You are here

قراءة كتاب الحرب النفسية - قراءات في إستراتيجيات حزب الله

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
الحرب النفسية - قراءات في إستراتيجيات حزب الله

الحرب النفسية - قراءات في إستراتيجيات حزب الله

كتاب " الحرب النفسية - قراءات في إستراتيجيات حزب الله " ، تأليف د. يوسف نصر الله ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
4.5
Average: 4.5 (2 votes)
المؤلف:
الصفحة رقم: 3

الفصل الأول

الحرب النفسية

لقد تملك الإنسان منذ القدم نزوع إلى التملك، والاستئثار، والاستحواذ، والتسلط، والهيمنة، والسيطرة...، ليس على ما هو مادي وحسي وعيني فحسب، بل على وعي وعقل وأفكار وإرادات ومعنويات الآخرين. كما دأب على تسخيرها واستغلالها وفق مشيئته ورغبته ومصلحته. وكان قد توسّل في سبيل هذه الغاية استعمال واستخدام طرائق وأساليب ووسائل متعدّدة ومتنوّعة(1). تكفي العودة الحفرية التاريخية كي تتأكد صحة هذا المذهب، وكي نقع على كثير من الوقائع والشواهد الدالة والمعبّرة. ما يعني أنّ تجريد العدو والخصم من الروح المعنوية، وتحطيم إرادة القتال والممانعة لديه؛ هو قديم قدم نشوء النزاعات. ويعني- بالتالي- أنّ الحرب النفسية هي حقيقة قديمة، قائمة وماثلة منذ أن كان الصراع البشري قائماً وماثلاً(2)، إلا أنّها كمصطلح لم تتخلق وتتبلوّر على النحو الذي تناهى إلينا، ولم تحدّد قواعد ضبطها وفروض عملها واشتغالها، إلا خلال فترة الحروب الكونية، حيث قيّض لهذا الأخيرة في الحرب العالمية الثانية(3) أن تشكل أداة النصر الفاعلة والصالحة، وأن تحدث فتوحاً كبيرة على غير صعيد.

والحال هذه، عكفت الأمم والشعوب الخارجة لتوها من آتون هذه الحرب العظمى والمدمرة ـ تحسساً منها لخطورة وفعالية هذه الأداة الجديدة للحرب ـ على تلقف هذا المصطلح، والأخذ بهذا المفهوم، كما على تفعيله، وتطويره، وتعزيزه، ليصار إلى إدخاله كمركب وكمكون أصيل وفاعل، من مركبات ومكونات عقائدها ومنظوماتها الحربية(4). لقد أدرجت العمليات النفسية ـ بالتوازي ـ إلى جانب القوات البرية والبحرية والجوية؛ لتشكل مجتمعة «قوى الدولة الشاملة»(5) وفقاً لتعبير وايز كلاين. بحيث أصبح من غير السوي التخطيط لحرب، والانخراط فيها، دونما تفعيل للعمليات النفسية، ودونما تطوير لاستخداماتها على نحو يتأدّى إلى حسم المعركة سريعاً، كما إلى الوصول إلى النصر النهائي بالأقل من الخسائر والأكلاف البشرية والمادية.

وبعد تجاوز قطوع التمأسس في الحرب العالمية الثانية، تابعت الحرب النفسية سيرورة اكتمالها وتمدّدها وانفلاشها إلى ميادين وصعد مختلفة، فاكتسبت في ظل الحرب الباردة أهمية خارج أطر الصراعات العسكرية المباشرة(6)؛ مورست فيها كلّ أشكال وتمظهرات الدعاية، والتضليل، والمخاتلة، والتهديد، والوعيد، والمراوغة، وتزييف الوعي، والكذب، والافتراء، والشائعات... بوسائل وطرائق شتى(7). ما جعلها من أخطر أنواع الحروب الموجّهة ضد الكائن البشري، بوصفها تستهدف عقله وتفكيره ووعيه وقلبه وذاكرته ومخياله، وتنال من عزيمته وإصراره، وتحطم روحه المعنوية، وتقضي على إرادة المواجهة لديه، وتقوده استطراداً نحو الاستلاب والارتهان والهزيمة والاستسلام. كما لم ترضَ الحرب النفسية- إكتفاء- بإعمال التأثير في السلوك الاجتماعي للفرد أو للجماعة فحسب، وهذا ما منحها قيمة مضافة؛ بل وسّعت مدار اشتغالاتها واستهدافاتها لخوض غمار معارك كسب الرأي العام العالمي أيضاً، وذلك وفق قاعدة سيكولوجية مكمّلة للعمل العسكري والاقتصادي والسياسي، يصار إلى ترجمتها بأساليب دعائية نفسية ترمي إلى التأثير في سلوك الدول، وإحداث تغييرات وتحوّلات في مواقفها وتصوراتها وإيديولوجيتها.

