You are here

قراءة كتاب مأزق الدولة بين الإسلاميين والليبراليين

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
مأزق الدولة بين الإسلاميين والليبراليين

مأزق الدولة بين الإسلاميين والليبراليين

يأتي هذا الكتاب (مأزق الدولة بين الإسلاميين والليبراليين) الذي أعده وحرره الكاتب والباحث د.

تقييمك:
5
Average: 5 (1 vote)
المؤلف:
دار النشر: مكتبة مدبولي
الصفحة رقم: 4

وهذا المسلك كان مدخلاً لقول الغنوشي بضرورة الدولة الإسلامية، ما دام الإنسان اجتماعيًّا بطبعه، وما دام الإسلام نظامًا شاملاً، وهي دولة الرسالة، ولا تختلف عن الديمقراطيات المعاصرة إلا من حيث علوية المبدأ الخلقي في إقامة العدل وفق ما جاءت به الشريعة أو وفق ما لا يخالفها، وهو ما أسست له مدرسة الإصلاح كما جاء بيّنًا في فكر كل رموزها مثل الأفغاني وعبده ورشيد رضا وحسن البنا وحسن الترابي والمرجع الشيعي المعتبر المرحوم آية الله محمد مهدي شمس الدين.

هذا التصور الإصلاحي لمدنية لدولة الذي قرره محمد عبده وغيره من الإصلاحيين، وحافظ عليه رواد الحركة الإسلامية من بعده حين قالوا بالدولة الإسلامية، دفع إلى اعتبار الدولة ضرورة اجتماعٍ لا ضرورة دينٍ.

ويحاول الغنوشي مقايسة فكرة الدولة الإسلامية على فكرة الدولة الديمقراطية الحديثة، من خلال بحث أهم مفاهيمها التي تقوم عليها وهو "الشرعية"، فيقرر أن شرعية الدولة الإسلامية تنبع من المرجعية القانونية القيمية العليا المحكومة بالشريعة، والشورى التي تجعل الحاكم المسلم نائبا عن الأمة في إقامة الشريعة وإنفاذها وفق العقد الذي بينه وبين الأمة، وهذه الدولة يتمتع فيها العلماء وقادة الرأي العام وزعماء العشائر والطوائف وكل ممثلي الشعب بمكانة عظيمة باعتبارهم أهل الحل والعقد، بما يجعل سلطان الحاكم سلطانًا تنفيذيًّا محدودًا جدًّا لصالح سلطان الشريعة والمجتمع وسائر المؤسسات الممثلة لهما.

ودولة الإسلام هذه موكول إليها ومعلّق بها الأمل أن تقوم –وفق تصور الغنوشي- بإنقاذ مركب الحضارة الإنسانية واستعادة المعنى والروح والقيمة.

وإذا كان الغنوشي يقايِس على الدولة الحديثة ويحاكيها في رسم مبادئ السلطة والحكم في الإسلام، فإن سعد الدين العثماني يؤكد مجدَّدًا مدنية الدولة الإسلامية، لكنه يسعى من المنطلق ذاته – وهو المقايسة على الدولة الحديثة- إلى البحث عن انسجام مجتمع الإسلام مع دولة مدنية تنبني فيها الشرعية على إرادة الشعب، وتصدر فيها القوانين من قبل مؤسسات خُوِّل لها ذلك بالانتخاب، وفق مصلحة المجتمع، وهي أشبه بعملية توطين لإحدى أفكار الدولة الحديثة في بيئة الفكر الإسلامي أو تأصيل كما يُعبّر عنها أحيانًا، مدخلُها مسألة أصولية معروفة في أصول الفقه تقوم على مبدأ التمييز بين تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بحسب الوظائف التي اضطلع بها، والوظيفة التي يتم استدعاؤها هنا هي "الإمامة"، رأى فيها العثماني أساسًا منهجيًّا يلقي الضوء على جوانب لم يُهتم بها بما يكفي لتطوير التجربة السياسية المعاصرة للمسلمين، وللخروج من سجن الكثير من التجارب التاريخية التي ربما تكبل انطلاقة كثير من المسلمين للاستفادة بقوة من التجربة الإنسانية المعاصرة.

فالدولة الإسلامية هنا دولة مدنية، ذات مشروعية شعبية، مكلفة بحماية دين الأمة، كما أن الدولة الوطنية الحديثة، دولة مكلفة بحماية الوطن والدفاع عن مصالحه.

إن محاولة العثماني تأصيل "مدنية الدولة الإسلامية" تصبّ مجدَّدًا في صالح الفكرة القائلة بالتمييز بين الدين والدولة، أو الدين والدنيا، وإبعاد الممارسة السياسية عن الممارسة الدينية المباشرة، للقول في محصلة الأمر: إن الدولة في الإسلام دولة دنيوية قراراتها بشرية. وقد يُعتَبر هذا تطورًا داخل الفكر الحركي الإسلامي الذي خاض صراعًا حادًّا مع العلمانية في الثمانينيات، دفعه إلى الرفض المطلق والكلي للفصل بين الدين والدولة، بل ربما أخرج القائلين به من دائرة الإسلام كليةً، لكننا وجدنا فيما بعد أطروحات متطورة لا تقول بالفصل العلماني، لكن تقول بالتمييز بين الشأنين، وهي مقولة لمحمد عمارة أيضًا وآخرين.

لكن نصر عارف انتقد تلك الكتابات الحديثة في النظام السياسي الإسلامي أو في الفكر السياسي الإسلامي التي تستبطن النموذج المعرفي الغربي في علم السياسة وفي التفكير السياسي، وتحاول أن تنسج على منواله. وهو مع ذلك يُقرُّ بأنه لا يمكن الادعاء بأن هناك نظامًا سياسيًّا إسلاميًّا واحدًا محدد المعالم والخصائص والمكونات، بل هناك منظومة معرفية إسلامية تعالج الشأن السياسي وتحدد له الأسس والمنطلقات والمقومات والمقاصد، وعن هذه المنظومة ومنها تنبثق نظم سياسية عديدة مختلفة المكونات والأشكال والوسائل والصيغ.

وعليه فهو يحاول تقديم أسس نظرية عامة لملامح النظم السياسية الإسلامية، وأهم ملامح هذا النموذج الإسلامي المقترح، أنه يتخذ من المجتمع مركزًا له، بينما يهمش - إلى حد كبير - دور الدولة، بالاستناد إلى أن النموذج النبوي يشهد على أسبقية المجتمع على الدولة في الأهمية والاهتمام، كما أن الجدل الكلامي المبكر الذي أسهم في تكوين الفرق الاعتقادية انطلق - في أساسه - من اختلاف بين تيارين أحدهما يرى أولوية الدولة، وكيف أنها أصل من أصول الدين وواجب عليه تعتمد باقي الواجبات. وثانيهما يرى أنها وسيلة لا أصل، وأن الدين يحتضنه ويعبر عنه المجتمع وليس الدولة، وقد كانت السيادة التاريخية من حيث الأغلبية والنفوذ للتيار الثاني. ثم إن مفهوم السياسة في الإسلام كمنظومة فكرية يجعل معظم الفعل السياسي فعلاً مجتمعيًّا غير قاصر على الدولة أو على أجهزتها السلطوية، فجوهر هذا المفهوم هو الإصلاح أو المصلحة، تأسيسًا على معناه اللغوي.

الفصل الثالث "إشكالات الدولة الإسلامية"، ينصبّ في الأساس على محاولة تحديد معالم الدولة الإسلامية عند القائلين بها، ودراسة علاقة الدين بالدولة والدولة بالدين، بدءًا من التراث السياسي الإسلامي وصولاً إلى حركات الإسلام المعاصر، ليقدّم رؤى نقدية في أطروحة الدولة الإسلامية ويبلور بعض إشكالاتها، بالاستناد إلى قراءة التجربة التاريخية في محاولة لإزالة اللبس الذي وقع فيه القائلون بأطروحة الدولة الإسلامية.

وفي هذا الفصل، يعيدنا د. رضوان السيد إلى ناحية استعراض التجربة التاريخية للدولة الإسلامية بعد زمن النبوة؛ لأن هذا الاستعراض سيُفيدنا مع الإسلاميين بأنْ يضعَ الأمورَ في سياقِها المعتبر لدى المسلمين في أزمنة الخلافة والسلطنة وعلى مدى عدة قرونٍ استقرتْ فيها المفاهيمُ والآليات، مفاهيمُ علاقة الدين بالدولة، والآليات التطبيقية للنصوص وللاجتهادات وللأفهام. يبدأ السيد من تعريف الإمامة لدى الماوردي وغيره بأنها "موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا"، وهو تعريف محشوّ بالإيديولوجيات، وبصراعات العقائد والمذاهب والسياسات حتى أيامه. وبالرغم من أن الماوردي يَعتبر منصب الإمامة أو السلطة الإسلامية يستند إلى "الوضع" وليس النص؛ ما يعني أنها منصب مدني "وضع" بإجماع الصحابة، إلا أنه باعتباره الإمامة أداة أو وسيلة أو سلطة لحراسة الدين – بالإضافة إلى الوظيفة المتعارف عليها للسلطة – يكون قد أعطى الخلافة صلاحيات وطابعًا دينيًّا؛ فهي إمامة وخلافة "عن النبوة"، وهي تقوم بالإضافة إلى سياسة الدنيا (وهي المهمة المتعارف عليها لأي سلطة)، بمهمة دينية كبرى هي حراسة الدين. وحين ذكر الماوردي وأبو يعلى الحنبلي المؤسسات الفرعية التي تشرف عليها الخلافة؛ كان من بينها ولايات دينية بحتة: الولاية على إمامة الصلوات، والولاية على الحج، وولاية الصدقات، وأحكام الحسبة، وولاية النقابة على الأنساب.

Pages