يأتي هذا الكتاب (مأزق الدولة بين الإسلاميين والليبراليين) الذي أعده وحرره الكاتب والباحث د.
You are here
قراءة كتاب مأزق الدولة بين الإسلاميين والليبراليين
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
الفصل الأول: الدولة .. معضلة المفهوم والتطبيق
الصراع على الدولة
حول شخصنة الدولة
امتناع تنميط الدولة
الصراع على الدولة
د. برهان غليون
أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون
- 1 -
وصل النقاش الدائر في العالم العربي بين الاسلاميين والعلمانيين حول الدولة - منذ أكثر من ثلاثة عقود - إلى طريق مسدود، أولاً بسبب غموض مفهوم الدولة ذاته أو تشوشه في الوعي العربي العام، وعند معظم الأطراف، وثانيًا بسبب السياق التاريخي الخاص الذي تعيشه المجتمعات العربية والذي يتميز من جهةٍ بفساد الدولة كمؤسسة عامة وجامعة، ومن جهة ثانية بالتناقض المتزايد بين أغلبية ثقافية تنظر إلى الدولة كتعبير عن هويتها المضيّعة، أو المهددة بالضياع، وأقلية ثقافية تحتكر وسائل السلطة العامة، المادية والسياسية معا1. والنتيجة اتجاه متزايد عندنا لتصنيم مفهوم الدولة، وتحويلها إلى أسطورة مقدسة، كما يزداد التمركز حول موضوعها ووسائل السيطرة عليها كما لو كانت خشبة الخلاص الوحيدة لمجتمع فقد سيطرته على أوضاعه ومقاليد أموره.
وهكذا يكمل الاستلاب الفكريّ الاستلابَ العملي المقيم والمستفحل لها، فهي بالنسبة للاسلاميين طريق الخروج من التيه الذي دام لأكثر من قرنين، تيه الحداثة وما بعدها، ورمز المصالحة بين الدين والدنيا، العبد وربه، وإطار إعادة تحقيق العهد الذي ربط - ولا يزال - المؤمنين بإلههم ومصدر خلاصهم، ومن وراء ذلك إشارة الانطلاق لمسيرة استعادة أمجاد الامة الاسلامية بما تعنيه من وحدة وقوة، كما توحي بها أو ترجع صداها صورة الخلافة الاسلامية التاريخية التي امتد نفوذها من الصين إلى قلب أوروبا. وهي بالنسبة لقطاعات واسعة من الرأي العام العربي والاسلامي الذي تَشَرب قسطًا من الثقافة السياسية الحديثة، بمعانيها القانونية والوطنية، البديلُ الوحيد عن استفحال النزاعات الطائفية والمذهبية والعشائرية والإتنية.
وبينما يرى المخيال الإسلامي المعاصر في الدولة المنشودة مثال العدالة والسيادة والاتساق الأخلاقي والفكري، بمقدار ما تشير إلى إحلال دولة العدل الإلهي محل دولة الظلم المدنية أو العلمانية أو الوضعية ( وهي في نظر معظم أتباعه بمعنى واحد) التابعة أو الخاضعة للهيمنة الاستعمارية، ينظر المخيال العلماني أكثر فأكثر إلى الدولة بوصفها رديفا للنظام والأمن مقابل الفوضى وانتشار العنف والفساد والمحسوبية. وبالنسبة للطرفين، يشكل الصراع على الدولة رهانا أولا، ليس لِمَا تقدمه السيطرة عليها من إمكانات ووسائل لتحقيق الغايات المثلى: التوافق مع الايمان والمطالب الإلهية عند البعض، وضمان النظام بما يعنيه من حكم القانون واحترام الحريات والحقوق المدنية والسياسية عند البعض الآخر، وإنما أكثر من ذلك وقبل ذلك، للتعويض عن نقائص مجتمع يفتقر في ذاته، أو يبدو وكأنه يفتقر لأسس التضامن والوحدة والنظام والتفاهم والغايات المشتركة.
هكذا أصبحت الدولة محور التفكير والصراع معا في عالم العرب الراهن. وكل النقاشات والصراعات الأخرى مرتبطة بصورة أو أخرى بالصراع على الدولة، سواء على مستوى تحديد المفهوم والمضمون، أم على مستوى التحكم بأجهزة القوة والقهر، أو بعبارة أخرى، حيازة الحق في احتكار العنف الذي يكاد مفهومه يتطابق اليوم، في الدولة القائمة، إلى حد كبير مع مفهومها.
