صفحة 1
تقديــم
أمثال العرب القادمة إلينا من الجاهلية هي موضوع هذا الكتاب. أما الاستخلاص المركزي الذي يصل إليه فهو أن الكثير من هذه الأمثال ذو أصل ديني، أو ذو صلة دينية. بل لعله يمكن، وبقليل من الجرأة، القول أن الجزء الأهم من الأمثال الجاهلية هو متحجرات أسطورية وطقسية، وأنه لا يمكن فهمها إلا على هذا الأساس.
هذا الاستخلاص قد يدفع إلى افتراض أن المثل عموما ربما كان في الأصل ابنا للأسطورة والطقس. أي أنه نشأ في حضنهما ثم انفصل عنهما لاحقا، ودار في الأسواق، ثم نسي مع الزمن أصله، وتظاهر كأدب زمني خالص. هذا يعني أن الحياة الدينية ربما هي من خلق المثل في بدئه، لا الحياة الزمنية الواقعية، وأن الكاهن في خيمته أو معبده ربما كان قابلة المثل الأولى، لا رجل السوق أو الاجتماع القبلي. من أجل هذا تبدو أمثال كثيرة جدا من تلك التي جاءت من الجاهلية من حيث بنيتها وإيقاعها شبيه بأقوال الكهنة وسجعهم لا بأقوال الناس العاديين. بناء على هذه الفرضية، فإن المثل في بدئه لم يولد، ربما، كمثل بل كجملة طقسية أو كمنطوقة دينية، ثم تحول في ما بعد إلى مثل.
بالطبع، ندرك أن هذا الاستخلاص يصطدم مباشرة بالحكمة السائدة، التي تدعي أن المثل الجاهلي بلا صلة دينية تقريبا، أو ان صلته الدينية واهية. يقول أحد الكتاب المعاصرين: (أول ما يسترعي الانتباه هو قلة الأمثال التي تتحدث عن الديانات غير السماوية {= الوثنية الجاهلية}. فليس في نص الأمثال دلالة يقينية على هذا الأمر إلا في مثلين هما: «لقد ذل من بالت عليه ثعالب» و «أحسن من الدمية ومن الزون». أما الأمثال الأخرى التي تشير في قصصها إلى تلك الدلالة، أو التي يجعلها سياق الكلام فيها نستشفها، فعددها لا يتجاوز الثلاثة عشر مثلا. ونحن هنا أمام احتمالين: إما أن الرواة قد حذفوا هذه الأمثل التي تنم عن دلالة مماثلة... وإما... أن هذه الأمثال في حقيقة أمرها قليلة كما وصلتنا. وقلتها تعطي انطباعا عن ضعف التدين عند الجاهلي، وعدم اكتراثه لأمور الدين... فهو يؤمن بملكوت الرغيف أكثر من إيمانه بأي شيء آخر)(1).
وهكذا، يُزعم أن الأمثال التي تتحدث عن أديان الجاهلية لا تزيد في أفضل الحالات إلا قليلا عن عدد أصابع الكفين. وكتابنا هذا يذهب في مواجهة هذا التقدير مباشرة، زاعما العكس تماما، أي أن كثرة من الأمثال الجاهلية ذات دلالة دينية. كما أنه يثبت، وبالملموس، أن مملكة الإيمان الديني لم تكن عند الجاهلي بأقل أهمية من مملكة الخبز، وأن الرواة لم يحذفوا الأمثال التي تعكس أديان الجاهلية الوثنية، بل ملأوا بها كتبهم. فكل أمثال قصة جذيمة الأبرش والزباء، مثلا، هي أمثال دينية، وكل أمثال قصة لقمان ولقيم وابني تقن، هي أمثال دينية. بل إن الأمثال العنقودية طرّا، أي الأمثال التي تنبثق بالتتالي من قصة واحدة، هي أمثال دينية بلا ريب، وقس على ذلك. أما عدم رؤية الصلة الدينية للأمثال الجاهلية، فنابع من عدم قدرتنا على إزاحة القشة التي تغطي الطابع الديني للمثل، لا من خطأ الرواة القدماء، أو من مادية الجاهلي.
