كتاب " يوم خذلتني الفراشات " ، تأليف زياد أحمد المحافظة ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
You are here
قراءة كتاب يوم خذلتني الفراشات
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

يوم خذلتني الفراشات
2
بقيتُ أسيرُ على هامش الحياة فترةً طويلة، أتنقلُ من مربع إلى آخر، لم تعطني الحياةُ في بداية علاقتي بها الشيء الكثير، ربما أرادت أن تمتحنَ صبري وعزيمتي، وجهت لي صفعات عديدة وقاسية، أدركتُ بعدئذ أن تتالي الصفعات ما هو إلا اختبارٌ لصلابتي، لكني رغم ذلك لم أستهن يوماً بألاعيب الحياة وفنونها، فلطالما كنتُ موقناً بأن الحياةَ رغم مكرها، تُرتبُ لنا الأشياءَ بطريقتها الخاصة.
كنت أعي منذ البداية أن الواقعَ ما هو إلا مشكلةٌ يجب حلّها، حالة اصطدام وشيك لابد من القيام بشيء لتلافيها، أو الدخول معها في عراك.
حين بدأتُ أكبرُ وأتخلى عن أحلامي الصبيانية، بعد أن بدأ الوعيُ يتسربُ وينفذ إليّ من اتجاهات شتى، وجدتُ بي ميلاً للقراءة؛ ميل الصبي لاكتشاف عوالم غامضة. كنت أفتحُ الكتابَ وأدخل معه في طقس غرائبي، كأني في منازلة أو تحدّ مع مؤلفه، كنتُ أحبّ توريطَ نفسي في الكتاب الذي أقرأه، فتلك كما أقول دوماً أفضلُ طريقة لفهمه والتهامه.
كنت في مرات كثيرة حين أنتهي من قراءة كتاب، أتركه جانباً، ثم أعودُ إليه في اليوم التالي لأتصفحه سريعاً كما لو أنني سأقدم فيه امتحاناً. قرأتُ كثيراً وكانت تلك القراءات رصيدي الذي طالما التجأت إليه، وساعدني على تلمّس خطواتي الأولى، في دروب هذا العالم الوعر الذي سلكته.
ما زلتُ أذكرُ ذاكَ اليوم الذي أقامت فيه مدرستنا الثانوية حفلها الثقافي السنوي، يومئذ كنتُ أجلسُ مع منذر الفاتح ومسعود مولانا وبرهان أمين ووليد الباهي، نتابعُ فقرات الحفل الساذجة، والأسئلة المكررة والمملة التي تُطرح عادة في مثل هذه الاحتفالات.
أثناء ذلك، توجّه الأستاذُ عريف الحفل بسؤال الجائزة الأولى كما أسماه. طرحَ السؤال، وظلَّ يدور بين الطلاب يتلقى إجابات خاطئة وغريبة.
كنتُ أعرفُ الإجابةَ منذ البداية، لكني كنتُ أريدُ أن أستفيدَ من الحدث بصورة أخرى، قلت في نفسي لو أجبتُ منذ أول لحظة لما كان لجوابي ذاك التأثير الذي سيتركه في الجميع، فلأنتظر حتى يعجزَ الطلاب عن ذلك، وأظهر بجوابي أمامهم.
ظلَّ الأستاذُ يتنقلُ بين الطلاب يبحث عن إجابة صحيحة، اقترب مني فلم أُجب، وحين تجاوزني بخطوتين قلت بصوت خفيف:
- عبدالرحمن الكواكبي.
التفت الأستاذُ بسرعة يبحثُ عن صاحب الإجابة الصحيحة، فأشارَ مسعود مولانا نحوي، عادَ الأستاذ واقتربَ مني وهو يقول:
- هل تعيدُ الإجابة مرة أخرى وبصوت مرتفع.
وقفتُ عندئذ وقلتُ بصوت أعلى هذه المرّة:
- عبدالرحمن الكواكبي.
- وهل تعرف من هو؟ سألني على الفور.
- نعم. مفكرٌ سوري ولدَ في حلب ومات مسموماً في القاهرة.
- وهل له كتبٌ أخرى غير "طبائع الاستبداد"؟ سألني مجدداً.
- نعم لكني لم أقرأ له حتى الآن سوى هذا الكتاب.
أُعجبَ الأستاذُ يومئذ بجوابي، وبطريقتي في الحديث، أمسكَ يدي وتوجه بي نحو المنصة، عرّفَ جميعَ الحضور عليّ، وأشادَ بإجابتي وبالمعلومات الغزيرة التي أملك. راح يمازحني أمام الجميع بطرح أسئلة أخرى، حول عناوين كتب أخرى وموضوعاتها وأسماء مؤلفيها، وكم كانت دهشتهُ وجميع الحاضرين كبيرة، حين أجبتهُ عن جميع أسئلته.
كنتُ أراقبُ عيونَ الطلاب وهي تتجه نحوي، تتمنى مزاحمتي أو الوقوف مكاني على تلك المنصة الخشبية المتواضعة، ومنذُ ذاك اليوم صرتُ واحداً من الوجوه الطلابية المعروفة، وكانت تلك فرصةً ذهبية لصبي في مثل سني ليتقدم قليلاً نحو دائرة الضوء.
حين انتهى الحفل، تجمّعَ الطلاب حولي، راحوا يسألونني أشياء كثيرة، وحدهُ منذر الفاتح وقف بعيداً وراح يراقبني وأنا أقف وسط الطلاب وأتحدث إليهم. حين تخلصتُ منهم، ذهبتُ لأراه، فسألني، وكان يعرفُ تمام المعرفة أنني أعلمُ إجابة السؤال منذ البداية:
- لماذا تأخرتَ في الإجابة عن السؤال وأنت تعرفها منذ البداية؟ ماذا كنت تنتظر؟
ارتبكتُ قليلاً ثم أجبته:

