كتاب "الأسرى الأحرار - المجلد الأول"؛ الأسرى الأحرار صقورٌ في سماء الوطن، إنه كتابي، وسجل ذكرياتي، وذاكرة أيامي التي أفخر بها وأعتز، فهي جزءٌ عزيزٌ من حياتي، ورصيدٌ كبيرٌ راكمته في عمري، فكان أساساً لرأس مالٍ عز أن يخسر، نما مع الزمان، وكبر مع الأيام، واست
قراءة كتاب الأسرى الأحرار - المجلد الأول
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
وبالنظر إلى الشكل التي تتم فيه عملية الاعتقال، ومراقبة الحشود الضخمة من الجنود وقوات الجيش التي ترافق ضباط المخابرات الذين يقومون بتنفيذ عملية الاعتقال، والإجراءات الأمنية المشددة جداً التي تتخذها «القوات الإسرائيلية» حول وفي محيط منازل المقصودين بالاعتقال، فضلاً عن الطريقة التي يتعامل بها الجنود «الإسرائيليون» مع المعتقل المكبل بالقيود من الخلف، والمعصوب العينين، فإنها تدل على مدى الخوف الذي يسكن الإسرائيليين من هذا المعتقل وإن كان مكبلاً ومقيداً ومحاطاً بأعدادٍ كبيرة من الجنود والحراس.
لم تكتفِ «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية» بما تجريه من استجواب وتحقيق مع الأسرى والمعتقلين، بحجة الحصول على معلوماتٍ أمنية، حيث كانت تصف بعض المعتقلين بأنهم قنابل موقوتة، وذلك بالإشارة إلى حجم المعلومات التي يمتلكونها وخطورتها، والتي في حال عدم الحصول عليها فإنها تعني تنفيذ عمليات عسكرية ضد مصالح الكيان، أو عدم القدرة على إفشالها أو تطويقها والتخفيف من آثارها، فكانت تلجأ إلى اختطاف فلسطينيين ولبنانيين، وذلك بعد أعمال مراقبة ورصد دقيقة وطويلة، وعندما يصبح المختطفون بين أيدي أجهزة «المخابرات الإسرائيلية»، فإنها تقوم معهم بعملية تحقيق قاسية وسريعة، وتستخدم ضد المختطفين وسائل تعذيب خاصة جسدية ونفسية، لتتمكن من الحصول بسرعة على المعلومات التي تريدها، أي أن «إسرائيل» ترى أن أمنها يقوم على استمرار الاعتقال، ومواصلة الاختطاف، وتكثيف عملية التحقيق وتطويرها، لأن الأسرى بما يملكون من معلوماتٍ وأسرار، فإنهم يشكلون ركناً أساسياً من أركان المفهوم «الأمني الإسرائيلي».
وما يؤكد هذا الاتجاه قيام «مسؤولين أمنيين إسرائيليين» كبار، بمشاركة شخصياتٍ سياسية وأخرى لها علاقة باتخاذ «القرار الإسرائيلي»، بمتابعة أو الاشتراك في التحقيق مع الأسرى والمعتقلين، للتعرف منهم على حقيقة المواقف والنيّات، ودراسة الأبعاد والمخاطر والنتائج المحتملة، فضلاً عن التركيز على نوعية المعلومات التي يتطلعون إلى الحصول عليها، وقد شارك في بعضها وزراء «الدفاع الإسرائيليون»، ورؤساء أركان الجيش، وقادة وضباط عسكريون كبار، فضلاً عن مختصين في علم النفس والاجتماع وغيره.
من جانبٍ آخر ترى «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية» أن أمن كيانهم لا يتحقق في ظل وجود بعض الشخصيات الفلسطينية في الشارع الفلسطيني أحراراً، يمارسون أدوار التحريض والتعبئة والإثارة، ويلعبون دوراً نشطاً في تأطير المقاومة وتطويرها، وتنظيم العناصر الجديدة، ولهذا ترى من منظور مفهومها الأمني أن تقوم باعتقالهم إن تعذر قتلهم وتصفيتهم، وبهذا تبعدهم عن دائرة الفعل الحقيقية التي يتميزون فيها. وفي الوقت نفسه تحاول «المخابرات الإسرائيلية» الحصول على معلوماتٍ جديدة منهم، سواء أكانت معلومات تفصيلية تتعلق بأعمالٍ أو مهام، تعطل أو تعرقل القيام بأي أعمال تضرّ بأمن «الكيان الإسرائيلي»، أو معلوماتٍ أخرى تساعد في فهم الاستراتيجيات وتبصر الرؤى الإقليمية المتشكلة في ظل المتغيرات المتلاحقة.
يندرج الاعتقال في «المفهوم الأمني الإسرائيلي» تحت مفهوم الإنذار المبكر، حيث تقوم «النظرية الأمنية الإسرائيلية» على ثلاثية « الردع والإنذار والحسم»؛ والاعتقال وفقاً لمفهومهم الأمني يندرج تحت فهم الإنذار المبكر. حيث من شأن الاعتقال أن يمكّن «المخابرات الإسرائيلية» من الحصول على معلوماتٍ مختلفة قد تساهم في توفير «الأمن الإسرائيلي المنشود»، أو تساعد في منع وقوع عملياتٍ عسكرية، حيث أن بعض أطراف الخلايا المتهمة بالتخطيط والإعداد قيد الأسر والاعتقال، ما من شأنه أن ييسر على «المخابرات الإسرائيلية» الحصول على المزيد من المعلومات لإحباط أي عملياتٍ عسكرية أو أمنية محتملة.
