تبدأ صلتي بهذا الموضوع من رغبتي في التعرّف إلى الأدب النسائيّ، وتتبّع اتجاهاته، ومن ثمّ الوقوف على دور المرأة العربيّة في عصور متعدّدة؛ فقد تضمّن تراثنا العربيّ صورة للمرأة رسمها الرجل فغدت أشبه بالأسطورة، وتضمّن التراث ذاته المرأة الواقع؛ لذلك رأيت أن أكتب
You are here
قراءة كتاب الوالهة الحرّى؛ ليلى الأخيلية شاعرة العصر الأموي
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 5
ب - صفاتها وشكلها
تتفاوت المصادر القديمة فيما بينها في العناية بذكر صفاتها وشكلها، فقد يهتمّ راوي الخبر بذكر صفة من صفاتها ليؤكّد للسامع صدق مقولته، ودقّته في النقل، ولكن بعض رواة شعرها وأخبارها لم يلتفتوا إلى ذلك البتة.
إنّ أوّل ملمح شكليّ لليلى نعثر عليه في كتاب (بلاغات النساء) في الخبر المرويّ عن الزبير بن بكّار والذي قال فيه: «حدّثني يحيى بن مقداد الرفعي عن عمّه موسى بن يعقوب قال دخل عبد الملك بن مروان على زوجته عاتكة بنت يزيد بن معاوية، فرأى عندها امرأة بدويّة فأنكرها، فقال: من أنت؟ قالت: أنا الوالهة الحرّى ليلى الأخيليّة»(16)، وفي تمام الخبر أنّها وثبت فجلست على راحلتها، فهي بدويّة المظهر تثب على الراحلة، وقد يكون أنكرها الأمير لأنّها ليست من أهل دمشق.
ويؤيّد بروز هذه الصفة فيها ما يرد في خبر قدومها على الحجّاج، إذ يقول آذنه: «أصلح الله الأمير: بالباب امرأة تهدر كما يهدر البعير النادّ، قال: أدخلها» (17)، فلعلّ الآذن شبّهها بالبعير النادّ -أي الشرود- لما رأى فيها من مظاهر البداوة.
بيد أن تلك الصفة لم تكن تنفي عن ليلى الحسن والجمال، فقد جاء في الأغاني أنّها دخلت على الحجّاج فإذا هي «امرأة طويلة دعجاء العينين حسنة المشية إلى الفوه (؟) ما هي حسنة الثغر»(18)، ويورد الأصفهانيّ الخبر مطوّلًا ثمّ يختمه بسؤال الحجّاج جلساءه عن ليلى بعد أن تفرغ من قول الشعر «فقال لهم: أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله ما رأينا امرأة أفصح ولا أبلغ منها ولا أحسن إنشادًا، قال: هذه ليلى صاحبة توبة» (19)، فهذه البدويّة طويلة تتّصف عيناها بالدعج -أي شدّة سواد السواد في العين وسعتها (20)، وهي صفة محبّبة في المرأة والرجل عند العرب، ثمّ هي ممشوقة القوام حسنة المشية، أمّا قوله «إلى الفوه ما هي» فقد يكون ممّا أعجمته أيدي النسّاخ، وقد يكون المقصود نفي الفوه عنها، أي أنّ فمها لم يكن واسعًا، وقد يكون غير ذلك، ولكن قوله «حسنة الثغر» يثبت صفة جماليّة جديدة فيها، وتتمّة الخبر قد أتت على ذكر صفات أخرى لها تميل إلى وصف الناحية المعنويّة، فهي امرأة فصيحة بليغة حسنة الإنشاد.
يذكر أبو عليّ القاليّ (ت356هـ) خبر قدومها على الحجّاج برواية مختلفة يرد فيه أنّها أسنّت، إذ يقول: «.... فنظرت فإذا هي امرأة قد أسنّت، حسنة الخلق ومعها جاريتان لها وإذا هي ليلى الأخيليّة، فسألها الحجّاج عن نسبها فانتسبت (....) ثمّ أقبل الحجّاج على جلسائه، فقال، أتدرون من هذه؟ قالوا: لا والله أيّها الأمير، إلا أنّا لم نر قطّ أفصح لسانًا، ولا أحسن محاورة، ولا أملح وجهًا، ولا أرصن شعرًا منها، فقال: هذه ليلى الأخيليّة التي مات توبة الخفاجيّ من حبِّها»(21).


