كتاب " القاضية والعفر " ، تأليف أبو العباس برحايل ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
You are here
قراءة كتاب القاضية والعفر
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

القاضية والعفر
ـ يا أستاذ حيدرة!.. من تظنه يزايد على خردة أشبه بنفاية؟..
لم يكن الأستاذ حيدرة يفهم ما تعنيه، فقال في جدّ وقد اشتط غضباً:
ـ في قلب النفاية قد تجد ماسة تلمع!..
ـ وقد تجد خــ... يصفع!..
ولم تكمل اللفظة الخبيثة احتراماً للمادة الفكرية للكتاب أياً كانت طبيعة الكتاب.. فأنت تقدس الكتاب تقديساً يفوق تقديس الخبز.. وخرج بكما الحديث عن عالم الكتب إلى جوانب شتى من الشؤون، وشكا إليك سلوك ابنه الذي يسميه هو غسان، وتسميه أمه جهيدة وطاووس الحنان عجوزك الطيبة؛ باديس..
ـ إنه مدمن!..
باديس عاش شطراً من حياته الأولى في بيتك، أيكون هذا الحديث نوعاً من اللوم المبطن على سوء التربية التي تلقاها الصبي عنك، وقلتَ توصي في حرج:
ـ هو خريج جامعة، عالجه بالحسنى، سواء لدى النفسانيين أو في المستشفى إن اقتضى الحال..أو سرّع في أمر زواجه، سمعت خالته تتحدث عن صبية تلازمه.. أخطبها له واربطها به، هذا الحل المثالي.
ـ لا أعني هذا يا صديقي، إنه منغمس في ملاحقة مواقع الشبكة العنكبوتية المتاجرة بأفيون الغافلين:الديانة، وتدعو إلى سفك الدماء تحت ستار إحياء الركن المغيب من الإسلام:الجهاد!.. المشكلة أن جهادهم المزعوم يريدون أن يخوضوه في البلدان الإسلامية ذاتها.. أن يعيدوا أسلمة من هم مسلمون أصلاً وفق فهمهم المحنط للإسلام الساكن..
****
في الغد بعد العصر، وقد عدت يا أيوب من قرية مرجة أيميس بعد أن دفعت الغرامة لدى الخزناجي في المدينة، وبلّغت الوصل بالدفع للدرك الوطني في القرية، رفعت ستارة الزنك الرمادية عن واجهة المحل وشرعت تفرز بقية كتب الأستاذ حيدرة التي تركتها البارحة مكومة تقريباً على طاولة المحسب. لقد تخلى باديس بن جهيدة، أو بالأحرى غسان بن حيدرة عن مساعدتك منذ أن تم توظيفه في ما يسمى بالشبكة الاجتماعية، ألحقوه بإدارة مؤسسة مالية، وهو لا يكاد يعمل شيئاً مفيداً، لأن تكوينه تقنياً سامياً في البترول لا يناسب البتة وجوده في تلك المؤسسة، ثم إن المستخدمين لا يسندون إليه المهام المجدية.. إنه في بطالة مقنّعة ومفتوحة، أغلب ساعات الدوام لديه يقضيها مبحراً معربداً في الشبكة العنكبوتية، ويقبض مقابل ذلك الحضور الشكلي والدوام المقيت، الذي هو أقرب إلى قتل العمر هباء، منحة بـ1500دينار. كان قبل ذلك هو الذي يداوم في الوراقة أثناء غيابك، وهو الذي سعى لتزويد محلك بخط الإنترنت.. وفي الواقع فإن الإنترنت هي التي رغبته في المحل وجعلته يداوم لك ساعات متطاولة عند اضطرارك للغياب، يزعم أنه يتصل بحثاً عن منصب عمل في حقول البترول والغاز بالخليج.. الأجور هناك خيالية لمن يبتسم له الحظ.. أنت لا تفقه شيئاً في ذلك العالم الإلكتروني المعقد، ولم تكن تستطيع حتى مجرد الدخول إلى المواقع، فما بالك بالإبحار في تلك العوالم الصاخبة.. باديس نفسه هو من لقنك بعض المبادئ، وصرت تتصفح بعض المواقع الخاصة بالمكتبات وعالم الكتب..الفتية والشبان أمثال باديس يتحكمون في هذه التقنيات ببساطة متناهية.. ويستوعبون بسرعة وذلك ما يفتقر إليه الشيوخ أمثالك وأمثال صديقك الأستاذ حيدرة الذي لا يزال يعبر ما يكتب بالقلم ولا يستعمل الحاسوب البتة.. لكن الشبان غالباً ما يتيهون في ذلك العالم الافتراضي الصاخب، وها هو الأستاذ حيدرة يشكو إليك ضياع ابنه بين المواقع الداعية للكراهية والتشرذم المذهبي، والقتل باسم الجهاد!..
لمحتَ يا أبا الرضوان ظلاً يقف أمام الواجهة متلصصاً كما لو كان يتفحص المعروضات من وراء الزجاج، لكنه كان من حين لآخر يشرئب بخطم مفرطح هو جل رأسه نحو الداخل ليرمقك ويرمق كل ما في داخل المحل، ومع ذلك يتوارى مثل اللص ولا يريد أن يدخل.. رفعت عن عينيك نظارات القراءة التي كنت تتصفح بها كتب الأستاذ حيدرة، بدا لك بوضوح كاف من زجاج الواجهة الداخلي المقعر خطمُ عفر بنابيه البارزين.. اندهشت للأمر وسعيت نحو الواجهة تستجلي الأمر، لم يكن هناك شيء ما عدا أحد الأشخاص أعطاك ظهره وراح يخطو بسرعة ويتخفى بجذع الشجرة الهرمة التي تزين الرصيف الضيق الذي لا تزال أشغال تبليطه قائمة.. لكن المئزر القصير المتسخ الملطخ بلون الدم الأسود أنبأك عن هوية صاحبه؛ إنه جارك اللدود هناك في مرجة أيميس، العُفر الغندور بن قزوان.. ما الذي جاء بالغندور العُفر من القرية النائمة؟.. هل تتبعك طوال مشوارك على مسافة أربعين كيلو متراً دون أن تنتبه له، وما الذي يريد منك الآن بعد أن أشبعك ضرباً برفشه في تلك الأمسية الرمضانية، ثم ألحق بك أضراراً مادية ومعنوية فادحة ومنها أنه سوّد لك، بذلك الحكم القضائي التعسفي، صحيفة السوابق العدلية التي تخصك وأمسيت في رتبته الوسخة، صاحبَ سوابق عدلية قذرة مثله؟..

