المجموعة القصصية "كورون.. أو الماء باتجاهين"؛ يتوزعون مع بداية الليل ويختبئون في الجيوب الخلفية للحارة، حيث المزارع المطلة على المنازل بنخيلها الجاف المسلوخ.
أنت هنا
قراءة كتاب كورون .. أو الماء باتجاهين
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 5
المَساءُ في المَدينةِ الليلة أطولُ من المُعتادِ، وعلى الرُّغمِ من هُدوءِ الطُرقاتِ والمِساحاتِ الشّاسعةِ للظُّلمةِ إلا أن الرّجلَ الذي كان يَبرمُ الرّصيفَ بِقدميهِ، كان يَشعرُ بِجَلبةِ خُطواتٍ تتدافع وراءه·
تَوقفَ الرّجلُ قَليلاً وانتصَبَ فَاردًا طُولَهُ، ثُمَّ التفتَ وَراءهِ، تفوو وأدارَ ظَهرهُ الّذي كان مُتنملاً نحو الخَلفِ ثمّ نَحوَ الأمَامِ، ثُمّ وَاصلَ مِشيتهُ بِخطواتٍ مُتأرجِحةٍ وهو يُغنِّي أو يَضحكُ أو يَبصق، حتى انتهى الى الشَّارعِ الرئيسي ومن ثَمّّ الى مَواقف سَيّاراتِ الأجرةِ على الخَطِّ المُقابلِ، بعد أن عَبرَ الجِهةَ اليُمنى من الشّارعِ العَامِ، والَّذي بدا على امتِدادهِ نَاصعًا كمَا لو أنّهُ غُسلَ لِلتَّوِّ، حيث كانت الشّاحناتُ الكَبيرةُ الّتي مَسحت الشّارعَ ولمّعتهُ كمَا يُلمّعُ الحِذاءُ قد مرّت لتوّهَا، مُواصلةً سَيرهَا البَطيءَ وَتنظيفَها المُتقنَ باتِّجاهِ النُّقطةِ الأخرى من الشّارعِ العَامِ، تاركةً الشّارعَ يتلألأ كَصفحةِ المَاءِ، حيث سيمر المراقب في بِدايةِ الصّباحِ فَاحصًا الإسمنت والمساحاتِ الجَانبيّة المُبلطة أو المُعشّبة؛ لِيرفعَ تَقريرهُ لرئيسٍ البَلديّةِ·
كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل بكثير هذهِ المرة، وذلك كما أشارت دَقات السّاعةِ المثبتة على تمثال إسمنتي وسط باحة الحي التجاري المُجاورِ، كانت السّاعةُ الثَالثةَ والرّبع صَباحًا عندما انتَصبَ الرّجلُ بِمحاذاةِ الشّارعِ، بعد أن أخرجَ من مَلابسهِ عَمودَهُ الحَديديّّ غَيرَ عابئ بِطولهِ وَلا بِغلظتهِ، وَلا حتّى بِجانبيهِ الحَادّينِ، وبدأ كَعادتهِ في السّاعاتِ النّهاريةِ أيضا التَلويحَ بِيدهِ تَارةً، وبالعَمودِ الحَديديّ تارةً أخرَى·
وبعدَ فَترةٍ من التّلويحِ ومن اللّيلِ ومن الرّكضِ، نَجحَ الرّجلُ هذه المَرّة على الرّغمِ من الهُدوءِ الُذي يَعمُّ المَكان في تِلكَ السَّاعةِ، من إيقاف مَجموعةٍ من سَياراتِ الأجرةِ، وخَمسةِ أشخاصٍ آخرين تَصادفَ خُروجُهم من حَانةٍ بإحدى الفَنادقِ المُجاورةِ كانوا يَمشونَ باتجاه مَحطّةِ البَاصاتِ وَسطَ ضَجّةٍ من الانتشاء والسُّّعالِ والضّحكِ، حيث وَقفوا أمَامَ الرّجلِ الّذي كان مُنتصبًا على أحدِ الكراسي المَوجودةِ باستراحةِ المَواقف:
(هيه اس سسسسسسسس··· اجلسوا جَميعُكم··· لا اقتربوا أنتم سَأخبركم اللّيلةَ سرًّا ولكن تفو··· أنتم لاتفهمون)، كان أحَدُ سَائقي سَياراتِ الأجرةِ يَلعبُ بِميداليةِ سَيّارتهِ الّتي كانت على شَكلِ تِمساحٍ زُجاجيٍ، بِداخلهِ سَائلٌ زِئبقيٌّ وَكراتٌ مُلونةٌ وفُقاعاتٌ تَسبحُ في فَضاءِ الزّجاجِ، قَذفَ السّائقُ الميداليةَ في الهَواءِ ثُمّ التَقطها بِحركةٍ بَهلوانيةٍ من خَلفِ ظَهرهِ، بينما كان الآخرُ قد بدأ يُشعلُ سيجارةً سَحبها من أُذُنهِ اليُمنى، حَاولَ السّائقُ إشعال السّيجارةِ بَعد أن كَشطَ بِعودِ الثقاب على عُلبةِ كِبريتٍ صَغيرة من نوع المقص، ولَم تَشتعِل ولكِنّهُ عَاودَ مَرّة أخرى بِكشطةٍ مُعاكسةٍ للاتجاه فاشتعَلَ عودُ الثّقابِ حتى كاد الفَتيلُ أن يُلامسَ شَعرَهُ المَتروك بإهمال على مُقدّمةِ رأسِهِ، وبدأ يَنفِثُها باتجاهِ الرّجلِ الّذي صَرخَ:


