تبدأ صلتي بهذا الموضوع من رغبتي في التعرّف إلى الأدب النسائيّ، وتتبّع اتجاهاته، ومن ثمّ الوقوف على دور المرأة العربيّة في عصور متعدّدة؛ فقد تضمّن تراثنا العربيّ صورة للمرأة رسمها الرجل فغدت أشبه بالأسطورة، وتضمّن التراث ذاته المرأة الواقع؛ لذلك رأيت أن أكتب
You are here
قراءة كتاب الوالهة الحرّى؛ ليلى الأخيلية شاعرة العصر الأموي
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 6
إنّ تقدّم سنّ هذه المرأة لم يفقدها جمالها ورونقها، فهي حسنة الخلق على الرغم من كبر سنّها البادي للعيان، ولنا أن نستنتج من ذلك أنّها كانت في شبابها من الجميلات، وقد زاد جلساء الحجّاج، في هذه الرواية، على ملاحة الوجه الظاهرة فيها، فصاحة اللسان وحسن المحاورة ورصانة الشعر.
ولعلّ الصفات التي يذكرها الحصريّ في (زهر الآداب) لليلى، هي تكرار -مع بعض التغيير- للصفات السابقة، فالخبر عند الحصريّ، ما هو إلّا رواية ثالثة للخبر السابق، «فلم تلبث أن جاءت جارية من أجمل النساء وأكملهنّ وأتمهنّ خلقًا، وأحسنهنّ محاورة، فلما دنت سلّمت ثمّ قالت: أتأذن أيّها الأمير؟ قال: نعم، فأنشدت: (الأبيات) حتى أتت على آخرها؛ فقال الحجّاج لمن عنده: أتعرفون من هذه؟ قالوا: ما نعرفها، ولكن ما رأينا امرأة أطلق لسانًا منها ولا أجمل وجهًا ولا أحسن لفظًا، فمن هي - أصلح الله الأمير-؟ قال: هي ليلى الأخيليّة؛ صاحبة توبة بن الحميّر»(22).
ليس من شكّ في أنّ تعدّد رواية الخبر، وكثرة تناقله، يؤدّيان إلى تغيير فيه، وقد اتّضح ذلك في الروايات الثلاث السابقة لخبر واحد، كما أنّنا نجد بعض المتأخّرين ينقلون الخبر ويغيّرون فيه، فهذا ابن قيم الجوزيّة (ت 751هـ) يورد في (أخبار النساء) الخبر السابق برواية الهيثمّ بن عديّ، وهو واحد من سلسلة رواة الخبر في (الأغاني)، إلّا أنّه لا يلتزم بنصّها فيقول «... قالوا: أصلح الله الأمير، ولكنّا لم نر امرأة أكمل منها كمالًا ولا أجمل منها جمالًا ولا أطلق لسانًا ولا أبين بيانًا، فمن هي؟ قال: هي هذه ليلى الأخيليّة صاحبة توبة بن الحميّر»(23).
كذلك ينقل ابن طولون الدمشقيّ (ت 953هـ) في (بسط سامع المُسامر) عن القاليّ لكنّه يذكر قوله «ولا أحسن مجاودة»(24) بدل قوله «ولا أحسن محاورة»، وقد تعني المجاودة أن يكون المرء أجود حجّة؛ ففي اللسان «يتجاودون: ينظرون أيّهم أجود حجّة»(25)، وأظنّ أنّ ابن طولون حرّف محاورة فجعلها مجاودة، ولم يقصد إلى المعنى الوارد في اللسان؛ لأنّ أحدًا من القدماء قبله لم يذكر المجاودة في هذا الموطن.
أمّا ما يرويه ابن قتيبة عن لقائها بعبد الملك بن مروان في قوله: «ودخلت على عبد الملك بن مروان وقد أسنّت، فقال لها: ما رأى فيك توبة حين هويك؟ قالت: ما رآه النّاس فيك حين ولّوك، فضحك عبد الملك حتى بدت له سنّ سوداء كان يخفيها» (26)، فيجب ألّا يدعونا إلى القول إنّها لم تكن حسنة أو جميلة، فالواضح من هذا الخبر أنّها كانت قد أسنّت، وهناك من صرّح بأنّها كانت حسنة على الرغم من كبر سنّها، لكن علاقتها بعبد الملك بن مروان جعلته يمازحها بقوله: ما رأى فيك توبة حين هويك؟ أي أنّه يسخر من هيئتها، ولا يجد مسوّغًا لحبّ توبة لها، وذلك على سبيل الظرف، وممّا يؤكّد لنا صدق مقولتنا هو ردّها الودّيّ الساخر الذي قالت له فيه: ما رآه النّاس فيك حين ولّوك؛ إذ لا تقدر امرأة على قول ذلك جادّة أمام الخليفة، ومع ذلك نرى الخليفة يقابل كلامها بالضحك المفرط.