صفحة 2
كل هذا يعني أن العمل على الأمثال الجاهلية هو، في الحقيقة، عمل على الأسطورة الجاهلية وعلى طقسها، أي عمل على أديان الجاهلية. وإذا كان ذلك كذلك، يكون عدم الالتفات إلى الأساس الديني للأمثال الجاهلية قد أفقدنا مفتاحا مهما من مفاتيح أديان العرب قبل الإسلام. وهناك بالفعل أمثال جاهلية، سنعرض لها في هذا الكتاب، يمكن لها إن فهمت جيدا أن توضح لنا، مثلا، معنى طقس الحج الجاهلي، ومعنى مشاعره، بل ربما أمكنها أن تحدد لنا توقيته.
ويستطيع المرء تشبيه وضع الأمثال الجاهلية بتمثال فقد قاعدته التي نقشت عليها المعلومات الخاصة به، وبمن نصبه، وبالعهد الذي نصب فيه. فمن دون العثور على هذه القاعدة لا يمكن رد التمثال إلى أصله، ولا إلى عصره المحدد. يجب العثور على قاعدته، وإعادة نصبه عليها كي نفهمه. وكذا الأمر في ما خص المثل عموما. إذ يجب أن نعيد نصبه على قاعدته الدينية حتى نتمكن من فهمه وفهم مغزاه. خذ المثل المعروف (أكفر من حمار) كنموذج. لقد أزيح عن قاعدته الدينية فصار لغزا غير مفهوم. لكن استعادة قاعدته الدينية ستسهل علينا حل لغزه وفهمه.
ولأن غالبية الأمثال الجاهلية فقدت القاعدة التي قامت عليها في الأصل، أي قاعدتها الدينية الأسطورية، أو لأن هذه القاعدة وهت وتآكلت ولم يعد من السهل تقرّي ما نقش عليها، فقد تحولت هذه الأمثال ألغاز، يشتغل عليها اللغويون. لقد أفلتت من أيدي الكهنة، لتتلقفها أيدي اللغويين. أي أنها انتقلت من ملكية كهنة المعابد إلى ملكية كهنة اللغة.
أدى كل هذا إلى أن سكن المثل في بيت غير بيته، أي في كتب اللغة والأدب، لا في كتب بيت الطقوس والأساطير. وقد أمضى المثل في هذا البيت المستعار ما يقرب من خمسة عشر قرنا. الأمثال الجاهلية، في غالبيتها، ملكية ميثولوجية دينية قبل أن تكون ملكية لغوية أدبية. وهو ما يعني أنه لا يمكن فهمها انطلاقا من المدخل اللغوي وحده. المدخل اللغوي ضرورة، لأننا نتحدث عن نصوص موغلة في القدم سقطت كلمات الكثير منها من الاستعمال، لكنه لا يكفي. فهذه نصوص دينية أسطورية، يجب أن يعمل عليها الميثولوجي واللغوي معا. بل وعلى اللغوي أن يكون خادما للميثولوجي من حيث المبدأ عند تقسيم العمل. الأمثال الموغلة في القدم شغلة الميثولوجي أولا. هذا لا يعني أنها لن تكون مجالا للتذوق الأدبي، وللبحث اللغوي. ستظل كذلك، لكن مكانها الأساسي سيكون في كتاب الأسطورة وطقسها.
صفحة 3
وقد نشأ الغموض القاسي للأمثال الأمثال الجاهلية عن تراكب أمور عدة على بعضها بعضا:
أولا: إيغالها في الزمن. فهذه أمثال أتتنا من فترة ما قبل الإسلام. ولعل بعضها أتانا من أعمق أعماق العصر الجاهلي، أي من فترة سبقت الإسلام بمئات السنوات. وكلما غمض المثل زاد احتمال أن يكون من زمن أقدم، واحتمال أن يكون ذا أصل ديني.
وثمة اتفاق عام تقريبا على أن الأمثال المنسوبة للجاهلية هي جاهلية فعلا. فلا أحد يشكك في جاهليتها كما تم التشكيك في جاهلية الشعر الجاهلي. وإذا نحينا القرآن، الذي جاء في نهايات العصر الجاهلي، كي يقفل هذا العصر وينهيه، فإن نصوص الأمثال تكون هي الأثر الوحيد الذي لا شك فيه من نصوص الجاهلية. هذا يعني أننا حين نتعامل مع أمثال الجاهلية فإننا نتعامل مع نصوص موغلة في القدم، وتعكس بالفعل شيئا من الحياة الدينية والاجتماعية لما قبل الإسلام.
