كتاب " نشوز المرأة اليهودية " ، تأليف هدير الصافورى ، والذي صدر عن مكتبة مدبولي ، ومما جاء في مقدمة الكتاب :
قراءة كتاب نشوز المرأة اليهودية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
القصاص لدى اليهود
القتل أقدم جريمة عرفتها البشرية، فالقتل جُرم وُجد بوجود الإنسان على الأرض؛ لذا شغلت جريمة القتل وعقوبتها الفكر الإنسانى، الأمر الذى ظهر فى تعدد التشريعات المتعلقة بالقتل، وتطور العقوبات المتعلقة بها سواء القصاص أو التعويض (الدية). وقد ميزت شعوب الشرق الأدنى القديم بين نوعين من القتل يستتبعان نوعين من العقوبة، وهما القتل العمد، ويجب فيه قتل القاتل، وإن لم يتسن لأولياء الدم ضبط القاتل نفسه، يحق لهم قتل أقرب الأقربين من القاتل أو أحد أفراد عشيرته([51])، إذ أن الغرض من الثأر هو الإحلال، بمعنى إحلال شخص آخر عوضاً عن القتيل، وإعادة التوازن بين الجماعتين، أما القتل الخطأ فكانت عقوبته أن يؤدى القاتل دية([52])، متمثلة فى الإبل والماشية، وقد كانت قيمة الدية تتحدد بحسب مكانة القتيل([53]).
وأحياناً ما اختلفت العقوبة – فى بعض شرائع الشرق الأدنى القديم – وفقاً لمكانة القتيل إذا ما كان عبدًا أو حرًا. فقانون أشنونا([54]) يحدد نوعين من العقوبة لمرتكبى جرائم القتل وذلك وفقاً للطبقة الاجتماعية التى ينتمى إليها المجنى عليه. فإن كان المجنى عليه عبداً أو أمة فإن عقوبة الجانى هى دفع الدية التى تتمثل فى صورة عبيد وإماء([55]). بينما أقر القانون الخَتِّى(الحثى) الدية فى حالتى القتل العمد والقتل الخطأ، إلا أن هذا النوع من التمييز فى العقوبة – تبعاً لمكانة القتيل – لم يقع فى معظم شرائع الشرق الأدنى القديم ومصر، فكان المبدأ المتبع فى قانون حمورابى([56]) والقانون الأثورى (الآشورى) (من قَتل يُقتل)، بل إن القانون الأثورى قد أعطى لولى الدم السلطة المطلقة للاقتصاص من الجانى دون الرجوع إلى السلطة الحاكمة([57]). وفى القانون المصرى كان الموت عقوبة كل من يقتل عمداً رجلاً، حراً كان أم عبداً. ومعنى هذا أن القانون المصرى القديم كان يعاقب على القتل العمد بقتل القاتل، بغض النظر عن كون القتيل حراً أم عبداً([58]).
وإن اختلفت القوانين المتعلقة بجريمة القتل بين شعوب الشرق الأدنى القديم، فإنها اتفقت فى الحرص على نيل الجانى أو عشيرته عقاباً يراه أقارب المجنى عليه (القتيل) مناسباً.
وبتطور الفكر الإنسانى عُرف القصاص، وقُصرت العقوبة على القاتل فقط، مما أدى إلى تقويض الرغبة فى الانتقام من أقارب القاتل. وتولت السلطة العامة العقاب بغض النظر عن قرابة القتيل([59])، وعليه أصبح القتل جريمة عامة فى المجتمعات المدنية، الأمر الذى أدى إلى وجود إجراءات يجب اتباعها عند وقوع جريمة قتل، حيث يتم اللجوء إلى السلطة العامة، ولا يحق لأقارب القتيل أن يتخذوا أى إجراء مضاد.
ولم يختلف الأمر لدى بنى إسرائيل، حيث اُعتبر القتل جريمة تستلزم عقوبة، فتثأر عشيرة المجنى عليه من عشيرة الجانى، إذ أن الدم المسفوك يصرخ طالباً الانتقام وكان الانتقام يأتى مروعاً لا تحده حدود إذ ورد (فى التكوين 4/15-24) "إن دم القتيل يصرخ فى الأرض منزلاً اللعنات على من قتله، ملتمساً الثأر منه؛ ولذا يُنتقم من القاتل بسبعة أضعاف"([60]). كما اختلفت العقوبة باختلاف نوع القتل، فإذا كان القتل عمداً مع سبق الإصرار والترصد فإن عقوبة الجانى هى القتل، إذ ورد (فى اللاويين 17/24) "من قتل إنساناً يُقتل". وكانت الجهة المنوط بها تنفيذ عقوبة القتل على الجانى تتمثل فى أولياء الدم، أما إذا كان القتل خطأ، ففى هذه الحالة تُوقع عقوبة الطرد أو النفى خارج المدينة التى وقعت فيها الجريمة([61])، ويتمثل هذا المكان فى ست مدن تُعد ملجأ يلوذ به القتلة الذين قتلوا عن غير عمد هرباً من أولياء دم القتيل([62])، وكان على القاتل أن يدفع دية لأهل القتيل قبل ذهابه إلى مدن الملجأ. وكان كبار شيوخ وقضاة بنى إسرائيل هم من يصدرون الحكم القضائى وذلك بناءً على شهادة شاهدين أو أكثر، إذ لا يؤخذ بشهادة شاهد واحد فى هذه القضايا([63]).
وهكذا نجد أن القتل قضية شغلت فكر الإنسان منذ القِدم، وقد اتفقت القوانين على اعتبار القتل جريمة يجب العقاب عليها، للحيلولة دون الإخلال بالنظام وشيوع القتل بين أفراد الجماعة أو بين القبائل، وتحقيقاً للعدالة. وقد بلغ حرص العرب قديماً على الاقتصاص للقتيل، حتى وإن لم يُعرف قاتله، إجراء ما يُعرف بالقَسَامة، حيث يُسمح لأقارب القتيل بأن يطلبوا من أقارب المشتبه فيه مشاركته فى حلف اليمين، ويحدد العرف الأقارب الذين من واجبهم مشاركة المتهم فى قسمه([64]).