تستغل «المخابرات الإسرائيلية» الظروف الصعبة التي يعيشها الأسرى والمعتقلون، وأحياناً صغر سن بعضهم، فتضغط عليهم وتساومهم على الارتباط بها والعمل معها، فضلاً عن احتكاكها الدائم مع ذوي الأسرى والمعتقلين، الأمر الذي من شأنه أن يعرضهم إلى مساومات وضغوط «المخابرات الإسرائيلية»، وهكذا فإن السجون والمعتقلات قد تكون بالنسبة إلى «المخابرات الإسرائيلية» مراتع خصبة لبناء شبكات تعامل وجاسوسية تعمل وسط صفوف المقاومة، سواء داخل السجون والمعتقلات أو خارجها.
كما تقوم «النظرية الأمنية الإسرائيلية» على ضرورة الاحتفاظ برهائن في كل المراحل السياسية، وإخفاء أي معلوماتٍ عنهم، لاستخدامهم في أوقاتٍ مناسبة، كأوراق ضغطٍ أو ابتزاز ومقايضة للحصول على معلومات، أو لإجبار المقاومة العربية والفلسطينية على إتمام عمليات تبادل الأسرى، الأمر الذي يقحم موضوع الأسرى في صلب «العقيدة الأمنية الإسرائيلية»، كما أن الاحتفاظ بالأسرى في «السجون الإسرائيلية» من شأنه أن يلعب دوراً ضاغطاً على القيادة الفلسطينية على طاولة الحوار، ويجبرها على تقديم تنازلاتٍ جوهرية من أجل راحة الأسرى ومستقبلهم.
وقد تجلت محاولات الابتزاز و«الضغط الإسرائيلية» على الفلسطينيين وفصائل المقاومة في مسألة الأسرى والمعتقلين، عندما أقدمت «سلطات الاحتلال الإسرائيلي» على اعتقال العشرات من نواب المجلس التشريعي المحسوبين على حركة حماس، بقصد تعطيل أعمال المجلس التشريعي الفلسطيني، وممارسة الضغط على حركة حماس والقوى الفلسطينية الآسرة للجندي «الإسرائيلي» جيلعاد شاليط، ولم تكتفِ سلطات الاحتلال باعتقال النواب ورئيس المجلس التشريعي ومئات المسؤولين الفلسطينيين، وإنما قامت باعتقال عددٍ من الوزراء المحسوبين على حركة حماس، وكان من بينهم نائب رئيس الحكومة الفلسطينية.
كما أقدمت «سلطات الاحتلال الإسرائيلي» على استخدام الأسرى والمعتقلين للضغط على آسري الجندي المذكور، عندما أقدم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على تقليص صلاحيات وامتيازات الأسرى والمعتقلين في «السجون الإسرائيلية»، وحرمانهم من كثيرٍ من حقوقهم ومنها حقهم في مواصلة التعليم الجامعي، وحرمانهم من الزيارة ولقاء ذويهم ومحاميهم، حتى يتم الإفراج عن الجندي الأسير، أو الحصول على معلوماتٍ مطمئنة عنه.
وزينت المؤسسات القضائية والقانونية والتشريعية و«المحكمة العليا الإسرائيلية» للمؤسسات الأمنية عملها، وشرعت لها ممارساتها القاسية بحق الأسرى والمعتقلين، واعتبرت أن أشكال التعذيب والضغط النفسي التي تمارسها المخابرات على المعتقلين ممارساتٌ مشروعة، يحميها القانون، وأفشلت العديد من الدعاوى المرفوعة ضد عناصر وقيادات المؤسسة الأمنية، وردت الكثير من الطعون التي تقدم بها ذوو المعتقلين أو المؤسسات الفلسطينية العاملة في مجال حقوق الإنسان، والمدافعة عن حقوق الأسرى.
تقوم «النظرية الأمنية الإسرائيلية» أخيراً على فرضية تراجع الأخطار الخارجية التي تهدد أمنهم واستقرارهم، وذلك لمصلحة تعاظم الأخطار الداخلية نتيجة صعود وتنامي قوى عسكرية منظمة ومتشددة، ترتبط وتنسق مع قوى خارجية معادية، وتمتلك عقيدة قتالية، ورؤى إستراتيجية، ولديها مفاهيم جديدة لإدارة الصراع مع «سلطات الاحتلال الإسرائيلي»، مع عدم إهمال الأولى، والتأكيد على تعاظم دور الثانية؛ ووجدت أجهزة أمن سلطات الاحتلال أن المعتقلين يخدمون كثيراً في الحد من تصاعد الأخطار المتوقعة على الجبهات الداخلية، نظراً لمكانتهم الحساسة في المجتمع الفلسطيني، وتمسك الشعب الفلسطيني بهم، واعتزازه بتاريخهم وتضحياتهم، وحرصه على أن يكفل لهم الراحة ويضمن لهم الحرية، ولهذا يرى الاحتلال أهمية المحافظة على ورقة المعتقلين، وعدم التفريط بها، أو التنازل عنها حتى في ظل فترات الهدوء النسبي، وانطلاق مفاوضات السلام، فقد تجد «إسرائيل»، خلال المفاوضات، أنها بحاجة لاستخدام ورقة الأسرى للضغط من خلالها على المفاوضين الفلسطينيين، ولهذا يرى الاحتلال ضرورة الحفاظ على درجة عالية من المرونة الأمنية، التي تمكنهم من اعتقال من شاءوا عندما يرون أن ذلك يخدم مصالحهم الأمنية.


