أنت هنا

قراءة كتاب تحت حوافر الخيل ومتراس أبو فياض

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
تحت حوافر الخيل ومتراس أبو فياض

تحت حوافر الخيل ومتراس أبو فياض

المجموعة القصصية («تحت حوافر الخيل»، و«متراس أبو فياض») الصادرة عن  دار الفارابي، أبدع الكاتب الراحل محمد عيتاني فضاءات ثقافية خصبة وأصيلة بشكل عادي، في القسم الأول من المجموعة: «تحت حوافر الخيل» حت

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 8

ـ أحضروا، لكن ما من أحد من إخوتك أو أخواتك ذاق لقمة، ما عدا الصبيان الصغار.
وسمعت بكاء من داخل غرفة نوم البنات. ذهبت. كانت شقيقتي عائشة منطرحة على فراشها، مستغرقة في بكاء مرير. وعائشة هي الكبرى في الرابعة عشرة. كانت تنوح: ماما. ماما. الله يسامحك يا بابا! هيك خليت ماما تروح من البيت؟ وآخرتها مع هالسبق؟ كانت عائشة تبكي بمرارة وحرقة، وتتساءل: وآخرتها يا ربي؟ لماذا خلقت الخيول؟
جلست أحاول تهدئة أساها وحزنها، لكنني في النهاية انخرطت معها في البكاء.
وانضمت إلينا أختنا فاطمة وهي سمراء، في العاشرة، أما عائشة فشقراء، أو كستنائية الشعر، ذات عينين زرقاوين، وكانت نحيفة الجسم مثل أخي الأكبر زكريا، بعكس فاطمة، التي كانت مثلي بدينة بعض الشيء.
كان إخوتي الصبيان، هاشم وأحمد ورضوان، تتراوح أعمارهم بين الخامسة والثامنة، وجميعهم في المدرسة الابتدائية، «يتهارشون» على حجرية الدار ذات البلاط الأبيض المنقوش بمربعات سوداء. كان الطقس ربيعاً. وجميعنا على أهبة الامتحانات. صاح أخي هاشم وهو الأوسط بيني وبين زكريا شقيقنا الأكبر:
ـ يكفي لعباً يا أولاد. هيا إلى الدرس.
كان الصبيان الصغار قد تناولوا شيئاً من الطعام. حزنوا لخروج أمهم في البدء، ثم نسوا الأمر، وغمرتهم موجة الطيش، فانصرفوا إلى اللعب، في المقهى أولاً. عند الصباح، ثم في حديقة المنزل. وهم الآن يتصارعون على أرض الدار. أظن أن هاشماً كان أعقلنا، وإن كان أكثرنا شبهاً بوالدنا من ناحية القامة، والصوت، وقوة الشخصية. لم يكن أكبرنا، لكنه كان أحب الصبيان إلى بنات البيت، وبنات الجيران. كان وسيماً حقاً، وجميل المنطق. كنت في غرفة عائشة، أشاركها البكاء، كما أسلفت، حين دخل هاشم، وجلس على طرف الفراش، وأخرج محرمة من جيبه، على مرأى من عائشة، ووضع المحرمة على الحصير، ثم انطلق يبكي معنا بصوت مضحك غريب ويقول نائحاً: مبارح ماتت حماتي من أكل المهلبية! طلقت مرتي تايصير عندي حماة ثانية. «واع! واع!» كان حزن عائشة شديداً. فلم تؤثر فيها هذه الدعابة المضحكة؟ أما أنا، وقد كنت في نهاية وصلتي الباكية، فقد رحت أضحك تارة وأبكي تارة أخرى. وحين لاحظ هاشم أن عائشة لم تتأثر بمزاحه، قال يخاطبها:
