كتاب " بائع الهوى " ، تأليف حكيم بن رمضان ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع .
ومما جاء في مقدمة الكتاب :
قراءة كتاب بائع الهوى
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

بائع الهوى
- فلِمَ لا يصبح جميع البشر فنانين؟
- للفن ثمنٌ يجب دفعه، وأغلب البشر أشحاء.
- والفنان؟
- الفنان هو ذاك الذي ما له من ثمن. إنه الاستثناء الذي يؤكد القاعدة.
دعاه حيدر لتناول كأس أخرى من "البوخة" فلم يمانع، وكان خير من يعلم طباع هذا الرجل، فكلاهما يراود المكان منذ سنين وكلاهما يعلم طباع الآخر وطبع الجميع. لم يعلّق حيدر على ذاك الحديث واختار أن يكتنز ما سمعه في زاوية من ذاكرته. كان لبطوطة حضور كذاك الأستاذ الذي يحاضر أمام طلبته من دون أن يقاطعوه أو يرتجل الكلام الذي دوّنه في أوراقه دون سرد ما فيها، وكان يحذق الحديث بما يوحي بمستوى محترم من التعليم. كان له كالجميع بعض الأسرار.
- هل في قفتك شيء من الشوكولاته؟
- أي شوكولاته تريد يا حيدر؟ للصغار أم للكبار؟ (يقلّب المكان بنظرات حذرة كأنه يكتشفه).
- أشتري منك كليهما.
يخرج بطوطة قطعة من الشوكولاته من القفة ثم يبحث في جيبه عن قرطاس صغير يعطيه إياه وهو يواريه عن الأنظار. حينما فرغت كأسه استودعهما بطوطة خيراً وانصرف نحو طاولة أخرى ليتّخذ مكاناً حذو من دعاه، وكلما فرغت كأسه انتقل إلى مجلس آخر بين الحرفاء، فالسكارى بطبعهم كرماء. تلك عادة بطوطة أن يجالس السكارى ويمازحهم حتى يطيب مقامه بينهم فإن استلطفوا مجلسه باعهم اللوز وما احتوت قفته، فإن ابتاعوا سلعته ودّعهم ليجالس غيرهم قبل أن يبتلعوا تلك الرشفة التي توارى الشيطان بين قطراتها.
كانت الحانة تطلّ على شاطئ مهجور من مدينة نابل، وهي مدينة صغيرة وجميلة وتطيب فيها الحياة لمن لم يلتمس من العيش إلا الحياة. تستيقظ مدينة نابل عند طلوع الشمس وتغلق أبوابها مع غروبها تحت الأضواء الخافتة التي تضيء شوارعها لمن استيقظ حينها ليجوب مقاهيها وملاهيها. حينما فرغت القارورتان طلب حيدر أخريين شرباهما على عجل وغادرا أيضاً. عند باب الحانة فضّل حيدر المشي على ركوب سيارة شادي، فافترقا.
- إنها تمطر يا حيدر.
- إنه رذاذ.
خلع نعليه واتجه نحو الشاطئ يتمشى فوق الرمل المبتل رافعاً رأسه إلى السماء ليغسل وجنتيه بالمطر. كان يهيم بالبحر ويطيب له العوم تحت الرذاذ. يلتفت إلى الحانة فيراها ظلماء فيفتح أزرار سرواله ليتبوّل، وكان يمسك قضيبه ممازحاً إياه: "يا لئيم تبوّل وتبلّل. مالك عبوس؟ ألا تبتسم يوماً؟ (باسماً) ما بك لا تزال صغيراً؟ أعرفك منذ سنين ولا تزال كما أنت. ألا تكبر؟ (ضاحكاً) ألا تعلم ماذا قال الشاعر؟ ماذا قال؟ أوف لا أذكر ماذا قال. لا أذكر أي شاعر. أوف إنهم كثر. بل صدق بطوطة إنهم استثناء". بينما كان يلاعب ذكره تحت المطر، فاجأه صوت خافت من خلفه:
- ألا تستحي يا رجل؟ إنه البحر. أتتبوّل على صديقك؟
يلتفت حيدر مذعوراً من هذا الصوت ذي الصدى ومغتاظاً من هذه النبرات الساخرة، فيرى أمامه رجلاً ذا هيبة يرتدي رنديكة قاتمة اللون وطويلة إلى حد كعب قدميه ويخفي عينيه تحت برطل طويل وأسود. أوجس حيدر خيفة من هيئة هذا الشخص الذي يطارده ليلاً في خلوته، فهو بحكم عمله في القطاع السياحي من أدرى الناس بتجارة اللواط التي تزدهر شتاء في غياب بنات عيسى، كما تسمى الأجنبيات في هذه المدينة.
