يهدف هذا البحث إلى دراسة ظاهرة اغتراب شخصيات الطاهر بن جلون الروائية، إذ يطرح تساؤلات تشمل كل انواع اغتراب شخصياته في رواياته الاثنتي عشرة كالاغتراب الذاتي، الاجتماعي، الاقتصادي، الديني، المكاني، الوجودي، الزماني، اللغوي، ليشمل رد فعل الشخصية المغتربة كالان
أنت هنا
قراءة كتاب الاغتراب - دراسة تحليلية لشخصيات الطاهر بن جلون الروائية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

الاغتراب - دراسة تحليلية لشخصيات الطاهر بن جلون الروائية
الصفحة رقم: 6
أما عند حديثنا حول الاغتراب الاقتصادي(Economical Alienation) فلا بدّ لنا من التوقّف عند المنظّر الأوّل كارلس ماركس (Karl Marx) ،
والذي يعدّ المنظّر الأكثر شمولية في الحديث حول الاغتراب الاقتصاديّ. ينظر ماركس للاغتراب باعتباره العملية التي يفقد الفرد خلالها قدرته على
التعبير عن ذاته التي تحولت وصارت تبدو متمثلة في استغلال إنتاج العمال بواسطة الرأسمالي. (الشتا، 4 8 9 1، 5 2 1 ) فعند الأخذ
بتقسيم العمل كما يقول ماركس يغدو لكل امرئ مجال محدد ومغلق لتقسيم العمل مفروض عليه ولا منجاة له منه، فيصبح صائداً للحيوانات أو للأسماك أو
راعياً، ويتعين أن يظل كذلك إذا لم يشأ أن يفقد وسائل كسب معيشته. (شاخت، 0 8 9 1، 63) ويذكر ماركس الإنسان المغترب عن ذاته عند تناوله
(للعمل المغترب) فمن خلال الانغماس في الانتاج فحسب يصبح وجود الذات متحققاً بصورة واقعية (شاخت، 0 8 9 1، 3 3 1 )، أما إميل
دوركايم (DURKHEIM, 1 9 4 6) الذي يختلف وماركس اختلافا طرديا، فإن كان ماركس يرى أن تقسيم العمل سبب
للاغتراب، فإن دوركايم يرى أن تقسيم العمل ضروري لتحقيق الانسجام والتماسك داخل القيم الاجتماعية.
أما الاغتراب الاستهلاكي ( Consumptive Alienation) فلقد تناوله فروم من خلال نقطتين رئيستين، الأولى تخص طريقة الحصول على
الأشياء، أما الثانية فتتعلق بانفصال حاجتنا البشرية عن الأشياء التي نستهلكها... فإذا كنت امتلك النقود فإني أستطيع أن أحصل على لوحة رائعة، بالرغم
من أنني قد لا يتوافر لدي أيّ تقدير للفن، إنني أستطيع أن أشتري مكتبة، بالرغم من أنني لا أستخدمها إلا من أجل الزينة، إنّ مجرد ملكية النقود تمنحني
حق الحصول على أي شيء أريده والتصرف به كما أشاء. (حماد، 5 9 9 1، 5 1 1 ) وبذلك يسعى الفرد إلى تحقيق وجوده بقدر ما
يستهلك (أنا موجود بقدر ما أملك وما أستهلك). (فروم، 9 8 9 1، 74).
ونبدأ عن حديثنا حول الاغتراب الديني (Religious Alienation) بتعريفه اللغوي، فلقد وردت في مختار الصحاح عدة
معان لكلمة (الدين) منها : العادة، والإذلال، والجزاء والمكافأة، والطاعة (الرازي، 4 5 9 1، 7 1 2 /8 1 2 )
وقد كتب (ماركس وانجلز) في (الأديولوجية الألمانية، 5 4 8 1) أن الناس في الماضي كانوا يصنعون لأنفسهم مفاهيم زائفة عن حقيقتهم وما
ينبغي أن يكونوا، وكانوا ينظمون علاقاتهم طبقاً لفكرتهم عن الله وعن الإنسان السوي.. إلخ... ولكن هذه المفاهيم والأشباح التي صنعتها أدمغتهم خرجت
عن سيطرتهم، وخضعوا - وهم الخالقون- أمام مخلوقاتهم. (كرم، 9 6 9 1، 92) كما يوافقهم شاخت الذي يرى أن الإيمان بالعالم الآخر هو عادة علامة
على الاغتراب عن هذا العالم وعن المجتمع الإنساني وعن ذات الإنسان (شاخت، 0 8 9 1، 52)، كردّ على فلسفة (تشيليش) التي ترى أن الوحدة
الجوهرية تتضمن وحدة الله والإنسان، وتعد الخطيئة حالة من الغربة عن الله. (شاخت، 0 8 9 1، 5 7 2 ).
أما الاغتراب الوجودي (Existentialist Alienation ) فيستخدمه نقاد الأدب والفن للتعبير عما يستشعره الإنسان المعاصر من
غربة كونية، وما يحسه من زيف الحياة وعقمها، وما يلحظه على علاقات بعض الأفراد ببعضهم الآخر من سطحية واستغلال للإنسانية. (محمود رجب،
8 7 9 1، 7)، وتكتسب هذه الظاهرة بعدا زمانيا يمتد إلى بدايات تشكل الحضارات الإنسانية، فهذا أفلاطون مغترب عن المجتمع الأثيني، وعن
ذاته أيضا، إذ يرى أن الجسد هو مقبرة الروح، وذلك يعني أن الروح محبوسة في الجسد وأن الحياة هي منفى واحد طويل وأن الخلاص يكمن في الموت
وحده، فأن تكون ذاتاً يعني أن تكون غريباً. (شاخت، 0 8 9 1، 22) وكان تشبيه العالم بالمسرح عند أبكتيتوس (05 - 8 3 1 p.m) يأخذ بعدا
وجوديا، فالإنسان ممثل في مسرحية اختار المؤلف طابعها العام، فإن أراد أن تكون المسرحية قصيرة، فهي قصيرة، وإن
أرادها طويلة فهي طويلة، وإن أراد منك أن تقوم بدور رجل فقير، فعليك أن تلعب الدور بكل ما تملك من قدرات، وكذلك
يكون إذا كان دورك دور كسيح، أو قاض، أو رجل عادي. ذلك أن مهمتك هي أن تقوم بالدور الموكل إليك وأن تؤديه على أحسن وجه، أما الاختيار
وتوزيع الأدوار فمن شأن إنسان آخر. (محمود رجب، 8 7 9 1، 77)