ثانيا: أن هذه الأمثال، إذ أقامت دهرا في بيت غير بيتها، أي في كتاب الأدب واللغة، وضعت بين أيدي خبراء اللغة، الذين حولوا كل مشكلة تعرض لهم بخصوصها إلى نكتة لغوية. وهذا طبيعي فهدف اللغويين هو الكلمات والجمل ومعانيها، وليس الدلالات الدينية الأبعد من ذلك. ويمكن القول أن تخريجات اللغويين أسهمت، في كثير من الأحيان، في تعمية معنى الأمثال ومغزاها.
ثالثا: أن الانقطاع الذي أحدثه الإسلام مع أديان الجاهلية الأمثال، أدى إلى قطيعة جدية. فالمفسرون لم يعودوا، في كثير من الأحيان، يدركون أن الأمثال التي يعملون عليها تخص الديانة الجاهلية. لقد افترضوا أنها تتحدث عن وقائع حقيقية. وقد أدى هذا إلى إضاعة المفتاح الأساسي الذي يمكن بواسطته فك ألغازها، أي المفتاح الديني.
بالتالي، فإن علينا أن نستعيد هذا المفتاح إذا أردنا فهمها وفك ألغازها. وكتابنا هذا محاولة لاستخدام هذا المفتاح في فهم المثل الجاهلي، أي محاولة لإعادة المثل إلى قاعدته الأصلية، قاعدته الأسطورية - الدينية. إنه دراسة تطبيقية مباشرة حول علاقة الأمثال بالطقس والأسطورة، من خلال نماذج محددة من الأمثال التي وردتنا من العصر الجاهلي.
وبما أن المثل شأن ديني فإن هذا الكتاب، ومن جانب محدد، تكملة لكتابنا السابق (عبادة إيزيس وأوزيريس في مكة الجاهلية). أي أنه يكشف جزءا من البنية الدينية الجاهلية عبر الأمثال. لذا ففي لحظات كثيرة يحيل هذا الكتاب إلى ذاك. بل إنه في لحظات أخرى يدوزن بعضا من أفكار الكتاب السابق ويصححها.
صفحة 4
يتناول كل فصل من فصول هذا الكتاب مثلا محددا، مبينا صلته الدينية، أي علاقته بأسطورة ما أو بطقس ما، نازعا عنه عباءة البراءة المفترضة، كاشفا أعماقه الطقسية- الأسطورية. لكن أغلب الفصول لا تكتفي بمثل واحد، فالمثل يقود إلى أخيه وابن عمه، بحيث يزيد عدد الأمثال المعالجة كثيرا جدا عن عدد الفصول. ويجب ملاحظة أن أغلب الأمثال المعالجة لم يعد يستخدم في الحياة الواقعية اليومية. بل إن الكثير منها لم يعد شائع الاستعمال حتى في الكتابة. أما الفصل الأخير فيعرض للافتراضات العامة، التي أوصلنا إليها هذا المبحث. وقد كان يمكنه أن يكون فصلا تمهيديا، لكننا فضلنا أن نضعه في آخر الكتاب، كي يتمكن القارئ من الدخول مباشرة إلى عالم الأمثال المدهش الساحر، ومن دون تقديمات وتمهيدات طويلة.
وبما أن هذا الكتاب يحيل، في أحيان كثيرة، إلى كتابنا المذكور أعلاه، فقد ارتأينا أن ننشر في نهاية الكتاب الفصل الأول من كتابنا السابق، معدلا وموسعا، كي نتيح للقارئ ربط الكتابين معا. وهذا الفصل يكاد يكون كتابا متوسط الحجم، وهو يحمل عنوان (الطائر المخمور).
إذن هذا الكتاب في النهاية كتاب عن الديانة الجاهلية، عن المثل، الطقس، والأسطورة. وكتاب الطقس والأسطورة العربي هائل الحجم، ونحن بالكاد بدأنا ندركه ونتعرف على بعض صفحاته. هذا رغم أن بعض الناس سيرفعون حواجبهم عجبا حين يتحدث أحد ما عن طقس وأسطورة عربيين. فهم يؤكدون (غياب الميثولوجيا والطقوس في فولكلور العرب القدماء) (2).
__________________________
(1) علي، الأمثال العربية، 1988، ص229-230.
(2) فهد، الكهانة العربية، 2007، ص34.
صفحة 5
أقرى من مطاعيم الريح
هذا مثل يضرب في الكرم والجود. فهو يعني حسب المفسرين: أشد كرما من مطاعيم الريح، أو أكثر إطعاما منهم. فالقرى هو إطعام الآخرين كرما. أما مطاعيم الريح فهم، كما يخبرنا المفسرون إياهم، أناس كانوا يطعمون الناس جودا حين تهب ريح الصبا: (أقرى من مطاعيم الريح: زعم أبن الأعرابي أنهم أربعة: أحدهم عم أبي محجن الثقفي، ولم يسم الباقين. قال أبو الندى: هم كنانة بن عبد ياليل الثقفي، عم أبي محجن، ولبيد بن ربيعة وأبوه. كانوا إذا هبت الصبا أطعموا الناس. وخصّوا الصبا لأنها لا تهب إلا في جدب)(1). لكن هناك من يخبرنا أن أبا محجن الثقفي، الفارس الشهير، لا عمه، هو من كان من مطاعيم الريح: (أقرى من مطاعيم الريح: وهم أربعة؛ أحدهم أبو محجن الثقفي)(2). ويؤكد النويري هذا قائلا: (مطاعيم الريح أربعة: منهم أبو محجن الثقفي. وكان لبيد بن ربيعة العامري يطعم إذا هبت الصبا)(3).
غير أننا نشك بشدة في صحة التفسير المقدم لهذا المثل. أي نشك في أن المطاعيم هم من كانوا يقرون عند هبوب ريح الصبا.
وكي نصل إلى حل معقول بشأن هؤلاء المطاعيم، فربما كان علينا أن نلفت الانتباه إلى نقطتين:
الأولى: هي أن ابن الأعرابي، الذي يبدو وكأنه المصدر الأول عن المطاعيم هؤلاء، لا يذكر لنا منهم سوى واحد منهم فقط هو: كنانة بن عبد ياليل الثقفي، أو حسب رواية لآخرين، ابن أخيه أبو محجن الثقفي.
الثانية: أنه لم يعمد إلى إدراج لبيد بن ربيعة العامري ضمن (مطاعيم الريح) رغم علمه بأنه كان (يطعم إذا هبت ريح الصبا). وهذا يعني أنه كان، بشكل ما، لا يعتبر لبيدا وأباه من (مطاعيم الريح). وهذه نقطة مهمة جدا إذا أردنا أن نستجلي أمر هؤلاء المطاعيم.
ثم علينا أن نلحظ أن رواية النويري تربط بتحفظ بين الخبرين، خبر (مطاعيم الريح) وخبر (ريح الصبا). فهي تضع (مطاعيم الطير) قرب لبيد وريحه، لكنها تترك لنا أن نحكم إن كانا شيئا واحدا أم لا.
كل هذا يزيد من شكوكنا حول التفسير المقدم، ويجعلنا قادرين، ربما، على افتراض أنه لا توجد علاقة مباشرة بين (مطاعيم الطير) وبين من يطعم وقت هبوب الصبا. فمن يطعم وقت هبوب الصبا هو غير (مطعم الريح). أي أن أمثال كنانة بن عبد ياليل يختلفون عن لبيد بن ربيعة وأبيه.
صفحة 6
وإذا كان فرضنا هذا صحيحا، فإن هذا يستتبع ما يلي: لقد أضيف لبيد بن ربيعة إضافة إلى حلقة (مطاعيم الريح) ثم جرى تفسير المثل (أقرى من مطاعيم الريح) انطلاقا من ذلك. بل إن المرء قد يعتقد أن لبيدا أضيف إلى حلقة المطاعيم كي يتمكن المفسرون من فهم المطاعيم الغامضين هؤلاء. فإذا كان لبيد، الذي يطعم عند هبوب ريح الصبا، من ضمن جماعة مطاعيم الريح، فلا بد أن (مطاعيم الريح) يفعلون مثله، أي يطعمون وقت هبوب الصبا. بذا فالريح التي في اسم (مطاعيم الريح) هي ذاتها ريح الصبا. وهكذا فقد فسر مثل غامض جدا عن طريق ربطه بقصة لبيد بن ربيعة. أي أن وجود لبيد كان ضروريا كي يصبح للمثل معنى عند المفسرين.
وإذ كنا اعتقادنا بعدم وجود علاقة مباشرة بين لبيد وبين المطاعيم صحيحا، فإن هذا يعني أن ملفهم يظل مفتوحا. أي ان لقبهم لا يعني أنهم كانوا يطعمون وقت هبوب الصبا.
