You are here

قراءة كتاب الأبواب المغلقة

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الأبواب المغلقة

الأبواب المغلقة

كتاب " الأبواب المغلقة " ، تأليف منى خويص ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 4

لماذا وصل العرب إلى هذا الوضع المتردي وهذه الحال من التراجع في الوقت الذي يخطو التقدم بخطى متسارعة في المجتمعات الغربية، يعود السؤال القديم الجديد إلى الواجهة لماذا تراجعت بلدان الإسلام الواقعة على الضفة الجنوبية والشرقية من حوض البحر المتوسط وانتعشت بلدان أوروبا المسيحية من البحر ذاته. يعتبر محمد أركون أن (10) "النهضة حصلت أولاً في إيطاليا قبل أن تنتقل إلى فرنسا وانكلترا أو بلدان أوروبا الأخرى. ثم راحت الحداثة المادية والفكرية تتشكل مرحلة بعد مرحلة والعالم العربي أو الإسلامي يغط في نوم عميق حتى القرن التاسع عشر. هذا يعني أنه لم يلعب أي دور في تشكيل الحداثة. فلماذا غاب عن هذه المغامرة التاريخية الكبرى للحداثة؟ ثم لماذا تظهر فيه حتى أواخر هذا القرن العشرين قوى ارتدادية هائلة ترفض الغرب وحداثته بكل قوة وعنف؟...". ويضيف "بأن الفكر الممارس في المجتمعات الإسلامية يجد نفسه مرة أخرى وهو يتخبط في الفوضى المعنوية الشاملة الناتجة عن العنف المزدوج والمتضافر الذي يسببه الجهاد الأصولي والعولمة الغربية في آن واحد أن الفكر في المجتمعات التي يهيمن عليها الدين الإسلامي يجد نفسه معرقلاً جداً من قبل اللامفكر فيه والمتراكم منذ القرن السادس عشر، بمعنى أن الفكر توقف في تلك المجتمعات عن التطور منذ عدة قرون وطوال تشكل الحداثة في الغرب. وبالتالي تنقصه أشياء كثيرة لكي يستطيع المشاركة في المناقشة المفتوحة حالياً على مستوى العالم بأسره. ينبغي أن يشارك في هذه المناقشة العلمية والفلسفية الكبرى بطريقة أخرى غير طريقة الأصوليين: أي بغير طريقة ردود الفعل العنيفة التي تشكل المساهمة الوحيدة للفقراء والمنبوذين. لقد آن الأوان لكي يشارك الفكر العربي والإسلامي في هذه المناقشة الكونية بطريقة مسؤولة وجادة، وآن الأوان لكي يدخل المسلمون التاريخ بطريقة أخرى فاعلة وليس كمستهلكين سلبيين فقط (أي يستهلكون منتجات الحداثة ولا ينتجونها)... نحن عالة على العالم في الوضع الحالي. بل إننا عالة عليه ليس في العلوم الفيزيائية والتكنولوجية فقط وإنما في العلوم الإنسانية والفلسفية.

على العرب التحرك بمسؤولية لأنه للمرة الأولى أصبح التراث الإسلامي العريق واقعاً تحت تأثير قوى العولمة أو الحداثة الكاسحة بشكل نهائي لا رجعة عنها، بمعنى أن الأمور لن تكون بعد اليوم كما كانت عليه من قبل، وسوف تضطر النواة الصلبة لهذا التراث الإسلامي إلى التغير والتحلحل والتبدل لأول مرة في التاريخ. ولن تستطيع بعد اليوم أن تتحاشى قوى العلمنة والحداثة التي تحيط بها من كل جانب".

وفي السياق نفسه يعرض سيار الجميل (11) ردود الفعل العربية والإسلامية إزاء العولمة في النواحي الحياتية كافة ويعدد ما أفرزته من انعكاسات على منطقتنا بالذات على النحو الآتي:

1- اضمحلال الأمن الاقتصادي بفعل التنمية المفقودة وعوامل الاندثار والحروب الخاسرة وضعف الإنتاج، وتفكك العلاقات الاقتصادية وفشل العرب في تأسيس أية سوق إقليمية مشتركة. فضلاً عن الاستثمارات المالية في الغرب والإنفاقات الطائشة على الجيوش والتسلح، والإعلاميات الكاذبة، والحركات السياسية والانقلابات وعلى الاستهلاكيات والكماليات...

2- تفكك النمو الأيكولوجي: وقد نجم هذا التفكك بفعل ضعف النمو الاقتصادي، إذا كان لا بد من أن يخطو العرب والعالم الإسلامي معاً خطوات واسعة في النمو الصناعي وزيادة الإنتاج والطاقة والعمل على مكننة الزراعة وعلى الاستثمارات فيها ومن خلال استخدامات طبقت في الغرب بكل ما لديها من تجارب... ولكن أضراراً بالغة بيئية وطبيعية وبشرية لا يمكن تقديرها قد أصابت مختلف البنى الاقتصادية والاجتماعية بفعل عدم تملكها للآليات اللازمة أو مهارتها كأيد عاملة لازمة، ومع كل هذا وذاك سيترافق هذا التفكك مع التخلف وسيادة الأمية واستشراء جهالة (المثقفين) وتوقف الوعي وانحسار التقدم بالرجوع إلى الوراء وتفاقم المخاطر الماضوية.

