كتاب " الحب .. العاطفة المغادرة لكوكبنا " ، تأليف ابراهيم الخليل ، والذي صدر عن دار الجنان للنشر والتوزيع ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
You are here
قراءة كتاب الحب .. العاطفة المغادرة لكوكبنا
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
الحب والقلب
فصّلنا في كتابنا (العقل الغربي) أنّ القلب هو أداة وموضع الفكر والعاطفة معا ، وسنقتطف منه بالقدر الذي يتناسب مع هذا الفصل لبيان أهمية القلب.
وبإثباتنا ، بأوثق مصادر المعرفة ، أنّ مركز العمليات الفكرية في الإنسان ليس الدماغ أو المخ (Brain) الذي نطلق عليه مخطئين لفظ: العقل (Mind) ، و إنّما هو القلب! و ما الدماغ إلاّ مركزا عصبيا لتشغيل كل ما هو مبرمج في الإنسان ، ويعمل مع القلب في تنسيق تام ، مثال ذلك الحركة التي تريدها النفس ، فيبلغ القلب المخ ليصدر أوامره للأعضاء فتتحرك. فليس هناك وجودا فعليّا لما نسميه مجازا بالعقل! و لفظ العقل يعني الفكر والفقه والوعي والضبط والسيطرة ، من أجل جلب المنفعة و تحقيق العدل.
لفظ التعقل ورد في القرآن 49 مرة ، كفعل وليس كإسم علم ؛ إذ لا وجود فعلي للعقل، والموجود هو الفعل المتمثل في الفهم والإدراك والتعقل ، وهو ما يقوم بمهامه القلب.
ويجلي لنا الشيخ سعيد حوّى الخطأ في فهم النّاس لكلمة القلب التي ترد كثيرا في الكتاب والسنة فيبيّن: إنّ هناك قلبا محسوسا لكل الناس يشترك فيه الإنسان مع كثير من المخلوقات هو القلب الدموي ، هذا القلب الذي له وظيفة المضخة الدموية وهو مركز لقلب آخر هو مركز الأحاسيس الوجدانية ، من حب و بغض وحقد وسماحة وخوف وأمن ، وهذه القضايا كذلك محسوسة لكلّ النّاس، إذ كل النّاس يحسون بشئ من هذه المعاني في قلوبهم. هذا القلب الثاني هو محل الإيمان الذوقي، وهو محل الكفر والنفاق كذلك ، وههنا نجد أمورا محسّة عند بعض النّاس و غير محسّة عند آخرين ، فأهل الإيمان _ مثلا _ يحسّون بمعان كثيرة في قلوبهم ، لا يحس بها الكافرون لأنّ هذا الجانب في قلوبهم ميّت ، و هذا القلب المرتبط بالقلب الدموي ليس هو عين القلب الدموي ، بدليل أنّ الذين أجريت لهم عمليات نقل قلب آخر ، لم تتغير أحاسيسهم.[ثبت أنّ بعضهم تغيّرت أحاسيسهم ] .
أمّا د. محمد الشرقاوي فيقول عن ورود كلمة القلب في القرآن: بالرغم من ذكرها في حالات الإفراد والتثنية والجمع أكثر من مائة و ثلاثين مرّة ، إلاّ أنّه لم يقصد بها مطلقا الدلالة على القلب بمعناه التشريحي الطبي ، ولكن قصد بها التعبير عن جهاز إدراكي معرفي بالغ التعقيد له وظائف متشعبة ومتعددة ومتداخلة إلى حد بعيد جدا ، كما أنّ له خصائص قد انفرد بها ولم يشاركه فيها أي من الملكات الأخرى ، وأسند إليه وظيفتي: الإدراك والمعرفة والعلم ثمّ الإيمان وما يتصل به من عاطفة و وجدان و إرادة (تأملات حول وسائل الإدراك في القرآن الكريم _ص 43_ عالم الكتب ، الرياض).
وفي التفريق بين القلب الدموي والقلب الآخر يقول صاحب حاشية الجمل على تفسير الجلالين: وحيث أطلق القلب في لسان الشرع فليس المراد به الجسم الصنوبري الشكل فإنّه للبهائم و الأموات ، بل المراد به معنى آخر يسمى القلب أيضا ، وهو جسم لطيف قائم بالقلب اللحماني قيام العرض بمحلّه أو قيام الحرارة بالفحم ، وهذا القلب هو الذي يحصل منه الإدراك وترتسم فيه العلوم والمعارف.
هذا القلب ، الذي تسكن فيه النفس ، في المصطلح الشرعي يمرض و يموت ويعمى ويصم. و هذا القلب في المصطلح الشرعي مقره الصدرلا كما توهّم بعضهم مجازا ، من أنّ مقرّه الدماغ ،قال تعالى: فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور الحج: 46.فحدد مكانها في الصدور ، وهذا يكفينا يقينا إلى أن يمدنا الكشف العلمي بالتفاصيل. وما نرجحه أنّ القلب والأعصاب الملحقة به هي التي تفكر وتعقل كما سنفصّل لاحقا ؛ إذ ليس في الصدر غيره !
