو إذا كانت تقوم كلها بعمل وتكليف عام مشترك، كأن يكون بعضها متخصص في العمل القتالي، والأخرى متخصص في العمل السياسي، أوالإعلامي، وأخرى في العمل الخدمي، أو الصحي، أو الأمني، فهذه الطوائف وإن كان كل منها يختص بوصف وعمل لا يشترك معها غيرها، إلا أنها من حيث اشتراكها في وصف وعمل واحد هو مثلاً الجهاد في سبيل الله تعالى، لحفظ ورعاية مصالح الناس جميعاً، ودرء المفاسد عن نفوسهم جميعاً، كل فيما هو مؤهل له ومختص به؛ صح أن يكون الجميع مشمول بالخطاب العام والمطلق، أو الخاص، والمقيد، مثل: الحديث السابق، وأحاديث الطائفة المنصورة، وسائر أنواع الخطاب النبوي الغيبي المستقبلي، وغيره، طالما والدليل قد دل على وجود الوصف والفعل المشترك بينها جميعاً، حتى وإن كانت ترجع إلى فرق مختلفة من فرق الأمة.

• قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ(51.

• قال البخاري: (هم الطائفة التي قال النبي عليه الصلاة والسلام فذكر الحديث في الطائفة)52.
صفحة 9
• يقول الإمام الرازي: إذا خاطب الله تعالى طائفتين فأكثر بخطاب هو حقيقة عند بعضها في شيء وعند الأخرى في شيء آخر؛ وجب أن تحمله كل واحدة منها على ما تتعارفه، وما هو خاص بها ويتعلق بأهليتها53.

• ويقول أبو الحسين البصري: ( إن مجموع الطوائف؛ هم قوم الفرق، وكل فرقة مأمورة بإخراج طائفة منها للقيام بتعلم العلم، ثم إنذار قوم فرقتهم )، فمجوع الطوائف هم قوم الفرق54.

- قال الألباني: الحديث صحيح متواتر ورد عن جماعة من الصحابة، وأخرجه الشيخان، وأصحاب السنن، وأحمد، والحاكم، والخطيب، وبن عبد البر، وأبو نعيم، وغيرهم55.

• عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله ( يقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينـزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم: تعال صل لنا! فيقول: لا! إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله لهذه الأمة)56.

- من الأدلة على تعدد معنى الجماعة:

1. قال عليه الصلاة والسلام (أوصيك بتقوى الله, ولزوم الجماعة، فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد (؛ على الضلالة)57.

2. وقال عليه الصلاة والسلام (لا تجتمع أمتي؛ على الضلالة)، قال الخطيب: خاص في حال الإجتماع، والخاص يُقْضَى به على العام58.

3. وقال عليه الصلاة والسلام (من خرج من الجماعة قيد شبر؛ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، حتى يراجعه)59.

4. وقال عليه الصلاة والسلام (من فارق الجماعة؛ مات ميتة جاهلية)60.

5. وقال عليه الصلاة والسلام (إن الله أجاركم أن تجتمعوا على ضلالة, كلكم)61.

6. وقال عليه الصلاة والسلام (من أراد بحبوحة الجنة؛ فعليه بالجماعة)62.

7. وقال عليه الصلاة والسلام (من عمل في الجماعة، فإن أصاب؛ تقبل منه، وإن أخطأ؛ غفر له، ومن عمل في الفرقة، فإن أصاب؛ لم يقبل منه، وإن أخطأ؛ فليتبؤ مقعده من النار)63.

8. وقال عليه الصلاة والسلام (من فارق الجماعة؛ فاقتلوه)64.

• قال بن عبد البر: إذا اجتمع جماعة من المسلمين وأجمعوا على أمر؛ فإجماعهم ذلك حجة على من خالفهم، كما أن الرسول (؛ حجة على جميعهم65.

• الوسط: هو وصف ثابت لازم لاسم الأمة الخاصة يعد ذلك جزء من ماهيتها، وركن من حقيقتها الموجودة في الخارج والواقع، توجد ابتداءً بوجود هذا الوصف، وتنعدم بانعدامه، فهو وصف لازم للماهية.