يعكس هذا الصراع نفسه الطلب الاجتماعي المتزايد على الدولة، ليس من حيث هي جهاز عنف وقهر وإخضاع، وإنما بالعكس من حيث هي نظام، وقانون، وسلطة عمومية، أي مؤسسة لمصالح عامة وطنية مقابل المصالح الخصوصية، قانونية ومساواتية، ومن حيث هي مركز إنضاج رؤى وتطبيق قرارات وخطط ضامنة لوحدة الجماعة ومستقبلها معًا. بيد أن الصراع الراهن على الدولة يعكس هنا مشكلة أكبر من الدولة نفسها، هي انحلال نظم المجتمعات العربية لحقبة ما بعد الاستعمار، أي النظم القومية أو الوطنية بشعاراتها وأفكارها وقيمها وأهدافها وغاياتها وسياساتها ومناهج عملها وتسييرها. فالمجتمعات التي لا تستطيع أن تتماسك من دون الدولة وخارجها هي مجتمعات مفككة بالأصل، ولا تنجح الدولة غالبا في توحيدها، اللهم إلا إذا كان معنى الدولة فرض النظام بالقهر والقوة. فالأصل أن الدولة بوصفها القوة الناظمة للمجتمع الكلي، أي المنتجة لاجتماع سياسي يشمل جميع الأفراد المستقرين على الرقعة الجغرافية التي تبسط سيادتها عليها، هي من إفراز الأمة أو الجماعة، والتعبير المكثف عن وحدتها الفكرية والأخلاقية والاجتماعية العميقة. فهي تنبثق من المجتمع بمقدار ما تتبلور داخل هذا المجتمع شروط بروز سلطة مركزية واحدة وموحدة معا، ولا تفرض عليها من الخارج. والدولة تلخص - في مبادئ التنظيم التي تستند إليها - المشترك بين أفراد المجتمع الذي تهيمن عليه. وما لم ينجح هذا المجتمع في التوصل إلى حد أدنى من الإجماع، أي من وحدة الفكر والهدف والغاية والمعايير الأخلاقية، لن يكون بإمكان الدولة الحديثة، بوصفها دولة المجتمع أو الدولة الأمة التي تعكس إرادة المجتمع وتجسدها، أن تقوم، وستتحول أي سيطرة مركزية إلى سيطرة آلية، أي إلى سلطة قهرية مفروضة بقوة الإرادة والسطوة والعنف الذي تتمتع به النخبة الحاكمة، التي كثيرا ما تتحول، لهذا السبب نفسه، إلى نخبة عسكرية أو - كما هو سائد الآن في معظم الدول العربية- إلى نخبة أمنية (أي مرتبطة بأجهزة الامن السرية وشبه السرية والعلنية أو التابعة لها) بامتياز.
والسؤال الذي يُطرح عندئذ: كيف يمكن أن تنشأ دول لا تكون المجتمعات فيها قد حققت الحد الأدنى من الإجماع حول المبادئ والقيم والغايات؟ الجواب هو أن تاريخ الدول ليس من النمط الخطي الذي يقدم لنا نماذج متماثلة وسيرورات منمذجة للدول. فمقابل صنف الدول التي تنبثق من نضج الشروط الذاتية لتكوين مجتمعات سياسية، أي أمم بالمعنى الحديث، والنضج لا يعني غياب النزاع والعنف وإنما بالعكس أخذ عِبَره والسعي إلى تجاوزه، هناك صنف آخر من دول، ربما كانت الأكثر عددا، تنشأ من دون وصول هذه الشروط إلى مرحلة النضج، إما بفعل الاقتداء وتَمَثل النماذج السياسية الجديدة من قِبَل نخب طَموحة وحيّة، أو بفعل الإكراه من قبل دول ومجتمعات أخرى، كما كان الحال مع الدول التي نشأت بعد انحسار السلطة الاستعمارية. وفي هذه الحالة لا تمثل الدولة خلاصة حياة المجتمع الأخلاقية والسياسية أو نضجهما الدافع إلى تعميق التجربة المشتركة والحياة العامة بتعزيز قاعدتها أو بُعدها القانوني السياسي، وإنما أداة في يد النخب التي استقرت مقاليد الامور في يديها لبناء المجتمعات السياسية أو إعادة بنائها. وحسب طبيعة هذه النخب واختياراتها يمكن أن ينتج عن هذه العملية نماذج متفاوتة ومتباينة للدولة لا تماثل بالضرورة النموذج الأصلي ولا تقوم بوظائفه ولا تخدم الغايات ذاتها. بل إن منها من لا ينجح حتى في إنتاج مجتمع سياسي ويستمر بفعل العطالة وسيطرة عصبية قبلية أو طائفية، ومنها ما ينحل نهائيًّا ويزول، ومنها من يدخل في تجرية من الصراع والعنف، ولو في سياق وجود الدولة وليس قبل ظهورها، تقوده إلى النضج، أي إلى العثور على قواسم مشتركة تسمح للجميع بالعيش معا. مما يعني في الواقع أن كل دولة كاملة، أي تجسد إرادة مجتمعها، وبالتالي تكون دولة أمة، هي ثمرة معاناة أصلية متميزة، وربما حروب أهلية دامية.
الدولة هي التعبير عن نجاح المجتمع في الوصول إلى توافقات وبناء مؤسسات تعكس تجاوز تجربة العنف وتضمن استمرار السلام ومن ثم الاستقرار والتعايش المديد بين السكان. وهذا التعايش المديد في مناخ السلام الأهلي والاستقرار هو الذي يسمح بنمو المشترك الثقافي والسياسي والاجتماعي بين الأفراد، ويحول إجماع الحد الأدنى إلى إجماع أعلى، ويضمن للمجتمع والدولة التناغم والانسجام وطول البقاء والاستقرار. فكل دولة هي مشروع بناء أمة أو مجتمع متفاهم مع نفسه ومع السلطة المركزية التي يخضع لها طواعية وتقوم بمهام تنظيم شؤونه وإدارة مصالحه.