وبهذا التصحيح الخطير الذي يزلزل كل تاريخ الفلسفة والفكر والعلم ، نحتاج إلى تعريف جديد للإنسان في عصر العولمة ! فما عاد دقيقا أن نعرّف الإنسان بأنّه حيوان ناطق أو عاقل أو مفكر؛ ذلك لأن القلب مزج الفكر و التدبّر و التأمّل بالأحاسيس والمشاعر و العواطف . و أفرز منتجا جديدا نكهته الوجدان و مزاجه الإلهام والفراسة والذوق الصوفي. ويخضع هذا المنتج _ كسائر المنتجات _ إلى نظام تشغيل متفرد وبيئة إنتاج خاصة به. والسمة العامة للمنتج الجديدالمجاز للتسويق هي الإيمان مع تفاوت في درجات الجودة من إخبات وإنابة وتقوى و ورع و تواضع ولين. أمّا المنتج الرديء المرفوض الخاسر سمته الكفر مع تفاوت في مراحل الجحود والقسوة و التكبر والغفلة والجهل وإن كان ليس بعد الكفر ذنب.
و بذلك تسقط كلّ مقولات العقل المحض و الفكر الخالص و أصبحت الفلسفة كلّها تاريخا للسفسطة إلاّ ما انضبط بمعايير الإنتاج الجديدة وتطابق معها ! كما يسقط كل ما كتب عن الحب بوصفه عاطفة حسيّة خالصة مجردة من الفكر ، أو فكرا خالصامجرّدا من العاطفة.
( فالعقل ) ، بمعنى أداة و موضع الفكر، إنّما هو لفظ مجازي إخترعناه و لا وجود له في الحقيقة. فهناك الدماغ وهو تلافيف الأعصاب بالرأس. وهناك عمليات فكرية منفصلة عن الدماغ. فكيف تواضعنا وسلمنا أنّ الدماغ هو موضع التفكير والعمليات العقلية ؟ هذه فبركة وفي أحسن أحوالها فرضية لم يثبتها العلم. كل ما أثبته علم وظائف الأعضاء والتشريح أنّ هناك مناطق في الدماغ تؤثر في حواس الإنسان و أعصابه وحركته ، ويعمل بالتنسيق مع القلب في كل ما هو غير مبرمج. ويسيطر على ماهو مبرمج في جسم الإنسان كالتنفس التلقائي وعمل الغدد الصمّاء. و يمكن أن يستأصل جزء من الدماغ فتتعطل وظائف الجسم المسندة للجزء المستأصل ، لكن لا يموت الإنسان وتستمر عملياته الفكرية. صحيح يموت الإنسان بتوقف جذع المخ عن العمل ولو كان قلبه مازال ينبض: وهو ما يسمى بالحياة العضوية ، وقد تستمر لعدة أيام !
يقول مستشار المخ والأعصاب الدكتور مختار المهدي ، في بحثه :(ميلاد المخ) ، في ندوة الحياة والموت _ المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية _الكويت ، 1985:
(المخ هو السيد في الجسد ، وتعمل جميع الأعضاء في خدمته: يجهّز له الغذاء ويضخ له الأكسوجين عن طريق الدم الذي يضخه القلب فيحصل المخ على الطاقة اللازمة له لأداء وظائفه . وهو في مكان القيادة من الجسد وحيث تسكن الروح).
أمّا القلب ، مقر النفس ، إذا أصيب تتوقف الحياة كلها لأنه هو الذي يمد أعضاء الجسم بالغذاء والطاقة ! وهو المسؤول عن وعي الإنسان وإدراكه.
(راجع فصل {الإنسان} في كتابنا: نهاية الحكمة ، لمزيد من التفصيل).
والشائع عن القلب أنّه تلك المضخّة المركزية في جسم الإنسان لضخ الدم لسائر الأعضاء.
والخطأ الذي وقع فيه التجريبيون ( كما فصّلنا في المرجع السابق ) أن وجدوا تفاعلا لأعصاب المخ عند الفكر والشعور ، لكن تفاعل القلب يسبق تفاعل المخ ، والقلب هو الذي يرسل أوامره لخلايا المخ العصبية بعد تفاعله مع المؤثّرات الخارجية ، ويتبادل مع المخ الرسائل.
ويبينّ الله ، خالق الإنس والجن في القرآن الكريم صفات أهل النار المهيأون لدخولها: و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الإنس ، لهم قلوب لا يفقهون بها ، ولهم أعين لا يبصرون بها ، ولهم ءاذان لا يسمعون بها ، أولئك كالأنعام بل هم أضل ، أولئك هم الغافلون سورة الأعراف: 179 ، الجزء التاسع.
قلوبهم لا تفقه الحق و لا تعقله ، أي أداة الفهم والوعي والفكر _القلب_ عندهم معطلة.
و أعينهم لا تبصر الآيات الدالة على الهدى ، أي تعطلت حاسّة البصر التي تنقل للقلب.