3- انعدام اللغة التحديثية المشتركة بين عالمين اثنين، أولهما مركزي بيده مقاليد الحياة العصرية... وثانيهما هامشي... يرزح تحت وطأة التخلف السياسي والاجتماعي والضعف الاقتصادي...

4- لقد اثبتت الأحداث التي ترجمت حركة التحولات في السنوات الأخيرة أن المنظمات السياسية والاقتصادية لبلدان الجنوب... لم تكن سوى أندية سياسية استعراضية هشة، أو ملتقيات لخطابات وشعارات، أو قاعات يتبادل فيها الأعضاء الأحاديث الودية، وإصدار البيانات والإعلانات لا غير!

5- لقد أثبتت صور الأحداث السياسية والتكتلات الدولية والإقليمية في القرن العشرين التفكير السياسي المتعاكس لرجالات العالم الإسلامي وقادته في النصف الأول من القرن وتبايناته في النصف الثاني منه... إن ما كان يدركه ويفكر فيه رجالات النظام السياسي القديم في فترة ما بين الحربين العالميتين قد اختلف كثيراً عن الذي طغى سياسياً وأيديولوجياً في ما كان يفكر فيه رجالات النظام السياسي الجديد منذ الخمسينيات. وعلينا أن نقارن ما كان يدركه رجالات مثل غاندي في الهند.. والملك فيصل الأول ونوري السعيد في العراق وغيرهم.. مقارنة برجالات رياديين في العالم الإسلامي تبدلت مفاهيمهم وأساليبهم وصيغهم في التعامل مع الغرب ومنهم جمال عبد الناصر، سوكارنو، فيدل كاسترو وغيرهم.

6- لعل ما يحتاج إليه العرب والعالم الإسلامي قاطبة لمواكبة التحولات الكبرى، أنه لا يمكنهم أبداً الانعزال عن العالم والانكماش على الذات.. يكمن في مجابهة التحديات الجديدة التي سيفرضها النظام الدولي القادم من خلال التنمية السياسية والتنمية الفكرية.. وتطبيق التعددية وممارسة الديمقراطية من خلال الإيمان بالثوابت المدنية وتدعيم حقوق الإنسان في كل العالم والعمل على حل المشكلات والمعضلات المعقدة.. ومحاولة إيجاد سبل جديدة للتفاهم مع العالم دون الانقلاب ودون فقدان الثوابت.

يبدو من خلال ما تقدم أن مجتمعاتنا تعيش مأزقاً حقيقياً فهي تسبح في فضاء ظلامي بالمعنيين اللذين يحملهما هذا المصطلح: ظلام من ظلمة وظلام من ظلم وتظلم في ظل أنظمة استبدادية وقمعية.

وليس بخافٍ على أحد ما ترتبه هذه الوضعية من واقع مأساوي على المجتمع وبناه وإنسانه، وكيف تقف عائقاً بوجه أي عملية نهوض أو أي مشروع تحرري. فهي من خلال تظلمها تلقي بالظلام في فضاءات مجتمعاتها، ويعود لها محاصرة كل النتاج الإصلاحي الذي خطه مفكروها على قلتهم بين دفات الكتب، لا بل أكثر من ذلك وأخطر من ذلك كله ما كرسته من بنى مجتمعية جل ما تنتجه عقول قاصرة جامدة رافضة للتغيير وتتطلع إليه بصفته مؤامرة عليها وغزواً لها. وقد نجحت طوال المراحل السابقة في عملية إغلاق نوافذ الانفتاح على مجتمعاتها. إلّا أن التغيير الذي يشهده العالم من حولها يتخذ الآن شكلاً مختلفاً وإيقاعاً مختلفاً؛ إنه كالفيروسات التي تطور نفسها مقاومة الترياقات التي وضعت لها بحيث أصبح هذا التغيير يتسم بصفة السرعة المباغتة والقدرة على التسلل حيثما كان، بحيث لم يعد بإمكان أي مجتمع من المجتمعات أن يحيد بنفسه عنه، واستراتيجيات الحماية لم تعد تتمتع بالفاعلية ذاتها، وكما أنَّ لعل هذا ما يفسر التخبط الذي تعيش فيه هذه المجتمعات حالياً، وهو الذي يفسر إطلاق الدعوات من الاتجاهات كافة ومن جموع المفكرين على اختلاف أطيافهم، بضرورة التنبه لما يحصل في العالم من تغيير وأهمية مواكبته والمشاركة فيه قبل أن يفعل كما تفعل السيول، أي قبل أن يجرف كل ما يطاله.

وقبل الدخول في تقديم التصورات والخطط الكفيلة بإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتدارك الوضع قبل فوات الأوان، لا بد من التوقف عند واقع هذه المجتمعات وواقع الفرد فيها وعن نظرته إليها، نظراً لأهمية ذلك في تقديم جواب عن سؤال لماذا نحن على ما نحن عليه. كما إن تصوير الواقع يمكن أن يبيّن لنا ما إذا كان هناك من إمكانية لإحداث عملية نهوض أو تغيير فيه ومن أين وكيف يباشر بها؟

Pages