وما دام الملف مفتوحا، فإن السؤال يظل مطروحا: من هم مطاعيم الريح هؤلاء، وما شأنهم؟
أبو محجن
للإجابة على هذا السؤال ليس لدينا سوى كنانة بن عبد ياليل الثقفي، أو ابن أخيه أبي محجن الثقفي. وما نعرفه عن كنانة ضئيل جدا، بل هو نتفة لا تغني من الأمر شيئا:
(كنانة بن عبد ياليل الثقفي. كان من أشراف ثقيف... قدم ... على النبي... في النفر الوافد من ثقيف، فأسلموا غير كنانة، فإنه قال: لا يربني رجل من قريش. وخرج إلى نجران، ثم إلى الروم، فمات بأرض الروم كافرا)(4). أما البلاذري فيزيد أنه كان من الوفد: (كنانة، وحبيبا، وعمرا... فلما ظهر الإسلام لحق كنانة وأبو عامر الراهب، وعلقمة بن علاثة الكلابي بالشام، فمكث عمير وله مال فانقسم كنانة وعلقمة في ميراثه، فقال النبي (ص): «كنانة رجل من أهل المدر. وأبو عامر مدري، وعلقمة رجل من أهل الوبر» فقضى ماله لكنانة فأخذه)(5).
هذا هو كل شيء تقريبا. وهو لا يضع بين يدينا الكثير، إذا استثنينا أن كنانة من (أهل المدر) وأنه كان على علاقة بأبي عامر الراهب، الذي يوحي اسمه بصلة دينية ما. عليه، لا يتبقى لنا سوى أن نراهن على أبي محجن. فهو الحصان الوحيد الذي نعرف عنه شيئا، والذي قد يساعدنا في حل لغز (مطاعيم الريح). ونحن سنضع رهاننا عليه انطلاقا من واحدة من الفرضيات التالية:
1- أن أبا محجن لا عمه هو من كان واحدا من مطاعيم الريح.
2- أو أنه وعمه كانا معا من مطاعيم الريح. أي أن أبا محجن كان يتابع تقليدا قديما في عائلته حين يكون من مطاعيم الريح.
صفحة 7
3- أو أن عمه هو من كان من مطاعيم الريح، لكن سيرة حياة هذا العم اختلطت بسيرة أبي محجن اختلاطا جعل جزءا مما يخص العم يروى على أنه يخصه ابن الأخ. وهذا ما قد يجعلنا قادرين على الاستفادة من سيرة حياة أبي محجن لحل لغز (مطاعيم الريح).
وإذا أردنا الانطلاق من أبي محجن، فسنجد أمامنا شاعرا مخضرما، إسلاميا جاهليا، هو صاحب البيتين اللذين لا مثيل لروعتهما في حب الخمرة:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة
تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فإنني
أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
ويمكن اختصار سيرة حياة أبي محجن في أمرين اثنين: الخمر والشجاعة. فقد كان فارسا شجاعا متهورا وسكيرا كبيرا. وقد حُدّ أكثر من مرة على سكره، فجلد وحبس، لكنه لم يرعو. وارتبط سكره بشدة ببلائه الأسطوري في معركة القادسية خاصة:
(وكان أبو محجن شاعرا حسن الشعر، ومن الشجعان المشهورين بالشجاعة في الجاهلية والإسلام. وكان كريما جوادا، إلا أنه كان منهمكا في الشرب، لا يتركه خوف حد ولا لوم. وجلده عمر مرارا، سبعا أو ثمانيا، ونفاه إلى جزيرة في البحر، وبعث معه رجلا فهرب منه، ولحق بسعد بن أبي وقاص وهو بالقادسية يحارب الفرس، فكتب عمر إلى سعد ليحبسه، فحبسه. فلما كان بعض أيام القادسية واشتد القتال بين الفريقين، سأل أبو محجن امرأة سعد أن تحل قيده وتعطيه فرس سعد البلقاء، وعاهدها أنه إن سلم عاد إلى حاله من القيد والسجن، وإن استشهد فلا تبعة عليه. فلم تفعل، فقال:
كفى حزنا أن تردي الخيل بالقنا
وأترك مشدودا عليّ وثاقيا
إذا قمت عنّاني الحديد وغلّقت
مصاريع دوني قد تصم المناديا
صفحة 8
فلما سمعت سلمى امرأة سعد ذلك رقت له فخلت سبيله، وأعطته الفرس، فقاتل قتالا عظيما. وكان يكبّر ويحمل فلا يقف بين يديه أحد. وكان يقصف الناس قصفا منكرا. فعجب الناس منه، وهم لا يعرفونه، ورآه سعد وهو فوق القصر ينظر إلى القتال- ولم يقدر على الركوب لجراح كانت به وضربان من عرق النسا- فقال: لولا أن أبا محجن محبوس لقلت: هذا أبو محجن، وهذه البلقاء تحته. فلما تراجع الناس عن القتال، عاد إلى القصر وأدخل رجليه في القيد، فأعلمت سلمى سعدا خبر أبي محجن، فأطلقه، وقال: اذهب لا أحدك أبدا. فتاب أبو محجن حينئذ، وقال: كنت آنف أن أتركها من أجل الحد)(6).