• الأمة: اسم جنس يطلق على جميع أفراد المسلمين المنتسبين للدين الإسلامي، بحسب العرف الشرعي المعتبر، وأما اسم الأمة الوسط، فعلم شخص يدل على نوع معلوم مخصوص من أنواع وأفراد الأمة الإسلامية، أو علم جنس محدد معلوم.

• ويفهم من وصف الوسط؛ أن الأمة نوعان:

* أمة الوسط، وأمة غالية متطرفة تقف على حافتي، وجانبي، وطرفي الوسط، لأن لكل وسط طرفين يوجد بينهما الوسط، وإلا فلا وجود لهذا الشيء والأمر، والقضية والماهية الوسط، فلا يصح عقلاً أن يوصف شيءٌ موجود بأنه وسط، إلا إذا قام ووجد بين حدين وطرفين وماهيتين: إحداهما في طرف اليمين، وآخر في طرف الشمال، وما بينهما هو الوسط، وكلا الطرفين يدخلان أصلاً في تكوين الشيء والماهية العامة، والتي تنقسم بحسب أجزائها إلى ثلاثة أقسام، هي:

1) الوسط: منتصف الشيء، والقاعدة التي يعتمد عليها الأطراف.

• قال الإمام الرازي: الوسط: حقيقة في البعد عن الطرفين، فالشيء الذي يكون بعيداً عن طرفي الإفراط والتفريط الذين هما: رَدِيَّانِ: كان متوسطاً: فكان فضيلة، ولهذا سمي الفاضل في كل شيءٍ وسطاً66.

- وقال: الوسط؛ من كل شيءٍ خياره، والوسط: اسم لما يكون متوسطاً بين شيئين67.

2) اليمين: أو طرف اليمين للوسط.

3) اليسار: أو طرف اليسار للوسط.
صفحة 10
• إذاً الأمة الإسلامية اسم شرعي يدل على مسمى حقيقي يوجد في الذهن وفي الخارج، يتألف هذا المسمى من ثلاثة أجزاء مختلفة في الماهية والحقيقة, هي: أمة الوسط، وأمة خارج الوسط، إحداهما في الطرف الأيمن، والثانية في الطرف الأيسر، ولكل منها ماهيتها وحقيقتها الخاصة بها، ويجمع بينها كلها وصف عام مشترك، هو اسم ولفظ الإسلام والأمة.

• وقد صرحت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على صحة المعنى الذي سبق، ففي قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ(68، تفيد بالفحوى أن في المسلمين أمة وجماعة خارج الوسط تقف في الأطراف وتأبى الوسط.

• كما تفيد النصوص أن الأمة الوسط لا يتم إخراجها في كل قرن وجيل، إلا ويخرج معها مباشرة الأطراف، وإلا فلا يصح عقلاً وشرعاً وعرفاً أن يطلق عليها اسم الأمة الوسط، إذا لم يخرج معها الأطراف التي تميزها وتعرف بها، وتوزن وفق ميزانها الوسط، فالأطراف أعلام تنصب يعرف بها وسط الشيءِ ويفصل بها بين ماهية الأطراف وبين ماهية الوسط.

1. أن الإخراج بمعنى الفعل الذي يتطلب لفعله فاعل، ومفعول به، وظرف زمان، ومكان يفعل فيه فعل الإخراج؛ إنما هو فعل يتجه فقط إلى الأمة الوسط دون الطرفين، فهما لا يحتاجان إلى فعل إخراج، إنما الإخراج عمل خاص بالوسط، ويدل على ذلك الحديث: (إن الله ليبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة؛ من يجدد لها أمر دينها)، ويدل عليه جميع أحاديث الطائفة والعصابة الظاهرة المنصورة، وجميع أحاديث: (لا يجمع الله أمتي على الضلالة)، وكذلك الآيات القرآنية الدالة على ذلك المعنى والأصل.

