You are here

قراءة كتاب القاضية والعفر

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
القاضية والعفر

القاضية والعفر

كتاب " القاضية والعفر " ، تأليف أبو العباس برحايل ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2013 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 9

عدت إلى الكتب تفرز وترمم بالغراء بعضها، هذا كتاب ساطع الحصري «الإقليمية جذورها وبذورها». عاد شبح خطم العُفر يملأ الواجهة في عناد، ويسد على المارين مشاهدة المعروضات من بضاعتك.. كيف لك وأنت الشيخ في السبعينيات أن تزيح هذا العُفر بخطمه القرمزي المترب المسلح بنابين معقوفين كالمدرى؟.. بعض الأوراق في الكتاب منفصلة ومنفلتة من مكانها لا بد من إعادتها وترتيبها في مكانها وتثبيتها بالغراء اللاصق.. تلاشى شبح الخطم من الواجهة كما لو تبخر بمجرد أن دلفت امرأة مجللة بالسواد منقبة كأنها في حداد أبدي تقود صبية وضعت بدورها الحجاب على رأسها الصغير وهي لا تتجاوز السادسة، وكل هذه المظاهر الهمجية التي تفرض الاختفاء على الأنثى وافدة من البلدان الموغلة في التخلف الفكري والحضاري، والتي قفزت فجأة من فقرها المادي المدقع لتتبوأ مكان الريادة في العالم العربي والإسلامي بسبب امتلاء خزائنها حتى التخمة بأوراق البترو دولار المشحمة الملطخة بالزيوت الملوثة للبيئة القاتلة لكل حياة وجمال.. وسألتك المرأة بشيء من النجو المصطنع والهمس المرائي، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد مع أنك كنت وحيداً:

ـ العلّامة أيوب ابن العالم محمد الطاهر الصابوري.. كيف حال الطاووس؟..

ولما لم تجبها مباشرة، ورحت قبل ذلك تركب النظارات على عينيك تحاول أن تتعرف إلى هذه المناجية، مع أنك لا ترى شيئاً من بدنها، قالت لك بلهجة مفخمة:

ـ ذاكرتك معطوبة..أنا تماضر بنت صديقك الشيخ برهوم بن إبراهيم العموري مدرّسة سابقة في مدرسة البشير الإبراهيمي، صديقة زوجتك الطاووس في الثانوية.. كيف حالها؟..لا أظن أنك نسيتني؟..

لو أخلصت مع نفسها لقالت: «تماضر التي عرضت عليك للزواج ورفضتها..»؛ حاولتَ أن لا تجاري المرأة وقلت:

ـ كيف أتعرف إليك وأنت بهذا التنكر؟..طاووس الحنان في صراع مع السكري تغلبه حيناً ويغلبها تارة..

ـ شفاها الله، قل لها تماضر.. تماضر بنت الشيخ برهوم تحييك.. و..

ـ مرحباً بك يا تماضر.. ما الخدمة؟..

سكتت لحظات وأضافت مستمرة في نجواها مع لهجتها المفخمة، وفي تردد غير معهود من تماضر التي عرفتها ذات يوم:

ـ قصدت مكتبتك دون سائر المكتبات، لأنك.. لأنك.. ولأقلْ صديق المرحوم والدي ومكتبتك هي الأصل.. طيب..هل أجد عندك كتاباً قيماً قديماً يتحدث عن الرقية الشرعية التي تزيل آثار السحر؟.. لا أريد الكتب الجديدة.. هذه كلها مزيفة ومؤلفوها يشبهون الرقاة التجار الذين يتحدثون في القنوات المتاجرة بالدين، وأنا أبحث عن كتاب أصيل..أبحث عن كتاب يبطل السحر!..

