رواية "ظل ومرآة" للكاتبة السعودية نداء أبو علي؛ تدور أحداث الرواية حول شاب سعودي عاش في مجتمعه، ثم سافر لإكمال دراسته خارج البلاد، ليعود إلى مجتمعه بنظرة مختلفة، جعلته لا ينظر سوى للجانب السلبي من مجتمعه...
أنت هنا
قراءة كتاب ظل ومرآة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 10
سهى
حين كانت طفلة صغيرة يسألها والداها ماذا تحلم أن تصبح حين تكبر، كانت تجيب بإصرارٍ وبنظرةٍ حالمة وقد شرد ذهنها وهي تتخيّل نفسها كبرت وحقّقت ما تصبو إليه بعبارة بريئة: أريد أن أصبح ملكة·، لا تتذكر ملامح الاندهاش التي انطبعت على وجهي والديها حين أخبرتهما بطموحها المزمن، لكنهما لا يفتآن يذكران تلك العبارة وكأنها طرفة أقلعت عن التفكير فيها حين كبرت· لم تتوقف عن الحلم في أن تعتلي عرشاً ذهبياً· حتى بعد أن نضجت وأصبحت واعية بأن تلك الأفلام المتحركة التي أدمنت عليها في طفولتها، والتي تتحدث عن فارس الأحلام الذي سيختطفها على صهوة الجواد، مجرد أوهام· استمرّت في أحلامها في أنها ستصبح ذات يوم امرأة ذات شأن، وأنها ستسعى إلى تغيير العالم بطرقها الخاصة· تشعر بأنها تشبه الأميرة النائمة وبياض الثلج بأنوثتها الطاغية وبشرتها الناصعة· لطالما شعرت بأن زميلاتها في مقاعد الدراسة يرمقنها بنظرات حاسدة، فتحاول تجاهلهن ومقاومة الابتسام بغرور· واجهت بدايةً مشكلة في التعرّف على الصديقات، حتى إنّها سمعت أن العديد من زميلاتها يتهامسن من ورائها بأنها نرجسية لا تفكّر إلاّ في نفسها، إلاّ أنّها بعد فترة انتصرت على الأخريات، وكوّنت لها مملكتها التي تدعو إليها من تشاء من وصيفات ورعايا فيقبلن بحبور· قرّرت سهى اللّيلة أن تفاجئ الجميع بحفلة لم تخبرهن عن سببها، تريد فيها أن تعلن على الملأ خبر خطوبتها ثم تزفّ وهي تنزل الدرج الفاره لمنزلها وقد تناثرت الشموع في طرفي الدرج ليتألّق وجهها بمساحيق تجميل وضعتها أنامل خبيرة مكياج محترفة· ستضع على جسدها ذلك الثوب الخمري الذي خبأته في خزانتها منذ أشهر عدّة، سارعت لشرائه فور سماعها من والدها رغبة عامر ابن صديقه المقرّب عزيز في الاقتران بها·
لم تكن تكترث للعريس، كان مجرّد أداة ستستخدمها لتتباهى بظفرها بشابٍّ وسيم ناجح في عمله· تظاهرت بافتتانها فيه حتى صدّقت ذلك الادّعاء وسبحت في عالم أخّاذ انتشلها من واقعها لتشعر وكأنّها في حالة حبّ ليس معه، ولكن مع طيفه الذي يعكس فتنتها وسحرها هي· لكم أرادت أن تصبح للأغاني التي تستمع إليها في الخفاء معان تنعكس على حياتها الخاصّة· لم تتحدث كثيراً مع عامر في تلك اللقاءات التي نظمها والدها ووالد خطيبها، فهي تتظاهر بالحياء والنظر إلى الأرض في محاولة للتهرّب من نهم عينيه، وكان هو دائم الهدوء يظهر رغبته في التهام جسدها، وفي تأملها طول الوقت، دون أن يتحدّث إليها ليبثّ لها همومه· لم تكن امرأةً خالية الوفاض فارغة العقل؛ فهي مثقفة مدمنة على القراءة مرّت بالعديد من التحوّرات في حياتها عاطفياً وثقافياً ودينياً، لكنّ خيباتها المتتالية في من حولها دفعتها للاستسلام للقدرية بعد أن آمنت بأن السير ضد التيّار لن يجلب لها أكثر من المتاعب· اقتنعت بأنه يستحيل عليها أن تعتمد على أي أحد غير نفسها، وأنّ محاولاتها لن تتحقق في كل مرّة لأن هناك عوامل خارجية ستحاول أن تثبط من عزيمتها· كل ذلك لا يعني أنها ستنزل من على عرشها لتتقهقر، إنها تتنازل فقط عن بعض قناعاتها التي لم تجد لها أيّ نفع مستقبلي· تتذكّر ابتداء قلقها الوجوديّ إثر تعثر علاقتها الأفلاطونية مع ابن جارها، حين لم تتجاوز هي السابعة عشرة· ابتدأت تلك القصّة حين انتقلت أسرة جديدة تحمل ثلاثة أبناء وطفلة صغيرة إلى المنزل المجاور لتفتتن هي بأكبرهم، الذي اكتشفت فيما بعد أنه يسمى فارس· كان شابّاً يافعاً لا يزال في العشرين من عمره يحاول أن يصبح مهندساً ميكانيكياً· أدمنت التلصّص من النافذة للنظر إليه، حتى إنّها أصبحت تعرف مواعيد ذهابه إلى الجامعة، وعرفت أنه شاب ملتزم يقيم صلواته في المسجد، وأصبحت تراقبه وهو يمشي في طريقه إلى مسجد الحيّ لصلاة المغرب في الوقت الذي يسير خلفه أخوه الأصغر· لم يتنبّه هو في البداية لاهتمامها به حتى لمحها أخوه الأصغر ذات يوم؛ فأصبح يجري ليوازي خطوات فارس ويهمس في أذنيه بما دفعه للنظر إليها والابتسام لتتقهقر هي بحياء وتغلق النّافذة·
تتابعت مواعيدهما فيما بعد، تختلس هي النظر إليه ويستدير هو لينظر إلى نافذتها في طريقه إلى الصلاة فلا يلمح إلا ظلّها· لم يحدث أي تغيير في تلك العلاقة عن بعد حتى تجرّع هو ذات يومٍ شجاعته ليقترب من سيارتها في طريق عودتها من المدرسة، معطياً للسائق قصاصة ورقة يطلب منه تسليمها لها· نظر إليها ذلك اليوم بتمعّن وكأنه يحاول التعرّف إلى تلك الحالمة صاحبة الظل المتسمّر خلف النّافذة· أخفت قصاصة الورق ذلك اليوم بين ثنايا كتبها ولم تفتحها حتى أوصدت باب مخدعها لترتمي على سريرها بحبور وتفتح تلك القصاصة· كتب بحروف كبيرة عبارة سحرتها على الرغم من بساطتها· إلى متى نلعب ألعوبة القط والفأر؟ أريد أن أرى ملامحك وأن أتحدّث إلى صوتك فقد قمتِ باحتلال كياني··، كتب في أسفل تلك القصاصة رقم هاتفه الخلوي· شعرت بيوفوريا بديعة دفعتها للدوران حول نفسها حتى شعرت بالدوار، وارتمت على الأرض وهي تحتضن تلك القصاصة· توالت بعذ ذلك أحداث وأحداث·
تتذكر كيف غمرهما انبهارٌ غريب وخجل وتأتأة كلما حاولا التحدّث وجهاً لوجه لأول مرة في مقهى منزوٍ· كان يتعمق في التبحّر في عينيها وكأنه يحاول قراءتهما بشجن وحميمية، بدا لها كطفلٍ صغير بريء يستتر خلف جسد شاب ضخم جذبها عنفوانه· كان انبهاراً يستحيل أن تعيشه مرة أخرى، من ذاك النوع الذي يجتاح أحاسيس المرء مرةً واحدة في حياته فيخضّه ويشلّ أفكاره كلّما سمع صوت الآخر· وصلا إلى مرحلة إدمان التحدث والبوح· تتذكر إحدى المكالمات التي تحدّاها فيها أن تتحدّث معه ليومٍ كامل دون مقاطعة، ضحكت وقتئذٍ وأخبرته بأنها أكبر ثرثارة من الممكن التحدّث معها· تسللت ذلك اليوم إلى حجرة المعيشة لاستلال الهاتف ثم وشوشته لتعبر عن أفكارها وآمالها· تحدّثت وتحدّثت معه لساعاتٍ غير محتسبة حتى شعرت بثمالة من فقد القدرة على النوم فبات متيقظاً مصاباً بالدوار·
تذكّرت كيف باغتتها والدتها وطرقت الباب مراراً وهي مندهشة حين رأتها تتحدث بالهاتف في الساعة التاسعة صباحاً، لم يتمكنا من التحدث ليومٍ كامل كما اتفقا لكنهما ضربا رقماً قياسياً في التناجي والتثرثر·


