كتاب "أثر المتغيرات الآسيوية على الوطن العربي (دراسة في العلاقات الإسرائيلية الآسيوية)" ، تأليف أ.د.
You are here
قراءة كتاب أثر المتغيرات الآسيوية على الوطن العربي (دراسة في العلاقات الإسرائيلية الآسيوية)
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

أثر المتغيرات الآسيوية على الوطن العربي (دراسة في العلاقات الإسرائيلية الآسيوية)
المطلب الثاني :الصراع العربي الإسرائيليفي المشهد الآسيوي
كان الصراع العربي الإسرائيلي حاضراً في العلاقات الصينية الإسرائيلية ومن ذلك أن جمهورية الصين الشعبية ليّنت من تصريحاتها حيال النزاع الإسرائيلي العربي إلا أنها لم تغير موقفها المؤيد للعرب، كما لم تتجه إلى التدخل في العملية السياسية مع أن إسرائيل في المقابل تبنت الموقف الصيني حيال مسألتي تايوان والتبت، وبصورة مماثلة وعلى الصعيد التكنولوجي كانت جمهورية الصين الشعبية هي التي حظيت بشكل أساسي باستيعاب التقنيات والمعارف العلمية أما في المجال الاقتصادي فلم يكن هناك سوى تقدم ضئيل,وفي بداية التسعينيات طرأ تغير على أنماط التجارةالأمنية بين إسرائيل والصين ففي أعقاب انهيار الكتلة السوفييتية والمجزرة التي نفذها الجيش الصيني في ميدان تيان مين (1989م)، سادت خلالها علاقات باردة بين واشنطن وبكين حيث فرضت الولايات المتحدة حظراً عسكرياً على جمهورية الصين الشعبية، في غضون ذلك تواصل التدهور في العلاقات بين واشنطن وبكين ووصلت ذروتها جراء وقوع حادثة عسكرية بينهما حول تايوان (1995- 1996)م، ولهذا السبب انخفض حجم الطلب الصيني للمنتجات الإسرائيلية وتزايدت معارضة الولايات المتحدة للتصدير الأمني الإسرائيلي إلى جمهورية الصين الشعبية، وعلى ما يبدو فإن هذه التغيرات لا سيما التغير الأمريكي حيال العلاقات الأمنية مع جمهورية الصين الشعبية لم تلقَ تفهماً من جانب صانعي القرار في إسرائيل، وفي عام 1999م وبعدما كشفت الصحف الإسرائيلية النقاب عن معطيات لها علاقة بصفقة طائرات "فالكون" بدأت الولايات المتحدة تعرب عن معارضتها لإتمام الصفقة رغم ادعاء إسرائيل أن الولايات المتحدة كانت على علم بل صادقت عليها مسبقاً([56]).
اهتمت إسرائيل أكثر بالعلاقات مع جمهورية الصين الشعبية وعقدت جلسات أمّها الباحثون الإسرائيليون الإستراتيجيون ومن ذلك ما حدث في مؤتمر هرتسيلياالتاسع المنعقد في فبراير 2009،- أشرنا له في المقدمة- والذي أفضى إلى حزمة توصيات محددة تختص بتفعيل العلاقات الإسرائيلية مع جمهورية الصين الشعبية، التي وصفوها بأنها يجب أن تكون "الحليف الإستراتيجي الجديد"،وأكدوا أن على إسرائيل أن تدفع قدما في هذا الطريق بناءً على قراءة التغيرات المقبلة على الساحة العالمية. هذه التوصيات تعيد للأذهان حقيقة أنه حتى قبل أن تنشأ إسرائيل على أرض فلسطين في عام 1948، كان اليهود يبحثون عن الحليف الأقوى الذي يضمن مصالحهم.ويتجلى الاعتراف الغربي بالصين في قول (كوف دي موريل)رئيس وزراء فرنسا على عهد شارل ديجول:إذا كان العالم فيه الآن خمس من القوى الأعظم هي الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وجمهورية الصين الشعبية واليابان وأوروبا الغربية,فلا بد من التذكر بأن أربعاً من هذه القوى الأعظم تطل على المحيط الهادئ ويواجه بعضها بعضاً على ناحيتيه وفوق شواطئه, وهذه القوى الأربع الأعظم عمالقة في القوة الاقتصادية وفي التأثير والنفوذ السياسي.ثلاث منها الآن بالفعل قوية ونووية هي الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وجمهورية الصين الشعبية([57]).
إنّ الأولوية لفترة ما بعد الحرب الباردة سوف تتركز عند المتغير الاقتصادي الذي سيشكل جوهر العلاقات الدولية وأساس التكوين البنيوي للنظام الدولي([58]),لذا فقد كان للقوة الاقتصادية الكبيرة التي تتمتع بها جمهورية الصين الشعبية في الوقت الراهن في ظل تراجع أغلب الدول الكبرى في هذا المسار ,تأثير كبير في هذا التداعي الدولي للأحداث,للدرجة التي استنطقت أساطين الاقتصاد الأمريكي ومنهم هارالد مالمجرين المستشار الاقتصادي في العاصمةالأمريكية واشنطن الذي يقول :إنّ البنك المركزي الصيني أصبح الممول الأول لعجز الموازنة الأمريكية من خلال إقراض أمريكا أكثر من مليار دولار يوميا في صورة مشتريات من أذون الخزانة الأمريكية التي تصدرها وزارة الخزانة في واشنطن لتمويل العجز المتزايد في الموازنة، وبدون هذه القروض اليومية من جمهورية الصين الشعبية للخزانةالأمريكية سترتفع أسعار الفائدة الأمريكية إلى مستويات عالية، وإذا ارتفع سعر الفائدة في الولايات المتحدة سترتفع تكاليف الاقتراض العقاري وسترتفع تكاليف السكن لكل الأمريكيين, في الوقت نفسه ستجد الشركات الأمريكية صعوبة في تمويل خططهاالاستثمارية في ظل أسعار الفائدة المرتفعة. ويقول كلايد بريستوفيتز رئيس معهد الاستراتيجيات الاقتصادية في واشنطن إن القضية كبيرة جدا ومعقدة (ونحن نعيش الآن اعتمادا على الحبل السري الذي يربط أمريكا بالبنك المركزي الصيني) الذي يضخ يوميا في الاقتصاد الأمريكي أكثر من مليار دولار([59]),وتمتلك جمهورية الصين الشعبية800 بليون دولار في بنكها المركزي تستطيع منعها عن الخزانة الأمريكية إذا قررت واشنطن مساندة تايوان في نيل استقلالها,خاصة وأن جمهورية الصين الشعبيةترفض الخضوع إلى صندوق النقد الدولي الذي يعمل واجهة للخزانة الأمريكية([60]).
