المجموعة القصصية "القصاصون على سجيتهم" للكاتب عمار الشقيري هي الأولى له، وتضم المجموعة قصصًا فريدةً بأجوائها، تبحث عن حقائق إنسانية وكونية مثقلة بصنوف من الحيرة وهموم التوتر والألم والتعب بيد أنها لا تنفك في بحثها الشاق عن قبس من سعادة أو افتتان بفرح.
أنت هنا
قراءة كتاب القصاصون على سجيتهم
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 4
كهلان يائسان، يَجلِسان كُلَ لَيلةٍ، ويَقضُمانِ الوقتَ الفائِضَ بِذكرياتٍ نَما عَليها غبارٌ كَثيف، يُمنيانِ النَفسَ بِحنينٍ الى زَمن بَعيد، زَمنٍ كادَ يُدفنُ لولا نوباتِ التَذكرِ التي تَلمُّ بِرأسِ العَجوز، فَيُرسِلُها صَادقة وجَافة، هكذا مِن غيرِ مُقدمات، فَتأتي دائماً كَوقعِ ملحٍ على جُرحٍ نَديّ لهذه النِهاية التي تَدنو مِنهُما ولا تُصيبُهُما، فَلرُبَما تُدرِكُ النهاية نفسها، أنْ مِن واجِبها أن تُؤخرَ مَوعِدها لِيشهدَ " الماركسيان " المَشهدَ الأخير.
نَشرةُ الأخبار
مرةً أُخرى، على بَابِ الدُكانِ القَديم، حيثُ وَضعَ صَاحِبهُ تِلفازاً على طاوِلةٍ منخفضة، جَلسا يَستَمِعانِ بصمتٍ لنَشرةَ الأخَبار، لم يَدع " الماركسيّ العجوز " بِتعليقاتِهِ المُتتالية وشتائِمهِ مَجالاً لأيٍّ مِن رَفيقهِ القَديم ولا صاحِبِ الدكان أن يُتابِعَ تَفاصيلَ الخَبر وإنعِكاسه الذي أطالَ المُذيعُ في شَرحِه وتَحليلِه، "فَالماركسي العجوز" يَرى أن الحقيقةَ لا تُؤخذُ ـ أبداً ـ مِن أفواهِ المُذيعين والمُحللين أصحابِ رَبطاتِ العُنق والوجوه الأنيقة.
- " الحقيقة تمشي بين الناس " قال لَهما، ثمَ أدارَ وجهَهُ لِجههٍ ما وأكمل:
- " ومن يُريدُ مَعرفَتَها لِينزل الى الشَوارِع ومَحطاتِ الحَافلات والأحَياء الفَقيرة ".
لم يتغير شيئ
طويلةٌ هي المدة ، التي قَضاها "الماركسي العجوز" ورفيق دربه، وإنشِغَالَهُما بِثرثرةٍ مَجانيّة وعاديّة عَن تَفاصيلَ عَاديّة أعمى قَلبيهِما عن خَيطِ الوقتِ الطَويلِ، فناما بعمق ودون قلق في الحَافِلة، حالمين كلٌ على حده بحلم خصوصي لايتشاركان فيه، مع أن هدفيهما كان واحداً، مخرا شَوارِعَ حلميهما مثلما كانت الحافلة التي تقلهما تمخر اسفلت المدينة البعيدة وتَلتَفُ في مُنعطفاتٍها، وعند نهاية درب الحافلة أفاقا وفي كلٍ منهما أثر من حلمهِ، لم يستطع " الماركسيّ العَجوز " إلا أن يَلتفتَ الى رَفيقهِ القَديم الجَالِس بجواره مُتذكراً شيئاً من حلمه ومختلطاً بشيء من الواقع
همس العجوز لِرفيقهِ:
ـ أتغيّر شيء منذ بداية الرحلة؟
هزّ رَفيقهُ القَديم رَأسهُ :
ـ ربما شكل الحلم.