إذن، فالشخص الوحيد الذي نعرف أنه من المطاعيم، أو أنه على علاقة بهم، سكير مدمن خمر، قال أجمل الأبيات في الخمر وأشدها شوقا إليها. فهل ينفعنا هذا في شيء؟
نظن أنه سينفعنا. بل إن سكر أبي محجن قد يكون مفتاحنا لفهم لغز (مطاعيم الريح) كله. إذ نذكر من كتابنا السابق (عبادة إيزيس وأوزيريس في مكة الجاهلية) أن الخمرة في العربية تدعى (الرَّياح)، بفتح الراء وتشديدها. يقول امرؤ القيس في معلقته:
كأن مكاكيّ الجواء غديّة
نشاوى تساقوا بالرياح المفلفل
فطيور مكاء الجواء كانت، في الغدية، مثل سكارى يشربون الخمرة المفلفلة (الرياح المفلفل)، أي الحادة اللاذعة. ومفرد (الرَّياح) قياسا هو (الرَّيح). لكن هذا المفرد لم يصلنا سماعا، على حد زعم اللغويين. وفرضيتنا ستقوم على أن كلمة الريح في المثل: (أقرى من مطاعيم الريح) هي هذا المفرد بالذات؛ أي أنها (الرَّيح) بالفتح، وليس (الرِّيح) بالكسر، أي أنها: الخمرة. عليه، فالمثل يعني: (أقرى من مطاعيم الخمرة)!
طيب، لكن هذا يبدو بلا معنى حتى الآن!
بالطبع، لكن إذا عرفنا أن كلمة (أقرى) تعني أيضا لزم الشيء وأقام عليه، فربما نقترب من الوصول إلى معنى ما: (أَقْرَى: إِذا لزم الشيء وأَلَحَّ عليه)(7). ويضيف الأزهري: (أقرى: إذا لزم الشيء وألح عليه.. أبو عبيد عن الأصمعي: رجع فلان على قرواه، أي عاد إلى طريقته الأولى)(8). ومن هذا المعنى سميت القرية قرية، فهو تعني اللزوم والإقامة واللصوق بالمكان. وهكذا فأقرى تعني لزم الشيء واعتاده ومارسه دوما، أي أنها تعني ما تعنيه اليوم كلمة (أدمن) هذه الأيام. بناء عليه، يمكن قراءة المثل على الشكل التالي: (ألزم من مطاعيم الخمرة) أو (أشد إدمانا من مطاعيم الخمرة) أو (أدمن من مطاعيم الخمرة)، إذا جوزنا لأنفسنا صياغة فعل تفضيل من أدمن. أو لعله يعني: (أكثر عودة إلى الشيء من مطاعيم الريح). ذلك أنهم يعودون إلى قرواهم كل مرة، ولا يغيرونها.
صفحة 9
حسن، لكن هذا يظل بلا معنى أيضا. فالخمرة شراب، ونحن مع (مطاعيم) نتحدث عن طعام لا عن شراب!