- ماذا تريد يا رجل؟
- لديّ مرسال إليك: سيدي الطاووس يهديك التحيّة ويوصيك بنفسك خيراً، وأول تعاليمه لك أن تؤمن بنفسك قبل الإيمان بغيرك.
- ومن سيدك الطاووس هذا؟ (متعجباً).
- إنه الأستاذ. أستاذ الشعراء.
- لقد أخطأت يا سيد. فلست ذاك الذي تبحث عنه، أنا لست بشاعر. بل أنا رجل مخمور وأريد أن أتبول. فهل تركتني لأقضي حاجتي من فضلك؟
- إنّ الطاووس أستاذ لا يخطئ في تقييم تلاميذه. إنه طاووس الجنة.
- يا سيد. لست فناناً ولا شاعراً، أنا... من أنا؟... أنا لست إلا... عربيداً.
- تسكنك روح شاعر، كذلك قال الطاووس. فاتبع خطاه وسيجعل منك الرجل الذي هو أنت. واستمع إلى نصحه وستكون الشاعر الذي تريد أن تكون.
- لست شاعراً يا هذا. لقد طلّقت الشعر ونسيت الأوزان منذ زمن. أنا دليل سياحي وكفى.
- ألا تسوّي أزرار سروالك أولاً سيد حيدر قنديل؟
ينظر حيدر إلى الأزرار فيستحي ويهمّ بإعادة تسويتها بينما ينصرف ذلك الشخص الغريب يتمشى على حافة البحر نحو الظلام.
- كيف عرفت اسمي يا رجل؟
لم يجبه ذلك الغريب عن المدينة بل واصل المشي على حافة الماء، بينما كان حيدر يصيح فيه بالغروب عن وجهه: "آه لقد عرفتك، لقد تذكرت. لقد كنت في الحانة تجالس الناس ولا تشرب. لقد رأيت ابتساماتك الساخرة. ولقد رأيتك من قبل أيضاً ولكن نسيت أين. هل أنت شرطي أم مخبر؟ إنك من البوليس السياسي، أليس كذلك؟ بلّغ رؤساءك بأن حيدر قنديل قد هجر السياسة من سنين وما ذاك رهبة من بطشهم ولكن تعالياً على سخافتهم. بلّغهم بأني لا أخشاهم بل أحتقرهم. هذا مرسالي إليهم. أنا لا أتبوّل على البحر فهو صديقي وصاحبي ونديمي بل أتبوّل على أسيادك الذين أرسلوك لتفسد عليّ نشوتي". يفتح أزرار سرواله ثانية ويخرج قضيبه ويتبول بعيداً عن الماء بزهو وطرب ويخاطب ذكره ضاحكاً: "ها قد كبرت فجأة. ها إني أراك تبتسم وتضحك لأول مرة في حياتي. هيا تبوّل عليهم وانتشي دونهم علّك تصير ذكراً. هيا تبوّل وتبلّل".
لم يكن لحيدر أن يرى عيون ذلك الضيف، فسماته مغمورة وقد أسدل القبّعة على أنفه في سواد الليل. لقد غاب ذلك الشخص الملثّم بالسواد، وكان يمشي على الماء من دون أن تبتل قدماه. يخرج حيدر من جيبه شوكولاته الكبار التي ابتاعها من بطوطة ليشعلها بأطراف أصابعه ويمزجها ببعض السيجارة ثم يدخنها بتأن وغبطة. يخلع قميصه ويلقيه أرضاً ثم يلقي بنفسه في الماء تحت المطر.

