You are here

قراءة كتاب الإمتاع والمؤانسة

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الإمتاع والمؤانسة

الإمتاع والمؤانسة

الإمتاع والمؤانسة أبو حيان التوحيدي

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
دار النشر: ektab
الصفحة رقم: 7
 نفسه، وقهرٌ لشهواته، وقمعٌ لهوائجه وقبولٌ من ناصحه، وتهيؤٌ في سعيه، وتبوءٌ في معان حظه، وائتمامٌ بسعادته، واستبصارٌ في طلب ما عند ربه، واستنصافٌ من هواه المضل لعقله المرشد، هذا قليلٌ وصعب ولو قلت: معدومٌ أو محال في هذا الزمن العسير والدهر الفاسد، لما خفت عائقاً يعوقني، ولا حسوداً يرد قولي. قال ابن السماك: الله المستعان على ألسنٍ تصف وقلوبٍ تعترف، وأعمالٍ تختلف. وقال معاوية لأبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث - ورآه لا يلي له عملاً، ولم يقبل منه نائلاً -: يا ابن أخي، هي الدنيا، فإما أن ترضع معنا؛ وإما أن ترتدع عنا. وربما قال بعض المتكلفين قد قال بعض السلف: ليس خيركم من ترك الدنيا للآخرة، ولا من ترك الآخرة للدنيا، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه. وهذا كلام مقبول الظاهر موقوف الباطن. وربما قال آخر من المتقدمين: "اعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً". وهذا أيضاً كلامٌ منمق، لا يرجع إلى معنىً محقق؛ أين هو من قول المسيح - عليه السلام - حين قال: الدنيا والآخرة كالمشرق والمغرب متى بعد أحدكم من أحدهما قرب من الآخر؛ ومتى قرب من أحدهما بعد من الآخر. وأين هو من قول الآخر: الدنيا والآخرة ضرتان، متى أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، ومتى أسخطت إحداهما أرضيت الأخرى.
 
وهذا لأن الإنسان صغير الحجم، ضعيف الحول، لا يستطيع أن يجمع بين شهواته وأخذ حظوظ بدنه وإدراك إرادته، وبين السعي في طلب المنزلة عند ربه بأداء فرائضه، والقيام بوظائفه، والثبات على حدود أمره ونهيه، فإن صفق وجهه وقال: نعمل تارة لهذه الدار وتارة لتلك الدار: فهذا المذبذب الذي لا هو من هذه ولا من هذه؛ ومن تخنث وتليث لم يكن رجلاً ولا امرأة، ولا يكون أباً ولا أماً؛ وهذا كما نرى.
 
ونرجح فنقول: ونعوذ بالله من الفقر خاصة إذا لم يكن لصاحبه عياذٌ من التقوى، ولا عمادٌ من الصبر، ولا دعامةٌ من الأنفة، ولا اصطبارٌ على المرارة.
 
وقد بلينا بهذا الدهر الخالي من الديانين الذين يصلحون أنفسهم ويصلحون غيرهم بفضل صلاحهم، الخاوي من الكرام الذين كانوا يتسعون في أحوالهم، ويوسعون على غيرهم من سعتهم، وكانوا يهتمون بذخائر الشكر المعجل في الدنيا، يحرصون على ودائع الأجر المؤجل في الأخرى؛ ويتلذذون بالثناء، ويهتزون للدعاء؛ وتملكهم الأريحية عند مسئلة المحتاج، وتعتريهم الهزة معها والابتهاج؛ وذلك لعشقهم الثناء الباقي؛ والصنيع الواقي؛ ويرون الغنيمة في الغرامة، والربح في البذل، والحظ في الإيثار، والزيادة في النقص؛ أعني بالزيادة. الخلف المنتظر من الله؛ وبالنقص: العطاء؛ ورأيت الناس يعيبون ابن العميد حين قال: أنا أعجب من جهل الشاعر الذي قال:

Pages