ليس تماما. فجذر (طعم) يتعلق بالشراب أيضا. فقد جاء في القرآن الكريم: ﴿ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮﭯ ﴾ [البقرة:249]. ويخبرنا اللغويون أن جملة (لم يطعمه) هنا تعني: (لم يَذُقْه)(9). يضيف اللسان تعليقا على الآية: (يقال: طَعِمَ فلان الطعام يَطْعَمه طَعْماً إذا أَكله بمُقَدَّمِ فيه ولم يسرِف فيه، وطَعِمَ منه إذا ذاقَ منه. وإذا جعلتَه بمعنى الذَّوْقِ جاز فيما يُؤْكل ويُشْرَبُ)(10). عليه، فجملة (ومن لم يطعمه) تعني: من لم يذقه، أي من لم يشربه إلا قليلا. بل إننا نعتقد أن جملة (من لم يطعمه) تعني من لم يشربه، لا من لم يذقه ذوقا فقط. ذلك أن الآية كما هو واضح تساوي بين كلمتي (شرب) و (طعم) في المعنى: ﴿ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﴾. وهذا يعني مباشرة: من شرب فليس مني، ومن لم يشرب فإنه مني. ولو أن الآية أرادت الذوق فقط، أي الشرب القليل، لقالت: فمن شرِب منه فليس مِني ومن طعمه، أي تذوقه، فإنه مني. فوق هذا، فقد أكملت الآية وجعلت التذوق، أي الأخذ القليل، مسموحا به حين قالت: ﴿ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨﭩ ﴾. والغرف باليد هو غرف التذوق، أما الطعم فهو الشرب.
ومن هذا كذلك: (حديث أَبي هريرة في الكلاب: إذا وردن الحَكَرَ الصغير فلا تطعمه؛ أَي لا تشربه)(11). أي أن تطعم تعني: تشرب، بلا نقصان ولا زيادة! وهناك إضافة إلى هذا ما جاء في سورة المائدة في سياق الحديث عن الخمر: ﴿ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﴾ [المائدة:92]. وبغض النظر عن اختلافات المفسرين حول حكم الخمر في الآية، فالغالبية هنا على أن طعموا تعني: شربوا.
إذن، فـ (مطاعيم الريح) قد تعني: (شاربي الخمر). بل إنها تعني ذلك بالضبط. عليه، فالمثل يعني: (ألزم للشيء من شريبي الخمرة)، أو (أشد إدمانا من شريبي الخمرة)، أو (أدمن من شريبي الخمرة)، أو (أدمن من ذواقي الخمر)، أو (أكثر رجوعا للشيء من مدمني الخمرة)، بناء على أن القروى هي الطريقة المعتادة. فمدمنو الخمرة يعودون إليها عودا دائما. أي أن (مطعم الريح) هو (نديم الشراب)، كما يقول التعبير العربي. من أجل هذا تبدى أبو محجن كمدمن خمر لا يرعوي. وعلى الأرجح فقد كان عمه، كمطعم ريح، كذلك أيضا.
بناء على هذا، يكون سوء تفسير المثل نبع من افتراض معاني ليست صالحة لكلماته الثلاث: فقد أخذت (أقرى) على أنها من القِرى، الطعام، أي على أنها اسم تفضيل يعني: أكثر إطعاما، في حين أنها تعني ألزم. وأخذت (مطاعيم) على أنها جمع مُطعِم، من دون الانتباه إلى أنها قد تعني الشارب أو المتذوق. في حين أن الريح قرئت بكسر الراء لا بفتحها، أي فهمت على أنها الهواء لا الخمرة. وهكذا وصلنا إلى التفسير السائد الخاطئ للمثل. وقد تم تثبيت هذا الفهم الخاطئ عن طريق ربط لبيد العامري بمطاعيم الريح. فلو لم يدخل في حلقتهم ربما كنا تجنبنا سوء فهم المثل، الذي أدى إلى خلط الخمرة بريح الصبا.
صفحة 10
صلة دينية
والآن، هل هناك من صلة دينية لمطاعيم الريح، أي لشريبي الخمر هؤلاء؟
هذا احتمال كبير، في ما نرى. فوجود الخمر والإدمان عليها يذكرنا بارتباط الخمر بالنغمة الصيفية الفيضية العالية. فهذه النغمة مرتبطة بالصنم (مجاور الريح)، الذي افترضنا أنه (مجاوز الريح)، بالزاي لا بالراء، بمعنى: ساقي الخمر، كما عرفنا من كتابنا السابق (عبادة إيزيس وأوزيريس). أي يذكرنا بأننا نتحدث عن شأن ديني، يتعلق بالانقلابات الفصلية.
وثم مقاطع من سيرة أبي محجن، وخاصة تلك التي على علاقة بالقادسية، توحي بصلة دينية، فهي ترفع هذا الرجل إلى درجة ميثولوجية. ولنأخذ هذا المقطع كنموذج: (فتعجب الناس منه، وقالوا: من هذا الفارس الذي لم نره في يومنا؟ فقال بعضهم: هو ممن قدم علينا من إخواننا من الشام من أصحاب هاشم بن عتبة المرقال، وقال بعضهم: إن كان الخضر يشهد الحرب فهذا هو الخضر قد منّ الله به علينا، وهو علم بنصرنا على عدونا. وقال قائل منهم: لولا أن الملائكة لا تباشر الحروب لقلنا إنه ملك) (المسعودي، المروج).
