قراءة كتاب الأسرى الأحرار - المجلد الأول

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الأسرى الأحرار - المجلد الأول

الأسرى الأحرار - المجلد الأول

كتاب "الأسرى الأحرار - المجلد الأول"؛  الأسرى الأحرار صقورٌ في سماء الوطن، إنه كتابي، وسجل ذكرياتي، وذاكرة أيامي التي أفخر بها وأعتز، فهي جزءٌ عزيزٌ من حياتي، ورصيدٌ كبيرٌ راكمته في عمري، فكان أساساً لرأس مالٍ عز أن يخسر، نما مع الزمان، وكبر مع الأيام، واست

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 4

كتابي...

الأسرى الأحرار صقورٌ في سماء الوطن، إنه كتابي، وسجل ذكرياتي، وذاكرة أيامي التي أفخر بها وأعتز، فهي جزءٌ عزيزٌ من حياتي، ورصيدٌ كبيرٌ راكمته في عمري، فكان أساساً لرأس مالٍ عز أن يخسر، نما مع الزمان، وكبر مع الأيام، واستوى على سوقه مع كثرة التكرار، وتوالي التجارب والخبرات، وهي مرحلةٌ من العمر مضت وانقضت، وتركت علامةً وأثراً، ولكنها أصبحت ذكرى، ومحطة نضالية كان لها أبلغ الأثر في صياغة المستقبل وصقل الحياة.
كتابي... الأسرى الأحرار صقورٌ في سماء الوطن... إنه الشامة الغراء التي بها أفخرُ بها وأعتز.كتبت فصوله والكثير من أبوابه من ذاكرتي، التي لاتزال تحمل الكثير من الذكريات عن السجون و«المعتقلات الإسرائيلية»، ذكرياتها الأليمة، أيامها الجميلة، تجاربها المريرة، معاناتها ومسراتها، أحزانها وأفراحها، زنازينها وأقسامها، سجونها ومعتقلاتها، الصحبة الطيبة، والأخوة الحقيقية، التي بتُّ أحنُّ إليها، وأفتقد مثيلاتها، وأبحث عن إخلاصٍ يشبهها، وصدقٍ يماثلها، قد كتبت جلَّه من الذاكرة بعيداً عن المراجع والكتب، والدراسات والأبحاث، وإن كنت أسعف ذاكرتي أحياناً بالعودة إلى أصدقاء السجن وزملاء المعتقل، الذين زودوني بالكثير مما يعرفون ويحفظون.
لاتزال عيوني تحفظ الكثير من الصور، تتراءى أمامها، وتنهض من الماضي بكل تفاصيلها الحزينة والأليمة، تختصر الزمن وتعود إلى الوراء، تأبى بقايا الصور أن تفارق العيون أو أن تغيب عنها، وترفض العيون أن تتخلى عنها، إذ فيها بقايا حية لمشاهد لا تنسى، وأحداثٍ لا يقوى الزمن على طيها، ولا جديد الأيام على نسيانها، ولايزال جسدي يحتفظ بكثيرٍ من ذكريات السجن، التي زالت آلامها ولكنها بقيت علامةً لا تزول، وجرحاً لا يندمل، وذكرى يقشعر منها بدني، وتزيغ منها نظرات عيوني وأنا أتحسس بيدي كلما تذكرت موضع الألم من جسدي، فألمس مكان القيود الغائرة، أو أتلوى ألماً من الذاكرة لضرباتٍ كانت كالطعنات على الخصية، ولاأزال أشعر بألم القيود البلاستيكية وهي تعتصر معصمي، وتكاد تحزّ عظمي وقد انغرست عميقاً في لحمي فأدمته وازرقَّ وتورّم. لاأزال أشتمُّ رائحة الأكياس المنتنة التي غطت رأسي، وخنقت أنفاسي، وجعلتني أتقيأ من نتن رائحتها، وسماكة قماشها، ولاأزال أضع يدي على وسطي، أتحسب من أي ضربةٍ جديدة تصيب خصيتيّ، اللتين أصابهنّ من العذاب ما لا يحتمله حصان، فقد أدماهما الضرب والركل والعصر، وجعل من مجرد تصور ما كان عذاباً لا يطاق.