ولعل من التحديات الجسيمة التي تواجهها الولايات المتحدة , ومن ثم إسرائيل –مستقبلاً- التطور الصيني الإلكتروني لاسيما وأن هذا الأمر أصبح مهدداً للمصالح الغربية برمتها,وعلى سبيل المثال فإن شركة "ماكافى" وهي من كبري شركات الحماية ضد فيروسات الكمبيوتر أجرت دراسة مؤخراً حول الجرائم البصرية بعنوان "الجريمة الالكترونية .. الموجة القادمة" تحدثت فيها إلى متخصصين أمنيين في مكتب التحقيقات الفيدرالي "اف.بى.أى" وحلف الناتو وآخرين.وبعد أن رأت في هذه الهجمات تحدياً لها ولأنظمة الحماية التي تبيعها للمستهلكين,قال جيمس مالفينون الخبير في شئون الجيش الصيني ومدير مركز المخابرات والبحث في واشنطن:إن الصينيين كانوا أول من استخدم الهجمات الاليكترونية لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية.وقد أصدر مركز سياسة الأمن Center for Security Policy في ورقة بحثية عن الحروب الالكترونية بعنوان "حرب المعلومات .. الأداة الناشئة والمفضلة لدى جمهورية الصين الشعبية" للدكتور ويليام بيري أستاذ أنظمة المعلومات الالكترونية بجامعة ويست كارولاينا استعرضت واقع ومستقبل الحرب الالكترونية التي يشهرها جنود من نوع خاص ليسوا مدججين بالسلاح بل بالعقول .. هم عباقرة الكمبيوتر. الورقة قدمت في البداية خلفية عن جذور فكرة الحرب الالكترونية التي ترجع إلى عام 1991 حين شل سلاح الجو الأمريكي -في حرب الخليج الثانية- قدرات الأنظمة الدفاعية العراقية ودمر بنيته الاتصالية التحتية مما أثار قلقا واسعا لدي بكين دفعها للبحث عن طرق مبتكرة لمقاومة الهيمنة الأمريكية على آسيا. ووجدت جمهورية الصين الشعبية ضالتها في اعتماد الولايات المتحدة على تكنولوجيا المعلومات والأقمار الصناعية فإذا تم تدمير أنظمتها الاليكترونية فسوف تتمكن من الفوز بالحرب التكنولوجية.تعمل جمهورية الصين الشعبية حاليا على تطوير وتحسين قدراتها القتالية الالكترونية ووفقاً لتقرير للبنتاجون حول القدرات العسكرية للصين صدر عام 2006، فان الجيش الصيني يحاول ضمان توفر المعدات والخبرات المدنية في الكمبيوتر لتساعده في تدريباته وعملياته، كما يستعين الجيش الصيني بالأكاديميين ومعاهد وشركات تكنولوجيا المعلومات لدمجهم في وحدات دعم للجيش في العمليات العسكرية.
وهناك العديد من الأمثلة على الهجمات الالكترونية الصينية على الولايات المتحدة : 1- في أواخر عام 2006، أغلقت بنوك الكمبيوتر بجامعة الدفاع القومي الأمريكي في هجوم الكتروني واسع النطاق لم يتم الإعلان عنه.
2- في أواخر عام 2006، أغلقت الشبكة الالكترونية لكلية الحرب البحرية تماما بفعل هجوم صيني. أحد التقارير حدد هدف الهجوم في مجموعة الدراسات الاستراتيجية التي كانت وقتها تطور مفاهيم الحرب الالكترونية.
3- في صيف عام 2006، أصيبت أجهزة الكمبيوتر الخاصة بمكتب الصناعة والعلوم بوزارة التجارة بأعطال جعلتها لا تتصل بشبكة الانترنت لمدة شهر كامل. هذا المكتب هو المسؤول عن الصادرات التكنولوجية المتقدمة.
4- في يونيو 2007، تعطّلت أنظمة الاتصال (البريد الالكتروني) بمكتب وزير الدفاع دون أن يسمى البنتاجون مصدر الهجوم وان كانت تقارير إعلامية وجهت أصابع الاتهام إلى جمهورية الصين الشعبية([61]).
ويمكن القول بأن إستراتيجية جمهورية الصين الشعبية للقرن الحادي والعشرين تتركز في مواصلة مسيرة التحديث وإنجاز قضية إعادة التوحيد والحفاظ على السلام العالمي وتعزيز التنمية المشتركة,وهو الأمر الذي ينتج عنه التخفيف من هيمنة الولايات المتحدة,ويمكّن جمهورية الصين الشعبيةمن أداء دور فاعل في الإقليم الآسيوي ولاحقاً العربي والإسلامي([62]).

