You are here

قراءة كتاب الفقهاء والدهماء والنساء - في نقد التشدد

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الفقهاء والدهماء والنساء - في نقد التشدد

الفقهاء والدهماء والنساء - في نقد التشدد

كتاب " الفقهاء والدهماء والنساء - في نقد التشدد " ، تأليف خالد السعيد ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 8

مرحى بالخلافة في أرض الكنانة!

(*)

يقف السلف في مصر من الدولة المدنية موقف الضد؛ فالدولة المدنية تستلزم إحلال الديموقراطية، والديموقراطية تؤدي إلى تأليه هوى الفرد، وتأليه هوى الفرد يقود إلى الكفر والاستعلاء! ماالبديل، إذن للدولة المدنية؟ إنها دولة الخلافة. عندما تستعاد الخلافة، فإن الأمة ستختار خليفتها بإرادتها، وبمعونة من العدول من أهل الحل والعقد. وفي ظل الخلافة المباركة، سوف يحكم الخليفة وفق شريعة السماء التي لا تتحول ولا تتبدل. أنظر كتاب (السلفيون في مصر ما بعد الثورة: مجموعة باحثين).

يتحدث السلف، ومن لفّ لفّهم، عن الخلافة وكأنها نظام إلهي، وليس نظاماً بشرياً. يتحدثون عن الخلافة كما لو أنها الحل الوافي والدواء الشافي لكل ما أصاب جسد هذه الأمة من أعطاب وأمراض. يتحدثون عن أمراء المؤمنين كما لو أنهم لم يستبدوا، ولم يظلموا، ولم يبطشوا، ولم يقتلوا، ولم يسرقوا، ولم.. ولم.. ولم. من المؤكد أن السلفيين، ومن سار في ركابهم، لم يقرأوا التاريخ كما هو بقضّه وقضيضه. إنهم ينتخبون من التاريخ ما يطيب لهم ويوافق هواهم. يقطفون من التاريخ حكاية من هنا وحكاية من هناك، وواقعة من هنا وواقعة من هناك. ما لا يوافق أهواءهم، ولا يخدم أغراضهم، يهال عليه التراب، ويضرب عليه النسيان.

يقول المستشار محمد العشماوي في كتابه القيم (الخلافة الإسلامية) إنّ هناك تصوّراً خاطئاً، مفاده أن الخلافة أمر لازم لتمام الاعتقاد واكتمال الإيمان. إن الخلافة ليست في أصلها أمراً دينياً، وإنما أمر دنيوي. ولو كانت الخلافة ديناً، لكان القرآن الكريم أو السنّة النبوية قد أكدا عليها وأمرا بها. بتعبير آخر، لم يحدد الله ورسوله للعباد شكل الرئاسة أو رسم الإمامة. لقد تبنى المسلمون بعد وفاة النبي الكريم الخلافة نظاماً لإنهم لم يعرفوا في زمانهم نظاماً بديلاً يقوم مكانها. بإيجاز، الخلافة لم تكن عند نشأتها نظاماً دينياً، ولكنها حولت فيما بعد إلى نظام ديني من أجل تحصين الخليفة وتأثيم كل محاولات الثورة ضده والخروج عليه.

إن الخلافة التي يلح عليها ويحن إليها المتأسلمون ليست جزءاً من الإسلام، وإنما جزء من تاريخ الإسلام، والفرق واضح بينهما. الإسلام هو ما جاء مسطراً في كتاب الله، ومعبراً عنه في سنة نبيه الكريم. أما تاريخ الإسلام – كمثل تاريخ الخلافة- فهو خليط من الخير والشر، ومن الحسن والقبح، ومن العدل والظلم. من يتباكى على زمن الخلافة، حيث توزعت الفتوحات شرقاً وغرباً، وتلاشت الحدود بين الأوطان والأمصار، وازدهرت فيه العلوم والمعارف، نقول له: إقرأ التاريخ بشيء من التعقل والتبصر والتجرد. لقد أدى الصراع من أجل الخلافة إلى تمزيق لحمة المسلمين، وإلى تفشي الحروب والفتن، وإلى استباحة الدماء وهدم العمران، وإلى تفتيت الإسلام إلى فرق وشيع. ألم يكن الصراع على الخلافة سبباً في أحداث الفتنة الكبرى، وحربي الجمل وصفين، وتسميم الحسن ومقتل الحسين، وثورات الخوارج الحروريين، وحروب الأمويين والهاشميين، وحروب العباسيين والطالبيين؟ ألم يكن التنافس بين علي ومعاوية على الخلافة سبباً في ما نحن فيه الآن من تخندق طائفي مقيت؟

أي خلافة تلك التي يتحسر عليها هؤلاء المتأسلمون؟ ألم تكن قصور الخلفاء والأمراء والوزراء مرتعاً للمغاني والمراقص والمقاصف والمشارب؟ من قال إن الخلافة قد حفظت للمسلمين وحدتهم وتماسكهم؟ ألم تنفجر الثورات وتندلع الحروب منذ أيام الأمويين للانعتاق من ربقة الحكم المطلق؟ ألم تتفسخ الدولة العباسية إلى دويلات وإمارات متنافرة ومتناحرة فيما بينها حتى صارت يد خليفة بغداد لا تصل ما هو أبعد من أسوار المدينة؟ ألم يأت يوم كان للمسلمين خلفاء ثلاثة في بغداد، والقاهرة، وقرطبة؟ ولولا ضيق المقام، وقِصَر المقال، لسودنا عشرات الصفحات حول الخلافة، وما جنته الخلافة على الإسلام والمسلمين، ودليلنا على ما نقول ما خلفه لنا المؤرخون المسلمون في بطون كتبهم من عشرات، بل مئات الشواهد والبراهين.

Pages