إنه كتابي أنا، كما هو كتاب مئات آلاف الفلسطينيين والعرب، سطرته من المعاناة، وكتبت حروفه من الألم، وتذكرت حوادثه من وخز القيد، وألم الشبح، وصقيع البراد، ولفح الفرن، وبرد الصحراء، تنبهني بين الحين والآخر لكمات السجان، وركلات الجنود، ولسعات السجائر والماء الساخن المنصب على الجسد في لا مكان أعرفه أو أتحسبه، وأكاد أتقيأ من بصاق المحققين والحراس، وسوء رائحة الكيس وضيق الأنفاس فيه، فكان كتابي عن الأسرى مداده لا ينضب، وحروفه لا تتعثر، وكلماته لا تتوه ولا تضيع، ولكن فصوله لم تنتهِ بعد، ولم تطوَ صفحاته، ولم يجف مداده، فغيري كثيرون يسطرون اليوم وكل يومٍ كتباً أكبر وأبلغ وأعمق، ويمتلكون ذاكرةً أدق وأوسع، ويحوزون على شهاداتٍ أحدث وأكثر، ويعرفون حوادث جديدة، ويحتفظون بأخرى قديمة، ولكنهم وأنا، نؤمن أن ما نكتب سيغدو يوماً ذكريات، وستصبح كتبنا وذكرياتنا صفحات من الماضي، وقصصاً وحكايات من عهد الاحتلال، إذ سيأتي يوم نكسر فيه القيد، ونحطم الأغلال، ونهدم الأسوار، ونسوي الزنازين بالأرض، ونبني مكانها حدائق ومتنزّهات، نزرع فيها الأشجار، لتورق وتثمر، وننثر فيها الحب لينمو ويزهر، ونبني فيها لأطفالنا ملاعب، ونجعل لهم فيها ملاهي، فهذا يقيننا الذي لا يتزعزع، وإيماننا الذي لا يضعف، وأملنا الذي لا يعرف اليأس أو القنوط.
إنه كتابي الذي سطرته من تجاربي الشخصية ومعاناتي الخاصة، التي لا تختلف كثيراً عن معاناة مئات آلاف الفلسطينيين، التي تفوقها بكثير وتتجاوزها بمراحل؛ فما واجهتُه وعانيتُ منه هو أقل بكثير مما لاقاه غيري، وواجهه من كان قبلي ومن جاء بعدي، ولكنها خلاصة تجربة فيها السجن والتحقيق والتعذيب والمحاكمة، وفيها المداهمة والملاحقة، إذ اعتقلتُ تسع مرات، منها اعتقالاتٌ احترازية وأخرى إدارية، ودخلت السجون وكنت من أوائل من دخلوا المعتقلات الصحراوية، وعشت قسوة العزل، ووحشة الحبس الانفرادي، وفرضت عليّ الإقامة الجبرية، ومنعت من مغادرة مخيمي، وحرمت الالتحاق بجامعتي لاستكمال دراستي، وتوالت اعتقالاتي، وجاءوا بأخي الجريح من المستشفى بعد أيامٍ قليلة على إصابته بعشرات الطلقات النارية على عربةٍ متحركة ليضغطوا به عليّ، ومنعوا أفراد عائلتي من السفر ومغادرة قطاع غزة، وأجبروا العديد منهم على الحضور يومياً إلى مقرات الأمن للتوقيع والمشاهدة، ثم اعتقلت الاعتقال الأخير وعرضت على «المحكمة العليا الإسرائيلية»، التي صادقت على قرار «وزير الدفاع الإسرائيلي» بإبعادي وثلاثة أخوة آخرين إلى جنوب لبنان، فكان كتابي مزيجاً من التجربة الشخصية، والخبرة التي اكتسبتها من خلال معاناتي الخاصة، أضفت إليه بعضاً من تجارب الآخرين، وخبرات السابقين والعارفين، مما جعل الكتاب بياناً لصورٍ كثيرة، واستعراضاً لسياساتٍ و«ممارساتٍ إسرائيلية» قديمة وجديدة، تقليدية وأخرى مبتكرة.

Pages