لعبة البوح هي الرواية الفائزة بحازة الغونكور، وقد نالت الكاتبة أكثر من جائزة رفيعة في فرنسا.
You are here
قراءة كتاب لعبة البوح
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

لعبة البوح
الصفحة رقم: 9
لم يكن في وسع أحد مقاومة صوت لولا· وتذكر غلوريا الأثر الذي تركه عليها لقاءهما الأول، قبل عدة سنوات، أثناء حفلة كوكتيل في قسم اللغة الفرنسية في جامعة نيويورك· فبينما كانت غلوريا تسير نحو البوفيه، تسمرت في مكانها عند سماعها لذلك الصوت الرائع، الصوت المعبود، مثلما كان يحدث لها في الماضي عندما تصل إلى السينما في منتصف العرض، وتنتظر العاملة في زاوية الرواق أو السلم، لكنها تنسحر بالصوت العزيز لممثلتها المفضلة حتى قبل أن تجد مكانًا لها· كان الصوت يقول لحم الجامبون يؤكل مع التين وليس مع الشمام، وبالأخص مع الشمام الأخضر حلو المذاق· فخيل لغلوريا بأنها تسمع الأدب المعاصر كله مجتمعًا مع السينما الأوربية كلها، وهذا مما لا طاقة لها به·
إن كان هنالك شيء غير الأدب، وحتى ربما أكبر من الأدب، يجعلها تشعر بأنها فرنسية، وتحب التصرف كفرنسية، فهذا الشيء هو سينما الستينات، وإن كان هنالك من استطاع تمثيل هذه السينما، فهي لولا دول النرويجية· لقد كانت مفتونة بها· كانت ما إن تفتح فمها حتى تطبع بنبرة صوتها الدامغة الحوارات على اختلاف أنواعها، كما لو كانت هي مؤلفتها· لقد ساءت أوضاع لولا كثيرا ولولا بقاء صوتها على ما كان عليه لما كانت غلوريا صدقت عينيها عندما رأتها·
كان لها وجه ترك الكحول عليه آثاره العنيفة، حتى أصبح شاحبا ضاربا إلى البنفسجي، كما لو أنه تعرض للحرق وبرز جلده الميت على تجعدات رمادية، لقد بلغ بها التسمم الكحولي مرحلة تحولت فيها من البدانة والانتفاخ إلى النحافة والسقم الشديدين، فتخلى عنها أطباء التجميل وأهملها حكماؤها، إلا أن قوة طائر العنقاء التي تحركها كانت تجعلها تبعث من جديد بعد كل مرة تنزع منها كلية، أو حويصلة، أو طرف من معدتها· مع ذلك، فقد بقيت مفعمة بالانفعالات، متوقدة الذهن حتى أن من بقي يجسر على زيارتها من الأصدقاء، رغم قصص السكر الشنيعة التي تشاع عنها، يخرج من عندها وهو معجبٌ بها·
أما لولا دول، فكان أول ما لاحظته في غلوريا هو نظرتها التي استشفت فيها ودًا مضطربًا، وانفعالاً غارقًا في الدموع، وجذبتها ابتسامتها المفتونة، الشاكرة التي كانت لولا تبعثها في الماضي في وجوه النساء اللواتي كن يحرسنها باحترام كبير حتى إنها لم تتردد يومًاً في الذهاب إليهن وكسر تحفظهن لتخبرهن بحبها لهن· ومن ثم رأت هذه المرأة التي لا ينم شكلها عن عمرها، المتأنقة كخادمة صغيرة، والناشزة عما حولها، في ذلك المكان لم تلحظ لولا أن غلوريا كانت سوداء إلا بعد حين، وهي التي عاصرت فترة نضال القوة السوداء، وقدمت دعمها للأقليات المقهورة، رأت في غلوريا ضحية من ضحايا الرجال وأميركا، فتقدمت نحوها وقبلتها كما لو كانت تعرفها منذ زمن طويل·

