كتاب "في ذكرى رفيق" حول تجربة الشاعر الليبي "أحمد رفيق المهدي"، ولد من يكنى بـ ( شاعر الوطن ) ، فى وطن لم يكن وطنا فى زمن الوطن فيه هو الكون .. فى يناير 1898م .
أنت هنا
قراءة كتاب في ذكرى رفيق
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
وجود رفيق
الثقافة في بنغازي خلال فترة الاحتلال الإيطالي
وهبي البوري
لم تغير إيطاليا طيلة العهد الفاشستي سياستها أو عدلتها إلى الأفضل ، فقد ظل تعليم أبناء العرب مقتصراعلىالمرحلة الابتدائية وعلى ثلاث سنوات إعدادي لمن يرغب فى تعلم حرفة بمدرسة الصنائع ،ولم يكن سهلا على الناس إلحاق أبنائهم بمدارس خارجية باستثناء قلة من القادرين ، ومع ذلك فإن ليبيا كجزء من العالم العربى لم تنقطع أبدا صلتها بلغتها وتراثهاعبر القرون ورغم المتغيرات السياسية والاجتماعية التى عرفتها المنطقة .
ووجدت إيطاليا عند الاحتلال مدارس وصحفا ومعاهد دينية كما وجدت نخبة من العلماء والمثقفين الذين حافظوا على التراث العربى رغم ما مرت به البلاد من أحداث مؤلمة وحروب وضياع . غير أن الجيل الذى ولد وترعرع فى فترة الاحتلالالإيطالي تعرض لطغيان موجة الثقافة الإيطالية الجارفة والتى استهوته وتقبلها فى نفس الوقت يصارع من أجل الاحتفاظ بهويته ولغته وآدابها ، وقد وجد فى الجيل الذى سبقه فى التعليم من أمسك بيده وعزز ارتباطه بماضيه وفتح هؤلإ العلماء بيوتهم وقلوبهم لتعليم الشباب لغتهم وثقافتهم وأصول دينهم ، وكان من بين هؤلإ الخيرين الأفاضل : الشيخ رجب عثمان والشيخ أحمد مرسى والشيخ بوختالة والشيخ الصفرانى والشيخ خليل الكوافى وغيرهم .
ولاشك أن هذه المبادرات الفردية كان لها تأثيرها الإيجابي وشجعت على إحياء الثقافة العربية التى ظلت بسبب الاستعمار ومآسيه كالنار الخامدة تحت الرماد تنتظر من يحركها لتستعيد اشتعالها ، وفى اعتقادنا أن عدة عوامل قد ساهمت فى بعث الثقافة العربية والاهتمام بها :
أولا : دور المطبوعات المصرية التى كانت تصل بنغازى ، فقد أقبلت الفئة المتعلمة وخاصة الشباب على قراءة مجلات : الرسالة - الهلال – أبولو التى كان يكتب بها عمالقة الأدب العربى وكانوا يناقشون مقالاتها فى جلساتهم وسهراتهم ، وكان تأثيرهما عليهم كبيرا.
ثانيا : الرغبة فى العودة الى الأصل والتمسك بالتراث فى وجه الغزو الثقافي الإيطالي وسياسة التمييز العنصري .
ثالثا : صدور مجلة ليبيا المصورةفى أواخر عام 1935م التى أرادها المستعمر بوقا للدعاية لتحقيق أغراضه فتحولت تدريجيا الى مجلة عربية حافلة بالشعر والمقالات الأدبية والتاريخية والقصة الليبية. ووجد المثقفون فيها الوسيلة لنقل أشعارهم وأفكارهم إلى غيرهم من المواطنين وساهم فيها الكثير من الكتاب من طرابلس ودرنة وغيرها من البلاد الليبية .
رابعا :وجود رفيق قاعدة أساسية فى بناء النهضة الثقافية الحديثة فى ليبيا ، وقد بدأ دوره فى هذا الميدان عندما كان لا يزال فى مقتبل العمر وقد سر آنذاك بانتصار مصطفى كمال على اليونان ذلك النصر الذى هز العالم العربى والإسلامي ، فنظم قصيدته فى ذلك . وبالرغم من أن أحمد رفيقا اضطر إلى الابتعاد عن الوطن والإقامة فى تركيا مرتين : الأولى فى العشرينات والثانية فى الثلاثينات،إلا ان صلته بأصدقائه لم تنقطع وظلت أشعاره تصلهم حاملة معها حنينه وأشواقه للوطن ومشاعر الأسى والألم لفراقه . ومن المعتقد أن تأثير رفيق فى الحركة الثقافية ظهر بصورة أكثر وضوحا فى فترة الثلاثينات التى نظم فيها أجمل وأبلغ قصائده ، فقد وجد أمامه بوادر نهضة أدبية ووجد من الشبان المولعين بالشعر والأدب يلتفون حوله ويدفعونه الى المزيد من العطاء الفكري . لقد كان رفيق مدرسة قائمة بذاتها ، فقد جمع بين الشعر والأدب والوطنية وإباء النفس والشمم ، وأصبح مثلا وقدوة للشباب ، وكان الشعراء من درنة الى طرابلس على صلة به وفى مساجلات معه ، وعندما دعي لزيارة درنة أعجب بجمالها وبخلق أهلها وأنشد قصيدته الشهيرة التى مطلعها :
قلت لما رأيت درنة ما هذا
تباركت ربى أحسن الخالقين
وسهى رفيق خلال زيارته لدرنة عن زيارة شاعرها محمد عبد القادر الحصادىفأرسل إليه بقصيدة عتاب لإهماله زيارته ورد عليه رفيق بقصيدة إلا أنها لم ترق للحصادى وأتفق الطرفان على الاحتكام لشاعر ليبيا الكبير أحمد الشارف ليصدر حكمه فى النزاع .
وهذا مثل للجو الأدبي الرفيع الذى أوجده رفيق والذي شمل كل ليبيا والذي كان يدل على أن نهضة أدبية جديدة فى الأفق تنبثق من خلال الأنقاض التى خلفها العهد الإيطالي .


