You are here

قراءة كتاب أثر المتغيرات الآسيوية على الوطن العربي (دراسة في العلاقات الإسرائيلية الآسيوية)

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
أثر المتغيرات الآسيوية على الوطن العربي (دراسة في العلاقات الإسرائيلية الآسيوية)

أثر المتغيرات الآسيوية على الوطن العربي (دراسة في العلاقات الإسرائيلية الآسيوية)

كتاب "أثر المتغيرات الآسيوية على الوطن العربي (دراسة في العلاقات الإسرائيلية الآسيوية)" ، تأليف أ.د.

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 2

المطلب الأول :تحديات الأمم الصاعدة

تجابه الأمم الصاعدة – ومنها جمهورية الصين الشعبية والهند- حزمة من التحديات لإثبات الذات ,ففي شهر أغسطس من العام 2008م مثلاً كانت الهند مستعدة لتحدي الولايات المتحدة بصورة مباشرة في محادثات الدوحة التجارية, وهاجمت روسيا جورجيا واحتلت أجزاءً منها, واستضافت جمهورية الصين الشعبية الألعاب الأولمبية الأكثر إدهاشاً وبذخاً في التاريخ(كلّفت 40 مليار دولار),في حين أن هذه الدول الثلاث قبل عقد واحد فقط,لم تكن تملك ما يكفي من القوة أو الثقة بالنفس للتصرف بالطريقة التي تصرّفت بها حينذاك,لذا فإن هذه الدول لن تتخلى بسهولة وهدوء عن أدوارها الجديدة في النظام العالمي([45]).

نحن نعيش اليوم عصر التحول الكبير الثالث للقوة في العصر الحديث,ويمكننا تسمية هذا التحول بنهوض البقية.انظر حولك ..إن أطول مبنى في العالم يقع اليوم في تايبيه([46]) ,ثم تغلب عليه برج خليفة بدبي , وأغنى رجل في العالم مكسيكي , وأكبر الشركات في العالم من حيث المبيعات صينية, والطائرة الأضخم في العالم تصنع اليوم في روسيا وأوكرانيا, والمصفاة الأكبر في العالم يجري إنشاؤها في الهند, والمصانع التي تحتل المراتب الأولى في لائحة المصانع الكبرى توجد كلها في جمهورية الصين الشعبية,كما أن الرموز الأمريكية الشهيرة أصبحت ملكاً للأجانب الآن, وأضخم عجلة ترفيهية في العالم تقع في سنغافورة , والكازينو الأول في العالم ليس في لاس فيغاس وإنما في ماكاو, وصناعة السينما الأكبر في العالم – في ما يتعلق بعدد الأفلام المنتجة وعدد البطاقات المباعة – هي في بوليوود وليس في هوليوود,ومن بين مراكز التسوق العشرة الأولى في العالم,ثمة مركز واحد فقط في الولايات المتحدة, وأكبرها يقع في بكين.هذه اللوائح عشوائية لكن المذهل في الأمر هو أنه قبل عشر سنوات فقط كانت أمريكا تشغل المركز الأول في الكثير منها,إن لم تكن في معظمها([47]).

ويرتبط الحراك الحالي في مراكز القوى بواقع جديد يصعد فيه الاقتصاد الآسيوي إلى درجة لم يعرف لها التاريخ نظيرا في السرعة أو المدى, ويمكن إدراك حجم وسرعة ما حققته آسيا من إنجاز من خلال قراءة كتاب جونار مردال عالم الاقتصاد السويدي والحائز على جائزة نوبل والذي يحمل عنوان "الدراما الآسيوية..بحثًا عن فقر الأمم" الصادر عام 1968. يتحسر مردال في كتابه على تهاوي آسيا نتيجة الفقر والضغط السكاني وصعوبة استغلال الموارد([48]), لكن صار بإمكاننا اليوم القول, بأن قصة الفقر المتوطن في آسيا قد تحولت إلى قصة ازدهار تعم أرجاء القارة الآسيوية التي تتميز بأنها مهدٌ للحضارات ووطن لاستقرار معظم شعوب العالم، تعود اليوم للازدهار بعد فترة قصيرة من التدهور تسبب فيها الاستعمار الأوروبي على مدى قرنين من الزمن. فبحسب دراسة لبنك التنمية الآسيوي كانت حصة آسيا في الاقتصاد العالمي تناهز 60 % عام 1820، وذلك قبيل الثورة الصناعية. غير أن آسيا سقطت في تدهور حاد على مدى الـ 125سنة التالية. وهاهي اليوم تحقق ما نسبته 40 % من الناتج العالمي، وقد ترتفع تلك الحصة بحسب بعض التقديرات إلى 60 % عام 2050، وذلك حين تتقـدم ثلاث دول آسيوية لتتصدر قائـمة الدول الأربع الأكبر في الاقتصاد العالمي(جمهورية الصين الشعبيةوالهند والولايات المتحدة واليابان).

ولعل في هذا إشارة إلى قرب استعادة آسيا ريادتها التي تمتعت بها على مدى ألفي سنة سبقت الثورة الصناعية، تلك الثورة التي كانت سببا في أن يتقدم الغرب المسيرة. وعلى نحو ما يسجل المؤرخ البريطاني (أنجوس مديسون) فإن جمهورية الصين الشعبيةوالهند كانتا أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم خلال الفترة من العام الميلادي الأول وحتى عام 1820 بحسب دراسة كيشور محبوباني والتي تحمل عنوان "نصف الكرة الآسيوي الجديد"([49])كما يمكن وصف القرنين الماضيين من السيطرة الغربية على تاريخ العالم بأنهما حدث استثنائي خلال ألفي سنة, ويذهب محبوباني إلى أن "زمن سيادة الغرب على العالم قد ولى" وذلك رغم أن الغرب "لا يريد الاعتراف بذلك وليست لديه النية للمشاركة في بناء نظام عالمي بديل.. وما هذا في الواقع إلا إرهاصات لكارثة وشيكة".

