كتاب " حوار في ضيعتي " ، تأليف رفيق أبو صالحة ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
You are here
قراءة كتاب حوار في ضيعتي
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

حوار في ضيعتي
أيامهم الأولى
مِثل كلّ قادم الى مكان جديد، جال أهلنا حولهم في الشعاب والهضاب والمنحنيات ،ليكتشفوا في رحلتهم الاستطلاعية مدى قدرتهم على استنباط خيرات هذه الأرض الوعرة، مِن بين الصخور التي تكاد أن لا تترك للتراب متنفساً، ومن تحت الثلوج وطبقات الجليد شتاء.
الأمر يستحق التهيّب وعقد العزم، إذ لا طُرق ولا مسالك صالحة حتى للحمير أو البغال. وأشجار السنديان تتلاقى مانعة المرور وحتى الضوء أحياناً، والأرض السّليخ تكسوها أنواع من النباتات الشوكية التي يصعب التفاهم معها.
إزاء ذلك كان لا بدّ للجميع من أن يعقدوا النيّة على زيارة «ابن الأحمدية» في ميمس المجاورة ،أو «ابن الحدّاد» في حاصبيا التي كانت أبعد عن ضيعتنا من بريطانيا، بالنسبة إلى الوقت الّذي تستغرقه الرحلة إليها بين تلك الأيام وأيامنا هذه.
إلى ميمس وحاصبيا لابتياع كلّ معدّات الحلاقة والإبادة كالفؤوس المختلفة الحجوم والمناجل والمطارق الثقيلة وغيرها، وبعد ذلك نعيماً للأشجار والصخور معاً، وهنيئاً لبُطون المدافئ بحطب السّنديان ولجدران المنازل الحجرية بأنظف حجر للبناء، نقلته على مرّ سنين كثيرة جمال وجمّالون من مقالع الضّيعة إلى أماكن البناء.
وهناك تحلّق الصغار لأيّام وأيّام عقوداً طويلة حول البنائين ليتعلّموا منهم قبل الكبار طبعاً ،أسماء عدّة البناء التي خبروها جيّداً قبل الكتاب والدّفتر والمحفظة، وسلكوا رويداً درب الاستقرار في بيئتهم الجديدة.
ولكن من أين الطعام للأسر وكيف يؤتى بمؤونة الشتاء، ولا بقعة تصلح ليبذر فيها ما يكفي لإنتاج خبز العائلة؛ وفي هذه الحال ما أسرعك يا مواشي نجدة للفقراء، وما أوسع نطاق العمل معك، ولا خوف من البطالة بعد الآن، الكل منشغل بأمور القطيع من طفل ترك الحبو لسنة خلَت إلى شيخ بدأ يستعين بيديه للعربشة خلف الماعز ولم يسمع بسنّ التقاعد بعد.
عقود مضت وطرقات الضيعة إلى عين الماء والمراعي والأرزاق، لا تتسع لدابتين محمّلتين أو ليستا أحياناً. أجيال عبرت من أهلنا قبل أن يروا سقوف الباطون، وأنابيب المياه التي لا تزل فارغة من المضمون حتى اليوم.
زرعوا قمحاً وحنطة في كل بقعة ظهرت بين الصخور، وأصلحوا الهضاب القريبة وحوّلوها جلولاً غرسوها بالتين والكرمة، وأخيراً بالزيتون والصنوبر بعد أن تمكّنوا من ترك الرّعي شيئاً فشيئاً، بفعل ما أصابوا من نعمة العلم وبعض الشهادات الابتدائية والمتوسطة.
وحيثما يدخل العلم إلى بيوت الفقراء تحل الطمأنينة، ويبتعد الخوف من العوز والحاجة إلى الشّقاء والهلاك بين حراب الصخور وأشواك الأرض وحدّة الزمهرير.
انتهت البداية الناجحة لتتبعها مراحل لم تخلُ من مرارة العلقم .
26 آذار 2007

