رواية " السجن " للكاتب السوري نبيل سليمان، نقرأ منها:
You are here
قراءة كتاب السجن
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

السجن
الصفحة رقم: 10
ـ 6 ـ
ـ رافض النعمة أنت. ناكر الجميل.
قال له الرائد، وأضاف وهو يقترب من وهب:
ـ أنا بريء منك. لقد أديب حق الجيرة، لكنك تصرّ على أن تركب رأسك. حسناً. هل تعرف ماذا يعني ذلك؟
اعترف وهب في سره أن محيا الرائد وعينيه، وحركة فمه، جميعاً، تسبب هلعاً حقيقياً. وود لو أن هذا الغاضب يترك له فرصة أخرى، لكنه كان قد تيقن منذ زمن بعيد من بطلان التمني، لذلك خرس. بيد أن الرائد عبد المنعم كان مصمماً على أن يتحرك اللسان الملجوم، فمدّ يديه إلى فم وهب، وفتحه بجهد يسير، وحاول أن يقبض على تلك القطعة التي تغيظه بصمتها. وفكر وهب في أن يعض على الأصابع الدخيلة، وانساق مع فكرته قليلاً، قبل أن تفرغ رأسه منا صفعة معمية. وحسب بعد لحظة أن أركان حنجرته ـ وخاصة حلقه ـ تتزعزع، فتفرس في وجه الرائد، وانقضت ثوان من التحدي، وهمّ أن يقذف بقبضتيه المقيدتين في الوجه الوحشي، ثم همّ أن يضرب بكامل جسمه، وكأن الرائد قرأ ما في دخيلة وهب، فرجع إلى مكتبه وضغط على أحد الأزرار، فدخل قبل أن يرفع إصبعه رجلان، وفهم الجميع. فهموا دون أن ينبس أحد.
انتقل الرجلان بإشارة من الاستعداد قرب الباب إلى الفريسة. حرمهما وهب من لذة الجرّ. لم يسعدا لانقياده. مرة واحدة رسمت الدرب في الذاكرة جيداً. لاركلات في الممر، ولا جدار يرميه إلى جدار. شكر لهما هذا التأدب الزائد. وفي الصالون كان الرجل الثالث يعلق أداة في أحد المسامير التي تكسو الجدران. الدولاب في الزاوية: رآه وهب وكشر له. لن ترهبني هذه المرة أيها العزيز. لم تجفّ الماء بعد، لا عن ثيابه، ولا عن البلاط القذر. وامتدت إحدى القبضات إلى كنزته الوحيدة فعرته منها بطريقة لم يعاينها من قبل. ثم امتدت قبضة أخرى إلى قميصه الداخلي والخارجي معاًَ فنزعتهما بقوة بهرته، وضغطت بعض أضلاعه.
ـ اخلع حذاءك.
وقذف به أمر أحدهم إلى الأرض. أراد وهب أن يطيل فترة خلع الحذاء، لأنهم سكنوا أثناءها. سمع وهو ينفذ الأمر أقداماً تقترب، فحزر أن الرائد قادم. كان النقيب قادماً أيضاً. تباطأت الخطوات بين المدخل وجسم وهب العاري. أنهضه الرائد من جمته. الرائد هو الآخر شجاع وقوي: فكّر وهب وهو يخشى أن تتشقق الجلدة إذا استمر تدخلهم فيها. تفتق ذهن النقيب عن لفتة بارعة: انتزع سيجارته المفلترة المتوهجة من بين شفتيه بعصبية، وراح يضغط على زند وهب. أجفل وهب، إلا أن القبضات الحديدية ضمنت ثباته. عضّ شفتيه ولم يتذوق طعم الدم الذي تفجر منهما، وشمخ برأسه، وانتفض، وسمع بقلبه كما سمع بأذنيه نشيش اللحم المحروق، حتى قال الرائد:
ـ قرفص يا كلب.
تخلت عنه القبضات، وقرفص. وعلى ظهره أخذ الضابطان يتباريان في إطفاء السجائر. ماذا يجدي أن يتململ أو يتزحزح؟ فوق كتفيه يضغط جبل أحد الرجال، وفي منافذ الهواء المتبقية يكمن الآخر. لم يصرخ. كانت أسنانه وجفناه ملجأ وحيداً. حتى الرأس منعوه من أن يفرح بتحريكها. وتطاول عليه الزمن قبل أن يسمع:
ـ ستستمر في السكوت؟
كان الرائد يسأل ساخراً. وقال النقيب وهو يضحك:
ـ هل حسبت نفسك إدوار حقاً؟ هل تتوهم أنك رئيس المنظمة حتى تقاوم؟
استطاع وهب أن يتأكد، على الرغم من الألم الحبيس أن النقيب لم يعد يريده أن يبدل شخصيته. وبعد قليل ـ وكان الضابطان قد شبعا من لحمه ـ تأكد أيضاً أن النقيب يتظاهر الآن أنه كان يهزل، إذْ خاطبه: "أنت إدوار، وأنت المسؤول الأول".
كان الصالون قد أخذ يدور به. حتى الرجال الأشداء الذين يقفون حوله أخذوا يدورون أيضاً. لكن ذلك لم يمنعه من أن يرى خشبة تقترب منه، وترتمي عند قدميه. أمعن جيداً فإذا بخشبة أخرى. لم يكتشف أن الخشبتين موثقتان إلى بعض، إلا بعد أن وضع ساقيه بينهما، وانشدتا. عصرت الخشبتان اللحم والعظم فوق رسغيه عصراً، ومع ذلك استكان لهما بعد قليل، وتخيل أن الخيزرانات قادمة، لكنه انتظر دقائق، توضح بعدها أن خياله قاصر. كان الضابطان الآن يغادران الصالون، وكان شريط أسود مزدوج وطويل يقترب منه. إنه ليس وثاقاً متيناً إذن، فماذا يراد به؟
قطع على وهب تساؤله أن حامل الشريط يجرب أن يلمس قدمه بحذر وخشية واضحة، ثم إذا به يقفز في الهواء ويتزلزل كيانه. لقد تخطى سقف الصالون نفسها، وانقذف إلى الفضاء الأعلى، ثم تأرجح بجنون حتى كاد أن يسقط إلى الدرك الأسفل من النار. وحسب أن لعنة أبدية قد حلت به، ثم فتح عينيه، فأبصر الشريط مرمياً قريباً منه، وأدرك من خلال الوهن القاتل الذي سمعه وسيطر عليه، أن الكهرباء فظيعة، ووحشية، على الرغم من بصماتها الحضارية الرائعة خارج الأقبية والسجون. وانتفض قلبه لإصبعي الرجل تمسكان بطرف الشريط من جديد، وتقربانه من القدمين الموثقتين، فحاول أن يرب، أو يتقلب على الأقل، لكنه اكتشف أن الماء قد زيدت تحته وأن ذلك هو الذي ضمن ناقلية ممتازة للكهرباء، ولم يبعد به ذلك عن لمسة سحرية أخذته بعيداً هذه المرة عن الصالون والسقف والفضاء والنار والرجال الثلاثة والشريط، وجعلته شيئاً آخر، غير وهب ابن نجيب المختار.

