قراءة كتاب بائع الهوى

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
بائع الهوى

بائع الهوى

كتاب " بائع الهوى " ، تأليف حكيم بن رمضان ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع .
ومما جاء في مقدمة الكتاب :

تقييمك:
0
No votes yet
المؤلف:
الصفحة رقم: 10

-5-

يدق منبه الساعة بطريقة متواترة ومزعجة فيتقلب حيدر تحت اللحاف ويخفي رأسه تحت الوسادة وهو يتمتم بضجر لتواصل الرنين وازدياده، فيخرج يده من تحت الغطاء ويمسك بالساعة من على الكوميدينو ويلقيها وقد تراخت عضلاته، فتصطدم بالحائط وتسقط أرضاً. ما كاد يسدل حيدر ذراعيه حول رأسه حتى ينبعث ذلك الضجيج من جديد، فيرفع اللحاف ويقف أخيراً لإسكات المنبه ويتجه نحو بيت الاستحمام. كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف صباحاً.

- تبّاً

يخرج من بيت الاستحمام يتصبب ماء حيث لم تكن المنشفة في مكانها. يشعل سيجارة بينما كان يحضر القهوة على عجل. وعندما ينتهي من تحضيرها تكون سيجارته قد شارفت على الانطفاء.

- تبّاً.

يتجه نحو بيت الاستقبال باحثاً عن ثيابه، فيجد قميص البارحة منكمشاً وقد فاحت منه رائحة الكحول، فيبحث في المكان عن ثوب آخر حتى يجد قميصاً حذو الكنبة يلبسه على عجل مع أول سروال يصادفه وطرفي جراب ذي زرقة ولكن ليس من اللون ذاته. ينظر إلى ساعته، إنها السابعة وعشر دقائق تقريباً، وموعده مع السياح على الساعة الثامنة في بهو الاستقبال. عرف السيد حيدر قنديل في النزل أنيقاً، ولكن الأناقة تستلزم شيئاً من التأني.

- تبّاً.

يركب دراجته الناريّة ويتجه نحو النزل ليجد الحافلة في انتظاره. يرفع عينيه نحو السائق للتعرّف عليه ويدير رأسه كأنه تكشّف على عورة الشيطان حينما يرى "الفرجاني".

- تبّاً.

إنه سائق الحافلة التي ستقود يومها السياح في فسحة إلى العاصمة وزيارة قرطاج. كانت تجمع بين الرجلين معرفة قديمة إلى حد أنه لم يعد أحد يطيق رؤية وجه الآخر، وقد طلب حيدر يوماً من الوكالة عدم تعيين هذا السائق بالذات معه، ولكن لم يكن بالإمكان إيجاد سائق آخر اليوم على ما يبدو.

- أنت؟ هل أنت ثمل كالعادة؟

- قل صباح الخير أو اصمت يا فرجاني.

- ألا تصعد؟ أم تريد أن نقضي اليوم كمثل تلك المرّة ..

- ماذا تنتظر لتشغيل المحرك؟... تبّاً.

يبتعد حيدر عن الحافلة ويشعل سيجارة أخرى وهو يلعن وكالة الأسفار وموظفيها ومالكيها. يتأكد من مجيء جميع السياح، عندها يأمر الفرجاني بالانطلاق. يذكّر السياح باتجاه الرحلة ويقفل الميكروفون ليترك موسيقى "البلووز" تغمر أجواء الحافلة ويغمض عينيه.

يوقظه الفرجاني من نومه بعد مضي ساعة لينبهه باقترابهما من الكنيسة التي تتوسط شارع بورقيبة وسط العاصمة. يفتح الميكروفون وعيناه لا تزالان مغمضتين، ويمنح ضيوفه ساعة لاكتشاف المكان والفسحة في هذا الشارع البديع، وبعد نزولهم يفتح عينيه. ومن دون الحديث مع الفرجاني يتجه مباشرة نحو أحد المقاهي الفاخرة ليطلب قهوة سريعة يشربها في رشفة واحدة على الطريقة الايطالية، ويطلب واحدة أخرى يرتشفها عن مهل وهو يدخن سيجارة أخرى متأملاً المسرح البلدي وقد أغناه ذلك المعمار عن النظر إلى مرور الجميلات الراغبات والمتمنّعات. حينما داهمه الوقت ترك بعض الدنانير على الطاولة وعاد مهرولاً نحو الكنيسة. لم يكن ذهنه مهتماً بهندسة هذا الأثر المعماري كما يبدو، وإنما كان هائماً في ما قد يدور فوق ركح ذاك المكان العتيق. حينما كان طالباً في العاصمة كان يراود ذاك المسرح ليعود إلى منزله مسحوراً بعظمة الفن.

يقف أمام باب الحافلة منتظراً صعود السياح وهو يخفي عنهم نعاسه، حتى مرت أمامه فتاة ذات فتنة تداعب بأصابعها الرقيقة خصلات شعرها الأشقر الذي يضاهي الأمواج حين ثورتها ويتراقص فوق أكتافها، وهكذا استيقظ من سباته. وبينما هامت مخيلته بين محاسن مؤخرتها، حدثه رجل بدين باللغة الانجليزية، وما كانت تلك عادة الايطاليين استئذاناً للمرور. صعد حيدر وهو يترصد مكان تلك الشقراء، فاكتشف اصطحابها لذلك الشخص.

Pages