كتاب " الفقهاء والدهماء والنساء - في نقد التشدد " ، تأليف خالد السعيد ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
You are here
قراءة كتاب الفقهاء والدهماء والنساء - في نقد التشدد
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

الفقهاء والدهماء والنساء - في نقد التشدد
علاج الفقر والإملاق عند أبي إسحاق
يطرح أبو إسحاق الحويني – أحد أعلام التيار السلفي في مصر – خيار الجهاد المقدس كمخرج مؤكد، وحل مجرب للإزمة الاقتصادية الطاحنة في مصر. يقول أبو إسحاق في محاضرة نفاها مريدوه، وأكدها هو بنفسه ما يلي: «هو الفقر اللي إحنا فيه ده مش بسبب تركنا للجهاد؟ مش لو كنا كل سنة عمالين نغزو مرة ولا اتنين ولا تلاتة مش كان هيسلم ناس كتير في الأرض؟!». كيف بالله عليك يا مولانا سيسلم هذا المغلوب الذي اختطفت منه زوجته وبناته، وسرقت منه ممتلكاته وأمواله، وكسرت في داخله رجولته وكرامته؟! تذكرني هذه الطرفة «الحوينية» بأخرى قالها شيخ المجاهدين بن لادن من جوف كهفه عشية تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر من أن آلاف الأمريكيين قد دخلوا دين الإسلام زرافات ووحداناً بعد أن قام تسعة عشر كوكباً بخطف الطائرات، وتفجير المباني والناطحات، وإزهاق أرواح الآلاف!
لنمضي مع مولانا أبي إسحاق، وهو يضع في أيدي مريديه الوصفة السحرية لتطليق أيام الفقر والسنوات الشقية: «كل واحد كان هيرجع من الغزوة جايب معاه تلات أربع أشحطة (= رجال) وتلات أربع نسوان وتلات أربع ولاد. اضرب كل رأس في ستميت درهم ولا ستميت دينار (لاحظ استخدام الشيخ لنقود العصور الإسلامية التاريخية) يطلع بمالية كويسة». أتحدى أن يكون جهابذة الاقتصاد وفطاحلته قد تمخضت عقولهم عن مثل هذا الحل السحري والذي سيجفف منابع الفاقة، ويردم مستنقعات البطالة، ويملأ جيوب المجاهدين بالدراهم والدنانير؟
نسيت أن أخبركم بشيء هام. يقول أبو إسحاق إن من يرفض هذا الحل الاقتصادي المذهل، فإنه، أي أبو إسحاق، سوف يملأنها عليه خيلاً ورجالاً. إسمع ما يقوله مولانا أبو إسحاق: «واللي يرفض هذه الدعوة نقاتله، ونخدوا أسير وناخد أموالهم ونسائهم وكل دي عبارة عن فلوس». أسمعت؟ اللهم أني بلغت.. اللهم فاشهد.
إن عبارات أبي إسحاق الواردة أعلاه قد جاءت بالكامل – دون تصريف – من كتاب «السلفيون في مصر ما بعد الثورة»، والصادر عن مركز الدين والسياسة للدراسات. رغم النفحة الفكاهية الطاغية على كلمات الرجل إلا أنه لم يكن يمزح أو يهرج. ما جرى على لسان أبي إسحاق من عصارة كلام ليس سوى ما يطحن في رأسه من أفكار. فعلى الرغم من أن أبا إسحاق وأنصاره يحيون في الألفية الثالثة أجساداً إلا أن أفئدتهم وعقولهم مازالت تحيا في الماضي. إذن، لا غرابة بعد ذلك لو التمس أبو إسحاق وأمثاله حلول القرون القديمة في الإجابة على أسئلة القرون الحديثة. ولكن، هل سيبقى السلف أسرى هذه العقلية الإتباعية والماضوية، إلى الأبد؟ لا أظن. أعتقد أن أبا إسحاق، لو سئل اليوم، وبعد أن صار للسلف كلمتهم المسموعة ورايتهم المرفوعة، عن العلاج لمتاعب مصر الاقتصادية، لما طرق باب الجهاد! قبل انفجار الثورة المصرية، وانهيار النظام الحاكم، وصعود التيارات الدينية، كانت الجماعات السلفية تقول: المشاركة السياسية حرام.. الديموقراطية حرام.. التظاهرات حرام.. معاهدة كامب ديفيد حرام.. ولاية المرأة حرام.. حرام.. حرام. اليوم، السلف يشاركون في الانتخابات رغم حرمتها، ويعترفون باتفاقية كامب ديفيد رغم حرمتها، ويقبلون بترشيح ناقصات العقل والدين رغم حرمتها! كيف نفسر هذا الانقلاب السلفي على مبادئه الأصيلة؟ الجواب ببساطة: إن للعبة السياسية اشتراطاتها وقواعدها الملزمة لكل الأطراف المشاركة. لا يمكن للسلف أن يقتحموا عوالم السياسية بكل تلك الأثقال التاريخية، وما تحمله من مشاعر إنعزالية ومصدات فكرية. لا يمكن للسلف خوض بحور السياسية المتلاطمة بعقلية أبي إسحاق. ألم أقل مراراً إن التيارات المتأسلمة لا تفترق عما سواها في شيء سوى تنميقاتها الدينية وقشورها الخارجية؟

