You are here

قراءة كتاب يوم خذلتني الفراشات

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
يوم خذلتني الفراشات

يوم خذلتني الفراشات

كتاب " يوم خذلتني الفراشات " ، تأليف زياد أحمد المحافظة ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 9

كان همه الأول أن يُحيط نفسه بأكبر كمّ من الألقاب، علّ ذلك يجعل منه شخصية اجتماعية محترمة، ويعوضه عن إحساسه الدائم بالنقص. ما زلت أذكره إلى اليوم، قصير القامة، يدهنُ ما تبقى من شعر رأسه بزيت لزج نافذ الرائحة، مستدير الوجه، ممتلئ الجسم، دائم التعرّق واللهاث، يتدلى أمامهُ كرشٌ مستدير، يحاولُ قدر ما يستطيع حشرهُ في بذلة فاقعة الألوان، تنمُّ عن افتقار واضح إلى الذوق.

استقبله أبي باحترام، وبعد أن انتهيا من عبارات الترحيب المعتادة، قال السكّري خميس وهو يشرب قهوته:

- أريد أن أنضم إليكم في الحزب، هذا ما كنت أبحث عنه منذ مدة. أنا مستعدّ لدفع أي مبلغ تحتاجون إليه، ومستعدّ أيضاً لتغطية أية مصاريف يحتاج إليها الحزب، ثم استطرد قائلاً:

- ما أهميةُ المال إن لم يكن من ورائه هدفٌ نبيل!

لم تعجب تلك البداية أبي، ضبط نفسه وردّ عليه بكل احترام:

- لكن من قال لك إن المالَ يمكنُ أن يصنعَ سياسة؟

أدرك السكّري خميس بدايته الخاطئة، فعاد خطوة إلى الوراء، ولملم ما تناثر من كرشه وهو يقول:

- ليس هذا ما قصدته، بل أردت القول إنني أستطيع أن أكون عوناً للحزب في كل ما يحتاج إليه من أموال، سأقدم لكم دعماً لا حدود له، وأظن أنكم تحتاجون إلى شيء كهذا في هذه الفترة، أنا سأقدم أموالاً خدمةً للحزب.. والحزب في نهاية الأمر للوطن. وأنا بهذا أُساهمُ في خدمة الوطن. أليس هذا ما نصبو إليه جميعاً؟

- وماذا تريد مقابل ذلك؟ سأله أبي على الفور.

- لاشيء. وهل نحتاج إلى مقابل حين ندعم برنامجاً وطنياً كبرنامجكم! قالها باستنكار ثم أضاف:

- الوطن للجميع وله علينا واجبٌ كبير.

لم ينطل ذلك الكلام على أبي، فهيأ له رداً لاذعاً لا يخلو من سخرية واضحة:

- يمكنك أن تدعم الحزب من أي مكان توجد فيه، لا داعي لأن تضيع وقتك في مناكفات سياسية لا طائل فيها، نحن نحتاج إلى خبراتك وعلاقاتك في ضمان استيراد اللحوم والشاي والأرز، وتوفيرها للناس بأسعار معقولة، صدّقني إن هذا أفضل لجميع الأطراف. سياسةٌ مع شاي وقهوة لا يجتمعان أليس كذلك!

لم يعجب ذلك الكلام السكّري خميس، شعر بأن أبي قد وكزه من خاصرته، فرد متذمراً:

- لم أكن أعلم أنكم انتقائيون إلى هذا الحد. أتريدون أن تحتكروا الوطن لمصلحتكم!

- وهل يعنيك أمره إلى هذا الحدّ؟

- الحزب؟ سأل بسرعة.

- أقصد الوطن.

- الوطن.. آه طبعاً طبعاً. وهل لنا غيره. رد بضيق.

- قل لي بصراحة، هل تريد أن تكون عضواً عادياً أم تتطلع إلى منصب ما؟ أن تكون عضواً عادياً يعني أنك لن تستطيع يوماً التحدث باسم الحزب بالطريقة التي تتمناها، ربما لا يتاح لك أيضاً الحصول على منصب متقدم في قيادته، وأظن أنك تفهم مغزى كلامي جيداً.

عندئذ لم يجد السكّري خميس بُدّاً من كشف أوراقه، فقال:

- حسناً لنتحدث بصراحة، سأقدم وكما قلت تواً، دعماً لا حدود له؛ سأتكفل بكل نفقات الحزب واحتياجاته، سأقبل أية رسوم تضعونها لعضويتي، لكن أريد منصباً رفيعاً يوازي ما سأقدمه. أنا سأخسر الكثير من المال، وأريد أن أحصل مقابل ذلك على مردود يعوض عن خسارتي. أظن أن هذا حقي أليس كذلك؟

- الآن نستطيع أن نصل بحديثنا إلى الخاتمة. عقلية التاجر تلك لا تجدي نفعاً في السياسة. إن رغبت أن تكون سياسياً صادقاً فعليك أن تُعطي. تعطي فقط. صدقني لا تجر الأمور بهذه الطريقة، لكن لو سلّمت لك جدلاً بما تقول، فأن تصبح عضواً في حزب وطني لا يعني أنك أصبحت وطنياً، أن تسجل اسمك في حزب سياسي لا يعني أنك أصبحت سياسياً أيضاً، تماماً كما هو الحال في اتحادات الكتّاب والأدباء إن كان يعنيك ذلك، فأن تصبح عضواً في اتحاد للكتّاب أو الأدباء وتسدد اشتراكاتك السنوية، لا يعني بالضرورة أنك أصبحت كاتباً أو أديباً. أتفهم ما أقول؟

Pages