في رواية "صائب والبلاد المقدسة" يخلص نص سليمان لمكان محدد ( مدينته حيفا التي يعيش ويبدع فيها ) ويقفز نحو زمان مجرد مسوّر بنزعة أبوكالبتية داخل حقل خصب من الميتافيزيقيا.
أنت هنا
قراءة كتاب صائب والبلاد المقدسة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 9
الفصل الثالث
في تلك الليلة فتحت زجاجة فودكا كنت اشتريتها من السوبر- ماركت وأنا في طريقي نحو البيت· كالعادة شربت كأس الفودكا مع العسل وعصير الليمون· وبينما أنا أشرب شعرت بإحساس يقترب من اليأس· ثمّ أدركت أنّ كلّ الفلسفة التي تعلّمتها قد فشلت في جعلي أفهم أقلّ القليل عن هذا العالم· ربّما لو كنت درست الإلكترونيّات لكنت فهمت كيف يعمل الراديو أو التلفزيون· كلّ ما أعرفه هو الجدال والجدال حتى يتمّ تفكيك كل عنصر من المحادثة إلى غبار فلسفيّ· إنّني في بؤس أكثر المزارعين على هذا الكوكب جهلاً· على الأقلّ هم يشعرون بالسّعادة من العمل مع الطبيعة، وبالرّضا عن عملهم الجسديّ· أمّا أنّا فإنّني أغوص في خضمّ صراعات الحياة ومشكلاتها في محاولة لالتقاط الغامض والتوصّل إلى استنتاج منطقيّ· هذا الانخراط في تحليل بعد تحليل يشعرني وكأنّي حصان سيرك يدور في دوائر، وبأنّ الشّخص الذي يحمل السّوط الجلديّ الطويل ويضربني لأسرع ليس شخصاً في الواقع· إنّه شخص خياليّ من كوكب آخر، شيء مجرّد، إنّه إله المعنى والعقل، أو ربّما شيطان التوازن العقلي· لقد شعرت كما لو أنّ هناك لحظات وضوح، لحظات غبطة وإنارة قد تمّ فقدانها، أو أنّني لم أعد قادراً على التعرّف عليها بمداركي، أو ربّما إنها قد ضاعت تحت سجادة البحث اليوميّ عن راحة البال وعن الحقيقة التي لا تكون دائماً بريئة أو هشّة· نعم إنّ الحقيقة تكون أحياناً شرّيرة وراغبة في الانتقام، وعندما تهاجمك بعد أن تكون قد تسلّلت من خلفك، فإنّك تسقط ضحية الواقع· تصبح الحقيقة مثل ألعاب تركيب الصور، فهي تتحوّل إلى أمر غير محدّد، هكذا فجأة، بعد أن تكون القطعة الرئيسية قد وضعت في مكانها·
رغم أنّني كنت قد سكرت قليلاً، إلا أنّ الأفكار المعقّدة ما انفكّت تتدفق في دماغي· ثمّة أنهار من الأفكار كانت تصخب في داخلي· ركنت الزجاجة في موضعها وقد أدركت أنّي ما عدت راغباً في الاستمرار بالشرب، فقد كنت راضياً عن حالتي على وضعها حيث ارتفعت معنوياتي بعض الشيء· ألقيت نظرة من النافذة ثم نظرت إلى الداخل فشعرت ببعض الخوف من الأماكن المغلقة· قرّرت أن أخرج لأتمشّى· ربّما كان الكحول هو الذي منحني هذه الشجاعة المباغتة للمشي في الشوارع ليلاً· كنت أشعر بشيء من الخدر إزاء مشاعر الخوف وبدرجة عالية من اللامبالاة· وهكذا مع تقبّل إمكانيّة الخطر وتجاهله في الوقت نفسه، خرجتُ للمشي·
مشيت في شارع يافيه - نوف حيث تقع شقّتي· ناظراً من أعلى جبل الكرمل، كان بإمكاني أن أرى تلال حيفا الخلابة، والميناء، والخليج، وخطّ الأضواء الكهربائية على جانبه المقابل ممدوداً حتى مدينة عكا وغيرها من المناطق المأهولة· صعدت التلّ حتى وصلت إلى مركز الكرمل· ظللت أمشى حتى وصلت إلى حديقة عامة فيها نافورة وبعض المقاعد· كان باستطاعتي أن أشمّ رائحة الكلور في الماء· إنها رائحة أستمتع بها دائماً فهي تذكّرني بأيّام الصبا عندما كنت أسبح في البركة القريبة من مركز الكرمل·
الإضاءة في الحديقة كانت خافتة تنبعث من لمبات عُلقت على أعمدة معدنية عالية· حين دخلت الحديقة، لمحت امرأة شابة تلاعب عصيّ البولنغ في الهواء· بدت كما لو اقتطعت من فيلم لفيليني· جلست على مقعد وبدأت أراقب تقاذفها للعصي· كانت النافورة إلى يساري وكنت ما زلت أشمّ رائحة الكلور وأسمع صوت طرطشة الماء· كانت الفتاة تتقاذف العصي بمهارة بالغة؛ بالكاد كانت العصي تقع من يدها· كان الطقس بارداً رغم أنّني لم أكن أشعر به لِما كنت قد شربته· أخرجت سيجارة وبدأت أدخّنها مستمتعاً بزهو بتلعيبها بين أصابعي· كانت المرأة نحيفة وشعرها أسود طويلاً يلوح برقّة مع النسيم· رغم المسافة التي كانت بيننا، إلا أنني تبينت جمال وجهها· راقبتها وهي تنظر إلى الأعلى نحو عصيّ البولنغ المتطايرة وشعرت بالراحة مما حولي· كانت ذراعاها تتحركان بينما ظل باقي جسدها ساكناً كالتمثال· عندما أنهيت سيجارتي شعرت بأنه لا يجوز أن ألقي بها على الأرض، ولهذا توجّهت نحو سلّة القمامة ورميتها فيها· ثم مشيت لأقترب من هذه المرأة وراقبتها عن مسافة أقرب· قرّرت أن أتحدث إليها، ورحت أستذكر ما تيسّر من افتتاحيّات التعارف· أخيراً، وقعت عصا من يدها على الحشيش بالقرب مني· رفعتها وناولتها إياها·
قلت لها باسماً: “إنك تجيدين هذا العمل” وأضفت: “سررت بمراقبتك تلاعبين العصي·”
أخذت المرأة العصا وقالت باللغة الانجليزية: “أعذرني· أنا لا أتكلم العبرية·”
كرّرت ما قلته باللغة الإنجليزية· قالت: “شكراً، هل كنت تراقبني منذ وقت طويل؟”
أدهشني أنها تحدثت إليّ باللغة الإنجليزية، فمن مظهرها كنت شبه متأكد من أنها إسرائيلية· قلت: “نعم، أظنّ ذلك· لقد جلست على المقعد نحو خمس دقائق· أين تعلّمت تنطيط العصيّ بهذه الطريقة؟”
- “لقد تدرّبت بنفسي·”
- عقبت: “يا سلام، رائع”
نططت المرأة العصي· “لقد اشتريت هذه العصي لتوّي وبدأت التدريب؛ يمكنك أن تقوم بأيّ عمل إذا ما تمرّنت عليه·”