2. أو يقال: أن فعل الإخراج والخروج يتجه إلى أهل الوسط والإعتدال، فإذا تم إخراجهم في كل جيل وقرن وعصر وظهر أمرهم وعرف وصفهم وشاع؛ يلزم من ذلك خروج الأطراف باعتبار أن إخراج الطرفين ملزوم عن خروج الوسط، ومسبب عن وجود الوسط، ومشروط بشرط خروج أمة الوسط أولاً، فكان الطرفين من مخلفات وجود وظهور الوسط ومن فضلاته الزائدة، وأن وجودهما ضروري وحتمي لبقاء أصل الأمة واستمرار عملها، فهما يمثلان عنصرا الدفع والتدافع، والحياة والنماء، والبقاء والتطور، والتجدد واستمرار الحياة، والبقاء للإسلام وأمته، فلو انعدم أحد طرفيها اختل توازن الجسم كله، فالأمة لا تعمل إلا بوجود سائر أعضائها وأجزائها وعناصرها الأصلية والتبعية.

• إن وجود الوسط لا يكون له قيمة ومعنى مدركاً لولا وجود الطرفين للأمة مطلقاً، فالعالم: لا يدرك فضله وقيمته وأهميته ووزنه، إلا عند وجود الجاهل، والعارف: يعرف عند وجود غير العارف، والعادل: يعرف عند وجود الجائر، ونحو ذلك.

3. أنه يستحيل في كل جيل وقرن وجود أمة الوسط دون وجود أمة الطرف، وأن عمل أمة الوسط يتوقف وجوداً وعدماً على عمل أمة الطرف، والمطلوب أن يكون أهل الوسط هم الذين يحملون مسئولية إدارة وتوجيه ورعاية أهل الطرف، لعدم كمال أهلية ولايتهم، وكفايتهم للقيادة، ولو سلم الأمر لهم لقادوا عموم الأمة كلها إلى الحرج والمشقة، وإدخالهم في المفاسد وإفساد مصالحهم الدنيوية والأخروية قطعاً.

- وهذا ما حدث في جيل وقرن الصحابة الكرام، عندما تمكن أهل الطرف من التأثير والسيطرة في قيادة سفينة الأمة، فانخرقت وغرق خيار أهلها قبل شرارهم، وهو ما يحدث للأمة في سائر القرون والأجيال، فكل الهزائم والنكبات والتخلف والقعود، ورفع الحفظ والعصمة العامة عن الأمة، إنما يحدث إذا انتصب أهل الطرف قادة للأمة، فهم لا يصلحون لمسئولية حفظ مصالحها، أو لدرء المفاسد عنها، لعدم أهليتهم وصلاحيتهم لذلك الدور الذي يؤهل له ويخرج له أهل الوسط، وليس أهل الطرف السفهاء قاصري الأهلية.

4. عندما يقود الأمة أهل الطرف، تسير مائلة منحرفة معوجة خارج طريق العدل والإستقامة، ويلحقها الحرج والتعب والمشقة، وتسير في غير طريق مصالحها قطعا، وعندما يقودها أهل الوسط تسير في استقامة وتصل إلى أهدافها ومقاصدها دون حرج ومشقة.

5. أن طرفا الشيء لا يصلحان للقيادة، فهما من حيث وجودهما وموقعهما من جسم الأمة؛ محمولان مقودان يتحركان بحركة الوسط، والرأس، فهما أشبه بجناحي الطائر ورجلي الإنسان، محتاجين لغيرهما.

6. أن أهل الوسط يمثلون المحور الذي يدور حوله الأطراف، والمركز الذي يرتبط به الأطراف والأجزاء الأخرى، والرأس الذي يصدر عنه الإحساس والإدارة والقيادة لسائر الجسد والقلب، الذي يغذي كل خلية وعضلة وجلد وشعرة بالغذاء والهواء اللازمين للحياة، فإذا حل محلعمله ووظيفته التابع؛ اختل الجسم وفسد وتعطل، ومات وصار الجسم كله في حكم المعدوم الميت، قال تعالى: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)69، فمن لا نور له لا يبصر، والأعمى لا يقود الناس في الضوء أوفي الظلام، قطعاً.

• لأن وسيلة النظر والإبصار في الإنسان إنما هي في منطقة الوسط والرأس والمركز، وليس الأطراف، والقاعدة العقلية الحسية: أن قيادة كل كائن في الطرف للشيء؛ تكون في الوسط والمركز والمحور، والقاعدة.