كتاب " الحب والحيرة " ، تأليف د.
You are here
قراءة كتاب الحب والحيرة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
وأشار القصاب بإصبعه إلى أسفل. أدرك المؤمن أنه في مكان علوي، وأن الجهاز ينقل أخباراً عن الأرض وسكانها. بعدها تراجع المؤمن ورفيقاه الشابان حتى خرجوا من عتبة الباب، وقفوا في مجاز ذي ثلاثة أمتار عرضاً وطولاً، وراء ظهورهم باب مغلق، ويمينهم إلى الممر الذي قدموا منه، ووجوههم نحو سلم آتٍ من طابق علوي لا يعرفون كنهه.. شعروا بالضيق، أحسوا أنهم حوصروا ويتمنون الخروج، وإذا بفتاة ذات طلعة تثير البهجة تنزل السلم من الطابق العلوي، كانت في الثلاثين من عمرها، بشرتها بيضاء تميل إلى السمرة طويلة القامة، ترتدي حجاباً إسلامياً، أحسوا بالاطمئنان عندما رأوها وشعروا بأنها ستساعدهم على الخروج، قالوا لها بعبارة تثير الأشفاق:
- رجاءً، نحن حوصرنا، ونريد الخروج، من أين نخرج.
- لم ترد، كانت تنظر إليهم ولا تتكلم معهم، عندما وصلت منتصف السلم النازل أشارت بإصبعها إلى الممر، التفتوا يميناً، رأوا سيدة في الأربعين من عمرها ذات وقار، تميل قليلاً إلى التربيع والقصر، شديدة السمرة، ذات أنف قصير ووجه مدور، ترتدي حجاباً إسلامياً ذا لون أسود تتكلم اللهجة العراقية بوضوح، قالت لهم قبل أن يسألوها :
- ها، تريدون تطلعون.
- أي والله.
أشارت بيدها إلى الباب المغلق الذي خلف ظهورهم :
- اطلعوا من هنا، حتى يلاقيكم باب أسود مفتوح.
أداروا ظهورهم وإذا بالباب المغلق ينفتح من تلقاء نفسه، أحسوا بالفرج، وأوشكوا أن يمشوا خبباً.. المؤمن خطا خطوتين أو ثلاثاً، افتقد صاحبيه ولا يدري أين ذهبا، أسبقاه في الخروج أم رجعا إلى الممر ؟! أحسَّ بالمكان كأنه زقورة تودي إلى باب مفتوح إلى اليسار عليه قطع سوداء تشبه القطع السوداء التي تعلق على حيطان البيوت عند وفاة شخص، يبعد الباب عنه ما يقارب سبعة أمتار، أحس بالباب والطريق والجدار الذي على يمينه كأنها تسير به إلى اتجاه عالٍ أو تؤدي به إلى سطح منزل، لم يستطع الوصول إلى الباب، ففي لحظة خاطفة وجد نفسه واقفاً في شارع السعدون، ظهره باتجاه ساحة التحرير، في مكان يعرفه ولا ينكره، وبالتحديد أمام عمارة تقع شمال ساحة النصر على يسار القادم من التحرير، انتابه شعور بالدهشة والعجب، عندما رأى الشارع عامراً والناس يتجولون بحرية لا تبدو عليهم علامات خوف أو إحساس بالرعب.. وقف يتأمل، يرى ويتفقد، التفت إلى الجهة الثانية من الشارع.
هناك رأى الدكاكين والمحلات تعمل، والمطاعم مفتوحة، والبنايات معمورة والشوارع على أتم ما تكون من النظافة والبداعة، والناس الذين يتحركون على أفضل ما يكونون من التأنق والتحضر وراحة البال.. بالأمس كان الشارع خاوياً خالياً من الزحمة إلا من المارة، لذلك لا يسلكه الرجل إلا على عجل أو خائفاً يترقب، يخشى على نفسه السلب أو سفك دمه، ولا يجد من يحميه أو يدافع عنه أو يرد حقوقه.
بالأمس كان الناس شبه أعداء يكرهون بعضهم بعضاً ويخاف بعضهم بعضاً.. كانت الشوارع مهجورة مليئة بالأوساخ والاوحال، ماذا حدث له: هل أن الدولة قويت شوكتها وبسطت قانوناً يعاقب الظالم وينصف المظلوم، أم أن الله سبحانه آلف بين قلوبهم وأصلح بينهم.. أسئلة وتأملات ازدحمت في ذهن المؤمن، إلا أن الشيء الذي أثار عجبه، وجعل نفسه في حيرة، أن الناس في الشارع قليلون يتحركون ولا يتكلمون، والشوارع خالية من وسائط النقل، والمطاعم فاخرة وعلى درجة من الرّقيّ، أبوابها مفتوحة، يحسّ أن فيها رواداً من دون أن يتحقق كأنّ بينه وبين المطعم الذي يقابله ما يقارب ثلاثة أمتار.. رأى حارس المطعم يرتدي قميصاً أبيض ناصعاً وبنطلوناً أزرق، على رأسه ما يشبه القبعة، كأنه قوام على ما يشبه أكلات شعبية «فلافل أو قطع من اللحم المشوي أو ما يسمى في عرف المدينة كص»؛ أشتهى المؤمن أن يأكل شيئاً رخيصاً ولذيذاً، رأى رجلاً يرتدي ما يشبه لباساً عربياً يسير أمامه بخطوات، أخذ ديناراً من المؤمن ليقدمه إلى حارس المطعم، لكن المؤمن لم ير النقود ولم يقدمها، والحارس نفسه لم يتسلمها.. تقدم المؤمن أمامه خطوات، أحس أن المطعم ذو جناحين، الأول كبير، أحس بوجود أشخاص فيه من دون أن يتحقق منهم، والثاني صغير إلى جانبي الشارع قريباً من الحارس.. تقدم المؤمن نحوه خطوة واحدة، رأى طاولة صغيرة على جانبيها كرسيان، عليهما إناء فيه قطعة كبيرة من الرقي الأحمر، أحست عينه ببرودتها وطيب طعمها، اشتاقت نفسه إليها، أحس أنه أكل مما كان يقوم عليه الحارس من دون أن يمسك أو يرى الأكل، أحس بلذة لم يذقها من قبل، لكن قطعة الرقي حجبت عنه وبقي في نفسه شيء منها.


