"الصندوقة" مججموعة قصصية للكاتبة الفلسطينية رجاء بكرية، الصادرة عام 2002 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، نقرأ من أجوائها:
أنت هنا
قراءة كتاب الصندوقة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

الصندوقة
الصفحة رقم: 1
الصندوقة
توقعت أن أراه يوماً ما متلبساً في شروده، لكن ليس يوم الثلاثاء، أكثر أيامي فوضى وصعوبة، وليس بقرب المكان الوحيد الذي أزوره ما يزيد على ثلاث مرات أسبوعياً، حيث العلبة الحديدية الصغيرة· ذات ثقب معتم، تتجاوب شيفرته مع مفتاح برونزي صغير، يتعلق منذ سنين بسلسلة ذهبية تلف عنقي· لا أذكر تماماً، لكن، يجوز أنه أول رجل شعط حروف أعضائي الأولى، قدمها إليّ· أضاء بعدها بريق ما زال يفتنني في عيني اليمنى· وكلما صافحت ظلالي مرآة الحائط القديمة ارتعد من غزّة ألقه قلبي· هذا المكان لا أرغب في رؤية أي من صور الماضي الكالحة أو الحاضر المشوشة قريباً منه خوفا من عواقب صدفة ستتحول إلى مصيدة يضبطني على بابها كل من يعرف أنني مغرمة بالمفاجآت، فأفقد صلتي بالعالم للأبد· ذلك لأن تلك الصندوقة الصغيرة يعتبرها من يعرفني علامة مميزة لوجودي، وفقط من يرى لهفتي والصندوقة الصغيرة تغامز المفتاح بكلمة السر وهو معلق بعنقي سيفهم ما أعني· وأن تصطدم بلاهتي خلف النظارات السود، ومقود السيارة المرتعد ببلاهة شاهر المتشككة والفزعة · بعدساته الطبية ذات الإطار الأسود ومقود سيارته المتخلي عن كل علاقة له بطابور السيارات الطويل، وطابور الشتائم، واستغاثات الزامور العصبي أمر لم يرد بالحسبان · تكهربت خطوط الشارع وعقول الناس بلحظة الصدام العشوائي تلك · شاهر الزفت وفي هذا اليوم، ببساطة أمر غير معقول· قبل بضعة أشهر فقط كان حكاية وَلَهٍ وشوق · طوال شهور عديدة ظلت صدفته محض حلم مرهق باستحالته· واليوم بالذات ونحن على مفترق السوء والاستياء معاً نجتمع، حيث كلانا متورط مع نفسه ولا يريد أن يتراجع عن قراره السفيه أنت هناك وأنا هناك ويا دار صيري دارين
لكن شاهر منذ صارت دارنا دارين لم يتركني بحالي، صار جزءاً من الوسادة والملاءة والضوء الأحمر الذي لم يشعل سوى عتمة ليالينا الساخنة، جزءاً من الحلم والكلمات التي أرسلها بالبريد المستعجل لعنوان خيالي، وغرضاً من الأغراض التي تنقص البيت ويحب أن أشتريها من أقرب حانوت أو صيدلية، حتى اقتنعت أنه لا بد كان يترك شيئاً منه في كل مرة يأتي لزيارتي، وفي ساعات غيابي تعارفت تلك الأشياء وقررت أن تصير شاهراً آخر يناكدني، ويفسد علي وجودي· يذكرني بجنونه ومجون أصابعه الطويلة الرشيقة التي لا أذكر أنها نسيت وهو في أقصى لحظات نشوته أن تذكرني بأنوثتي، وتشبع كل شبر يضج فيها· لأعيد النظر في موقفي، فيرضخ هو ويحذو حذوي· لقد جعل من أصابع يديه مفاتيح للأقفال المغلقة والصندوقة الحديدية بالذات التي استجابت شيفرتها لإحدى أصابعه·