ـ تذكرين يا عائشة أن هذه حالتنا منذ سنين. أبونا وأمنا يختلفان، بسبب السباق ثم يتراضيان بعد قليل. كبري عقلك يا عيوشة. الآن عندك مسؤوليات. ولو لهذه الليلة فقط إذا لم تعد أمنا مع والدنا. لقد فهمت من أخينا علي أن والدنا ذهب لإحضارها من بيت جدك. والآن عليك أن تتذكري أنه ما من شجار بين أبينا وأمنا دام أكثر من يومين. وعليك الآن أن تكوني أنت الأم مؤقتاً. وأمامك واجبات تجاه أشقائك الصبيان الصغار.
هدأ بكاء عائشة قليلاً، وراحت تشكو الحال بلهجة مريرة. وشاركها هاشم ثم قال لها: معك حق في كل شيء. ولكن ما ذنب الصبيان الصغار. وهل تقبلين أن يناموا ببذلاتهم الوسخة، وأيديهم وأرجِلهم ووجوهم القذرة، قومي وخذيهم إلى الحمام و»اصمتيهم» كالعادة.
قالت عائشة وقد تحركت في داخلها عاطفة غريبة ظهرت في ارتعاش صوتها: هذا كله صحيح. لقد فهمت عليك يا هاشم. وسأنهض إلى الصبيان الصغار على الفور.
وبعد قليل كان أكثرنا جالساً على هذه الكنبة أو تلك يراجع دروسه حين جاء أعمامي الثلاثة بكري وخالد وراشد وزوجاتهم وبعض أولادهم وإحدى عماتي؛ كان الأول دهاناً والثاني بائع كاز على الطنبر والثالث معلماً ابتدائياً. وسرعان ما فهموا موضوع غياب أمنا وأبينا، فجلسوا يهاجمون والدنا في البدء، ثم سرعان ما تحول هجومهم إلى الجانب الآخر، ضد أخوالي. قال عمي بكري: أشقاء أم زكريا هم الذين جعلوها تطمع. وماذا ينقصها في حياتها؟ أدام الله عليهم هذه النعمة. ورفع يده من تحت إلى فوق كأنه يضرب الفرشاة الآخيرة في جدار انتهى من دهانه.
وسانده عمي الأوسط خالد، بائع الكاز، قائلاً بلهجة لا تخلو من حدة وهو يفتل شاربيه الأسودين الكبيرين، المصفرين في بعض مواضعهما من كثرة التدخين، كما أظن:
ــ إنه تحكم. اصحابنا آل «تمر هندي» يريدون أن يتحكموا بأخينا. ونحن لا نرضى بهذا. متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ ـ وختم موجة السخط هذه عمي الأصغر المعلم الابتدائي، إذ صاح: ـ هل السادة الأكارم، أنسباؤنا الأفاضل، آل «تمر هندي»، ابراهيم ومحمد علي وقاسم، هم أولياء أمر أخينا... ومن الذي جعلهم أوصياء عليه؟ إنهم لا يرون كدحه ليل نهار في المقهى، وتحسينه أراضيه في «خندق ديبو» و«السليخ» و«الزاوية». لا يرون سوى ذهابه يوم الأحد، ساعة أو ساعتين لكي يتسلى في التفرج على الخيل. وأنا أتساءل: هل حدث يوماً واحتاج إلى أنسبائنا الكرام بقرش واحد؟ هل ضايقهم بطلب ما، في يوم من الأيام؟ إنهم يقولون: المستقبل. المستقبل. ويقرأون علينا الجفر دوماً وهجوم الأعور الدجال. حلوا عنا بقا!
وقال عمي بكري، وهو متضايق ضمن سترته الكحلية التي لم يعتد ارتداءها إلا في المناسبات الهامة، والظاهر أنه كان مشتركاً هذا اليوم في عقد قران أحد الناس أو تعزية بمرحوم جديد، أو يهنىء بختان أحد صبيان المحلة:
ـ هؤلاء الجماعة، آل «التمر هندي» بدلاً من أن يدعوا الله إلى أن يهدي أخانا، ويرشده إلى الصراط المستقيم، ويلهمه أن يوقف بيع البيرة في مقهاه، وينفضوا يدهم من دس أنوفهم في مشاكله وشؤونه اليومية، فإنهم يشجعون زوجته أم زكريا دوماً على هجره.

الصفحات