في كتابه (أحاديث في آسيا) قال الأستاذ محمد حسنين هيكل: قبل زيارتي للصين قال لي وزير الصحة المصري د.محمود محفوظ :إنك سوف تجد مجتمع الفضيلة.. لا أحد يكذب ..لا أحد يسرق .. لا أحد يتواكل) , ويقول لي سياسي عربي آخر: إنك سوف ترى مجتمع النمل([50]) , ولابد للثعلب أن يبحث عن مطامع في بيت النمل, ولذا فإن إسرائيل وعلاقاتها مع جمهورية الصين الشعبيةيشير إليها نائب رئيس مركز الأبحاث اليهودية في أكاديمية هيلوجيانج للعلوم الاجتماعية لي شو كسياو بقوله: إنّ اليهود قدموا إلى جمهورية الصين الشعبيةمنذ عام 1899 على الأرجح، وذلك وفق ثلاث موجات أو مراحل من الهجرات حيث كانت الموجة الثانية من المهاجرين عام 1917 إثر الثورة البلشفية في روسيا، أما الموجة الثالثة بعد ذلك بـ12 عاماً إثر نزاع صيني روسي على الحدود فيما قدّر عدد اليهود آنذاك بـ20 ألف يهودي([51]), وفي الخمسينيات في القرن العشرين كانت جمهورية الصين الشعبيةبعيدة وغامضة في الشؤون الخارجية الإسرائيلية، واختلفت الأحزاب الإسرائيلية بشأن إقامة علاقات مع جمهورية الصين الشعبيةوالاعتراف بها عند قيامها في 1948م، وكانت الأحزاب اليسارية الإسرائيلية من أقوى الأحزاب المؤيدة للاعتراف بجمهورية الصين الشعبية، ولم تكن هناك معارضة ملحوظة من جانب الأحزاب الإسرائيلية لهذا الاعتراف سوى حزب "حيروت" اليميني الذي كان يحذر من أخطار "الطريق إلى بكين".

ثم بدأت في عقد السبعينيات بوادر تحول سريع في سياسة جمهورية الصين الشعبيةالخارجية تجاه الصراع العربي – الإسرائيلي، وبدأت بكين تبحث عن مصالحها الوطنية، وتخلت عن عدائها لإسرائيل واتخذت مواقف "معتدلة" وانتهجت سياسة "مرنة" إزاء العديد من المشكلات الدولية بصفة عامة والصراع العربي- الإسرائيلي بصفة خاصة. ويمكن رد هذا التحول إلى الأسباب التالية:

* زيادة التفاهم الصيني - الأمريكي، وخاصة بعد زيارة الرئيس الأمريكي للصين في عام 1972م، ولذلك خفّت حدّة العامل الأمريكي ولم يَعُد عقبة كبرى أمام "الدولتين" في إقامة علاقات دبلوماسية.

* بعد وفاة الزعيم الصيني "ماو تسي تونغ" في عام 1976م بدأت السياسة الصينية تميل نحو تطوير العلاقات الصينية - الإسرائيلية، كما أثّرت سياسة الإصلاح الاقتصادي والسياسي والانفتاح على العالم الخارجي التي بدأتها الصين في أواخر 1978م.

* تفاقم شدة الخلاف بين أكبر دولتين شيوعيتين في العالم: الاتحاد السوفييتي السابق وجمهورية الصين الشعبية ،التي كان من مصلحتها كبح توغل موسكو في شرق آسيا، ونظراً لأن إسرائيل تقف في وجه التوغل السوفييتي في الشرق الأوسط، فإن جمهورية الصين الشعبيةوجدت نفسها تقف إلى جانب إسرائيل([52]).

ذهبت جمهورية الصين الشعبية نحو التسريع في تنفيذ برنامج اقتصادي بقصد إعادة هيكلة الاقتصاد الصيني لجهة التخفيف من دور الدولة الاقتصادي,وتصعيد الانفتاح على العالم الخارجي بغية استقطاب التكنولوجيا والاستثمارات,ترافق ذلك مع تحولات سياسية تبتعد عن الطروحات الأيديولوجية ودور الحزب وحدود سلطانه([53])ثم ذهبت إلى تبني سياسة الشراكة مع الولايات المتحدة’وهي السياسة التي رحبت بها الأخيرة دون التخلي عن مفهوم القيادة الأمريكية لهذه الشراكة تحقيقاً لمقاصد عدّة أهمها:

(1) تشجيع الصين على زيادة حجم التبادل التجاري معها.

(2) عدم السماح للصين من ممارسة هيمنة إقليمية على جوارها الإقليمي.

(3) استخدام أو توظيف دور الهند وتايوان واليابان في تطويق أي دور صيني يخرج بها عن بيت الطاعة وخاصة في إقليم جنوب شرق آسيا([54]).

اهتمت القيادة الصينية بالتقنيات الإسرائيلية لأنها كانت غارقة في إنشاء بنيتهاالتحتية فقامت باستيراد التقنيات المتطورة على الصعيدين المدني والعسكري[55]، وفي عام 1979 نجح ايزبزغ في عقد لقاء بين رؤساء الصناعات الأمنية الإسرائيلية والقيادةالأمنية الصينية وبذلك فُتح الباب أمام عقد عدد من صفقات الأسلحة الكبرى، فقد ساهم هذا التعاون العسكري المشترك في خدمة الدولتين كثيراً عدا عن كونه أفرز نظام علاقات جيدة وأوجد كثيراً من الثقة أدت إلى استمرار العلاقات.

Pages