لم أدر كيف ولم يكن يعنيني أن أعرف إذ كنت منساقة لغرائبية تلك العلاقة التي انبثقت تحت لامبة كهرباء محترقة جاء يكشف عن عطبها فعطبني أنا بناره واشتعل بدخاني· أمر تلك الألفة السريعة صعقني، فلم يحدث أن استجبت لرجل من قبل بتلك السرعة وبتلك الوحشية· حائط الجليد ذاب عند أقدام الباب المنفرج نصف فرجة · شعرت فجأة أن أصابع يديه تتحدث وأنني مضطرة للإصغاء إلى حديثها ولو استدعى الأمر إرغامه على السماح لي بذلك، لكن الحديث استحال همساً ·· لغطاً ·· ضياعاً ·· رغبة ·· صراخاً· مشى مشى ولم يتوقف حتى مشت فينا سحب العتمة·
للحظة نسينا أننا في شارع· زجاج النظارة السوداء يتحداه· إنه بلا شك نسي شكلي ولا بد أن تعابيره المنقبضة الواضحة خلف الزجاج الأبيض تبحث عن شيء ما، ربما هوية المرأة الواقفة بمواجهته تستفزه بزعيق سيارتها الرمادية، أين رأى هذا اللون قبل الآن ؟ ضيق نظراته تتسع أمامها تفاصيل الأمس، أتكون هي ؟ بوق السيارة صرخ ثانية، أرادت أن يفسح لها المجال كي تنخرط بالجهة اليمنى للشارع وهو كأبله لا يفهم أنها الصدفة وحدها خلقت هذا الصدام وأنها لا تعاكسه، عبثا ًلن يفهم ولن يتذكر· للمرة الثالثة فحّ بوق السيارة بوجهه ولم يحرك ساكناً، ظل يبحث عن شيء لا تفهمه ·
ضاقت نظراته فجأة وجمدت ملامحه، كأنما استفاق من حلم · تدحرج بين حشود السيارات المتزاحمة على المقدمة· اندفعت في إثره مشدودة لقوة غريبة تجذبها ولا تملك ردعها· صار همها أن تجده لتشتمه أو تبصق بوجهه، أو أن تفعل أي شيء آخر يهدئ من روعها ويمنحها قليلاً من الكبرياء · المهم أن تفعل شيئاً· بصعوبة سيطرت على ارتجاف ساقها فوق دعسة الوقود· تتجاوز المؤشر في ضوء أحمر· تستبق السيارات وتشتم كل من يحاول زجرها ببوق سيارته عن حرية العبور من جهة لأخرى كأن الشارع مُلك أبيها، تقاتل على كل شبر فيه· حيوان جريح يحاول أن يقتص من قانص أخطأ قلبه واستقر رمحه في عنقه · يجري في كل اتجاه بحثاً عن ملامحه فتخونه الوجوه· لن أرتاح إلا إذا عثرت على وجهك يا شاهر، أين ضعت أين؟ استقرت عيناها فجأة على مؤخرة سيارته البيضاء، النمرة تحفظها عن ظهر قلب· ضغطت على الفرامل بقسوة خوف أن تضله وتقدمت الهوينى وهي ترتجف· أسلمت صفحة وجهها الكامدة لكلام عينيه، كان لشدة توتره لا يقرأ· أسقطت عنها الصفائح السود لتستفزه أكثر فليس مثلها أحد يعرف مدى ولعه بالحديث الذي تقوله عيناها، لأقل من دقيقة حيث استعد المؤشر للإفراج عن الوقود · أعادت الصفائح السود فوق عينيها· كف الكلام عن التدفق ولم يكف فضولها عن شرب وجومه· وقبل أن تمضي رأت يداً تشبه يدها تمتد عبر الزجاج، ترتفع عالياً، وتلوِّح لشخص شاهر بحرارة لم تفهمها· تصفعه بطريقة عصرية وتختفي في آخر المنعطف بينما اعتلى الرصيف وترك نظراته تضيق تضيق وتتذكر·
حيفا 1997