وهكذا قدّر للحرب النفسية- مفهوماً وثقافة وممارسة– أن تلج إلى فضاءات ومدارات كل الأمم والكيانات والمجتمعات والدول، وإنْ كان ذلك بنحو نسبي وحادّ. ثم كان للتقدّم الكبير الذي صير إليه في دنيا العلوم على اختلافها، ولاسيما منها النفسية، والاجتماعية، والسياسية...، وسواها من العلوم التي توفر معرفة بالسلوك الإنساني، كما كان للتطور الهائل الحاصل في تكنولوجيا المعلومات، وفي وسائط الإعلام والاتصال(8)؛ إسهام كبير في تعظيم شأن الحرب النفسية(9)، وتضخيم دورها، وتوسيع هوامش ومساحات حركتها واهتماماتها واشتغالاتها، على نحو أصبح من العسير على أية جهة توفير القدرة الحمائية لنفسها(10)، أو تحقيق الردع والحصانة والمناعة الداخلية من ناحية، وخوض غمار النزاعات والحروب والمناكفات السياسية، دونما الاستعانة والاستنجاد بها(11).

وإذا كان أفلاطون قد أشار قديماً إلى عظمة الروح المعنوية في موضوعة الحرب، حيث يقول «إنّ أسوار المدينة لا تبنيها الحجارة». وكان نابليون بونابرت، قد أشار بدوره إلى قوة الكلمة وأثرها وفعاليتها في إدخال الرعب والخوف والتوتر والهلع إلى نفوس وقلوب المقاتلين والمحاربين، حيث يقول: « إنني أرهب صرير القلم أكثر من دوي المدافع»؛ فإنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحيم بيغن، يصف حديثاً كيف تحوّلت هذه الأداة- أي الحرب النفسية- إلى ركن ركين فاعل في منظومات الحروب المعاصرة، من حيث أنها أعطيت مجد كسب المعارك، وتحقيق الإنتصارات، وصناعة الإنجازات، وإحداث الفتوح السياسية والعسكرية «يجب أن نعمل» يقول بيغن «ولنعمل بسرعة فائقة قبل أن يستفيق العرب من سباتهم، فيطلعوا على وسائلنا الدعائية. فإذا استفاقوا، ووقعت بأيديهم تلك الوسائل، وعرفوا دعامتها وأسسها، فعندئذ سوف لا تفيدنا مساعدات أميركا، وتأييد بريطانيا، وصداقة ألمانيا. عندها سنقف أمام العرب وجهاً لوجه مجردين من أفضل أسلحتنا».

هذا قبل أن تتفتق الحرب النفسية عن آخر إبداعاتها وصرعاتها وكشوفها في الحروب الحديثة؛ حرب الخليج الثانية(12)، وغزو أفغانستان(13)، وحرب الخليج الثالثة(14)، وحرب لبنان في صيف العام 2006 (15)، وما سمّي بالحرب المفتوحة على الإرهاب.

في المحصلة، بالمقدور القول إنّ الأمر استتب للحرب النفسية، فاستقام عودها بنحو أصبح معه الكائن البشري في هذا العصر يتنفس المؤثرات النفسية والدعائية والإعلانية، كما يتنفس الهواء. ويغتذي من نتاجها ويقتات، كما يقتات من سائر صنوف الأغذية والأطعمة، وذلك بعد أن فرضت ذاتها حاجة ضرورية من حاجاته الحيوية الملحة. لكنّ المفارقة أنه في تنفسه للهواء يأخذ ما ينفعه ويمدّه بأسباب الحياة (الأوكسجين)، ويلفظ في قبالة ذلك ما يضرّه، وما يسئ إليه ويفسد عيشه (ثاني أوكسيد الكربون). أما في تنفّسه للعمليات النفسية على اختلاف تمظهراتها وتمثلاتها، فهو غالباً غير قادر على الانتقاء والتخيّر والفرز والتمييز. بل هو عرضة للتوعك النفسي وللإصابة بالعلة التي قد تقتل فيه الروح والإرادة والإيجابية والاندفاع والقوّة الرمزية والمعنوية. والحال، لكي ندرك طبيعة هذا النوع من الحروب، ونتحسّس مخاطره، ونقف على تخلقاته والآعيبه ومراوغاته، علينا أن نعي تمام الوعي ماهية الحرب النفسية، ونفقه أهميتها، ونتعرّف على أساليبها، وأشكالها، وأهدافها، وسبل مواجهتها، وعناصرها المكوّنة، ومبادئها، واتجاهاتها.

Pages