تماضر، كثيراً ما ترددت على المكتبة أيام زمان مع طاووس الحنان ودخلت في نقاش معها.. وكان كثيراً ما حدثك عنها والدها سي برهوم ملمحاً لك بما يريده كل أب لابنته عندما تبلغ سن الزواج، مع أنك كنت تقترب من سن الثلاثين يومئذ، ولم يكن يعلم أن ابنته كانت تتردد على المحل. لكنك تلعثمت، لقد بدت لك الفتاة جريئة جراءة زائدة مثل جراءة أمك مع أبيك، بخلاف صاحبتها الحيية طاووس التي كانت ملامحها هي التي تشبه ملامح أمك.. وترددت لهذا السبب بالذات، فلم يلح حين لم تجبه فوراً، هو يعلم بعد أن ابنته النبيهة المليحة يتمناها ألف عريس وعريس ولا يخشى عليها البوار، وتلميحاته لك المتكررة كانت لمجرد تنبيهك إليها وترغيبك فيها لا أكثر، وكان الرجل الطيب قد كون عن شخصك فكرة حسنة باعتبارك ذلك الشاب العصامي الذي لم يدخل مدرسة، المثابر الذي حقق مصيره بنفسه من لاشيء تقريباً، وها هو يقيم في وسط المدينة في سكنى فاخرة، وبمحل لائق يدير فيه تجارته المحترمة.. وعندئذ وقد آثرت الصمت مراراً، وحتى يبرهن لك عن صداقته التي لا يزحزحها شيء، عرض عليك صديقة ابنته وتلميذته الطاووس، أجل كانت الصديقتان تماضر وطاووس الحنان تزوران المكتبة وتقفان أمام الرفوف طويلاً تقرآن العناوين وتتفرجان على الكتب، وكنت تعلم أن زياراتهما لم تكن عفوية، وكنت تبادلهما أحياناً بعض الحديث عن تلك الكتب التي تتفرجان عليها لكن في اقتضاب وجد. غير أن تماضر كانت تسترسل وتخرج عن مضامين الكتب لتنتقد الأشخاص بألفاظ عنيفة ساخرة؛ وحين عرض عليك والدها طاووس قبلت بلا تردد لأنك تفاهمت معها بالنظرات المتطاولة دون حاجة لكلام بخلاف تماضر الثرثارة.. على كل حال هي الأقدار تسوق مصائر الناس من غير أسباب حقيقية أحياناً.. لقد كانت تماضر بيضاء البشرة ولكنها كانت تبدو لك قصيرة القامة بعض الشيء، فضلاً عن شخصيتها القوية الجريئة الشموس الشبيهة بشخصية والدها، مع أنها تصغرك بثلث العمر تقريباً، ففيما كانت هي في العشرينيات، كنت أنت تستشرف الثلاثين، لكن الطاووس يتيمة الأب، هي بنت الشهيد مسعد نايلي، استشهد قبل أن تولد، ورغم أنها تربت في أحضان بيت رجل عالي السمعة هو سي عبد الرحمن عابد، إلا أنها ستظل مفتقدة لعاطفة الأبوة، ورجل مثلك سوف لا تتخذه مجرد زوج، بل سوف تتخذه بشكل من الأشكال أباً طالما افتقدته، كأنما لم يستطع سي عبد الرحمن عابد زوج أمها تعويض العطش للأبوة وملء الفراغ رغم كل أريحيته. إنه ذلك العطش الذي يستمر طوال الحياة.. كانت طاووس الحنان سمراء البشرة، لمياء الشفتين، وكانت لها عينا غزال، وكانت حيية كعادة بنات البادية اللواتي يتخذن الخفر شيمة والحياء سمة.. وكنت أنت في قيم الجمال تميل إلى السمراوات الوضاءات، وعرفتَ سبب ميلك اللاشعوري إليها فيما بعد، حين قرأت بعض كتب علم النفس، إنه لسببٍ بسيط، وهو أن أمك الخامسة كانت سمراء كما أن أنفيهما كانا متشابهين جداً.. عقدة أوديب أم عقدة إليكترا؟.. البنت تميل لا شعورياً إلى أبيها والابن يميل في عقله الباطن إلى أمه..

تماضر سماها صديقك الكبير الشيخ برهوم باسم الشاعرة المخضرمة الخنساء التي رثت في جاهليتها أخاها صخراً بكاء مراً يفتت الصخر والجلمود قبل الكبد والفؤاد!.. لكن الإسلام بعد ذلك هذب من وجدانها وصقل من مشاعرها فتقبلت شهادة أبنائها الأربعة في سبيل العقيدة الجديدة قبولاً حسناً ولم تبكهم ولا رثتهم، واحتسبتهم عند ربها فضلاً وذخراً..

Pages