وهكذا، فهو يكاد يكون ملاكا، بل إنه يبدو وكأنه (الخضر) نفسه. أي أنه يتم تشبيه محارب شجاع، لكنه سكير مدمن، بالخضر المقدس ذاته. إنه لأمر غريب! لا، ليس غريبا. فقد رأينا في كتابنا السابق أن الخضر هو، في أغلب الظن، ممثل النغمة الكونية العالية الفياضة. وهذه النغمة خمرية دوما. عليه، فإن تشبيه أبي محجن بالخضر لا يبدو مصادفة.
وإذ وصلنا إلى هنا، فإن علينا في ما يبدو أن نعود على أبيات أبي محجن المدهشة في حب الخمر:
أذا مت فادفني إلى جنب كرمة
تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فإنني
أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
إذ يبدو لنا وكان هذا الأبيات تتحدث عن تقليد ديني مغرق في القدم. أي أن الرغبة بالدفن قرب كرمة كي تتروى العظام بخمرتها ليست من إبداع خيال ملتهب لشاعر، بل هي مجرد صياغة تقليد ديني في أبيات شعرية منظومة. ودليلنا على ما نقول هو قصة احتكام أولاد نزار الأربعة إلى الأفعى الجرهمي كاهن نجران. فقد قدم لهم هذا الكاهن طعاما وخمرة مدهشة: (دعا لهم بطعام فأكلوا وشربوا، فقال مضر: لم أر كاليوم خمراً أجود لولا أنها نبت على قبر. وقال ربيعة: لم أر كاليوم لحماً أطيب لولا أنه ربي بلبن كلبة. وقال إياد: لم أر كاليوم رجلاً أسرى لولا أنه لغير أبيه الذي ينتمي إليه. وسمع الجرهمي الكلام فعجب، فأتى أمه وسألها، فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك فأمكنت رجلاً من نفسها فحملت به، وسأل القهرمان عن الخمر، فقال: من حبلة غرستها على قبر أبيك، وسأل الراعي عن اللحم فقال: شاة أرضعتها لبن كلبة)(12). وهكذا، فقد كانت الخمرة فعلا قد غرست فوق قبر والد الأفعى الجرهمي. ووالد الأفعي يجب أن يكون أفعى. أي أن الكرمة قد غرست فوق قبر أفعى. وقد رأينا في كتابنا السابق (عبادة إيزيس وأوزيريس...) أن النغمة المضادة للنغمة الخمرية، أي النغمة القمحية، تكون مرتبطة بأفعى، وعلى علاقة بالصنم (مطعم الطير) في حين ان النغمة الخمرية تكون مرتبطة بطائر. وهكذا فالكرمة مثل الطائر في الأعلى، في حين أن الأفعى تحتها. وعروقها تأكل من عظام الأفعى، التي تطعم الطائر- الكرمة في هذه الحال. ونص الأفعى الجرهمي نص مدهش، ويحتاج إلى نقاش خاص ليس هنا محله.
فوق هذا، فاسم أبي محجن ذاته يثير التساؤلات. فالمحجن هو الصولجان. وقد تعرضنا في كتابنا السابق لشخصية ميثولوجية وردت في أحاديث منسوبة للنبي تدعى (صاحب المحجن)، وتوصلنا إلى أنها شخصية أوزيريسية.
وهكذا، فإن هناك إشارات معقولة إلى أننا مع أبي محجن أمام شخصية ميثولوجية، أو شخصية واقعية ملوثة جدا بتراث شخصية ميثولوجية. أي أننا قد لا نكون أمام سكير عادي، بل أمام سكير ميثولوجي مثل المكاء والضيزن- الساطيرون صاحب النضيرة، الذي: (لا يبيت إلا سكران)(13).
وإذا كان أبو محجن وعمه شخصيتان ميثولوجيتان مرتبطتان بالخمر، أو شخصيتان على علاقة بكهانة ما لإله خمري، فلا بد أن نفترض أن اسم الإله الموجود في اسم عمه (عبد ياليل) إله خمري صيفي، يمثل النغمة الكونية العالية.