كتاب " الحب والحيرة " ، تأليف د.
You are here
قراءة كتاب الحب والحيرة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
حيرة ودليل
اللهم بك نبدأ، وعليك نتوكل، وبك نستعين، كلمات اعتاد صبيح المؤمن أن يرددها مع نفسه وأحياناً يسمعها الطلاب كلما همَّ بصعود السُلَّم ليلقي محاضراته في الفيزياء على طلاب الكلية الواقعة في الأطراف الشمالية من المدينة، إلا أنه لم يستطع الصعود هذه المرة، ولم يرَ طلابه؛ أُجبر على الخروج من الكلية عنوة لأمر يجهله، لم يسمح له بالمناقشة أو الاعتراض بل وحتى الاستفسار.. لم يدرِ إن كان الخروج عقوبة له أو اشفاقاً عليه، لاسيما أنه اقترب من العقد الخامس وجسمه الضخم لا يساعده على الإجهاد.. إذا قطع مسافة أو تكلم كثيراً أحسَّ السامعون بنفسه يتصعّد، وشعر هو بشيء من الإرهاق... قامته بدينة تميل الى الطول، ساعداه ممتلئتان وكذلك كفّاه، ينحدر أنفه نحو الشفتين بشيء من الطول والاستقامة، حلق شاربيه من أعلى، ولم يبق منهما إلا خيط يحرس الشفتين.. تشرف على الصدغين أذنان طويلتان بارزتان، بشرته بيضاء تميل إلى الحمرة. لسانه عربي وشكله كردي، كان أبوه من أهل السنَّة يطلقون عليه «المؤمن»، وأمه شيعية يقال لها «زهراء»، أما هو فقد نشأ في أهل السنة وعاش مع الشيعة، قضى حياته كلها سنياً شيعياً في الحب والهوى، لم يجرفه تيار الفتنة ولم يتأثر بنعرات الجاهلية.
كان يكره اللجاجة، ولهذا أطاع الأمر الصادر إليه من جهة عليا، أدار ظهره إلى الساحة وخرج متباطئاً.. ودع الساحة النائمة تحت السقف الذي يربط جناحي الكلية اللذين يمدان ذراعيهما نحو الفضاء، وجبهة الكلية تقابل بستان نخيل من جهة الشمال، عليه أن يقطع خمسين خطوة على وجه التقريب حتى يصل البوابة، تفصل بينهما استعلامات داخلية تبعد عن الساحة عشرين خطوة.. نزل خطوتين أو ثلاثاً عن الساحة، رأى خمسة أو أربعة من زملائه يسيرون أمامه، وعلى جهته اليسرى يسرعون الخطى، سمع أحدهم يهمس إليه بصوت خفيف وهو يسير بجانبه، عرف صوته من دون أن يلتفت إليه «أستاذ سلام» قال له بعبارة صريحة :
نحن ذاهبون إلى مسرحية، وسنكون أشخاصها وأبطالها.
أخذ الكلام على محمل الجد، لأنه لم يألف المزاح ولم يؤثر عن الأستاذ سلام الكذب، انتابه شعور بالإحراج وأحس بشيء من الخوف، قال محدّثاً نفسه: كيف يستطيع هؤلاء أن يؤدوا مسرحية لم يزودوا بنصها ولم يدربوا عليها، مع أن أجسامهم وطبيعة عملهم لا تساعدهم على أدائها أو النجاح فيها.


