المجموعة القصصية («تحت حوافر الخيل»، و«متراس أبو فياض») الصادرة عن دار الفارابي، أبدع الكاتب الراحل محمد عيتاني فضاءات ثقافية خصبة وأصيلة بشكل عادي، في القسم الأول من المجموعة: «تحت حوافر الخيل» حت
أنت هنا
قراءة كتاب تحت حوافر الخيل ومتراس أبو فياض
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
وخلط عمي خالد الورق، وبدأ يوزع الأوراق، وفي هذه الأثناء دق الباب. وفتحته أنا، كان أحد أبناء محلة «الصنوبرة»، حيث يقطن جدي وأخوالي. سألني: هل يوجد رجال في المنزل يا عمو؟
قلت له: نعم. أعمامي هنا. قال: استدع واحداً منهم فقط. قل له تيسير التوتنجي يريد أن يقول لك كلمتين.
ولم يسمح لي تيسير ولا عمي بأن أسمع ما يدور بينهما. لكن عمي بكري حين عاد إلى الدار، حيث يتوزع أعمامي وزوجاتهم وأولادهم وعمتي نفيسة على الكنبات ذات القمصان البيضاء لم يستطع أن يتمالك نفسه فصاح:
ـ لقد ضرب آل التمر هندي أخانا أبا زكور بالسكاكين.
وارتفع الصياح في المنزل، وأصبح في شبه مأتم. قال عمي بكري:
ــ لقد أرادها آل «التمر صرماية» معركة، فلتكن معركة. إتبعوني يا أولاد إلى المنزل لنأخذ بنادقنا ونقاتل أولاد الكلب، سوف نفنيهم عن آخرهم، وسوف ننهب أبقارهم وحميرهم ولن نرحم الديوك. وتذهب نفيسة ـ وأم عصام، زوجة أحد أعمامي ـ إلى المستشفى لتفقد حالة أخينا...، وقال عمي بائع الكاز: إذا أخذ أخونا «لابور مفتوح» فيجب أن نطالب بتعويض لا يقل عن خمسة وعشرين ألف ليرة.
واقترح عمي، المعلم الابتدائي: لازم تلقطوا الحكيم من هلق وتبرطلوه. هذه نصف ليرة أفتتح بها التبرعات لهذا المشروع، قالت له نفيسة غاضبة: نصف ليرة؟! خليها معك كول فيها بسكوت وراحة! ضمير الحكما غالي يا أستاذ!
وحين أرادت زوجة عمي راشد، المعلم الابتدائي، أن تخرج مع الجماعة، سألها عمي الأستاذ:
ـ إلى أين؟
ـ ذاهبة إلى المستشفى.
ـ كلا. بل إبقي هنا مع الأولاد، فهذا ضروري وأفضل.
ـ صحيح. ولكن لماذا لم تطلب إلى غيري أن تفعل ذلك؟
ـ أرجوك يا وفاء. الأولاد بحاجة إلى رعاية الآن. والموقف لا يحتمل الجدال.
كانت قوى الأمن تنتظر أعمامي عند مفارق الطرق. فاعتقلتهم جميعاً مع بنادق الصيد العثمانية التي كانوا يمتشقونها. كان لدى عمي الأكبر جفت صيد ببوزين، لكنه لم يخرجه قائلاً لزوجته: إذا أخذته الحكومة، فالنبي كيك نفسه لن يستطيع أن يعيده إلينا. خليه مطرحه عالحيط. وبيدبرنا الله.
وكانت جراح والدي خطيرة، فقد تمزقت أحشاؤه بشدة، واحتاج لعمليات عديدة. وذهبت أنا ربما في اليوم الثالث أو الرابع بعد العمليات لزيارته. كان يرقد في سرير بمستشفى الجامعة الأميركية. كان هادىء الحركة، ذا وجه أصفر كالزعفران. وجهه أشبه بوجه جثّة منتهية، كتلك التي كنت أرى صورها في الصحف، بعد حوادث القتل. كنت أشعر بحرقة كبيرة في قلبي وأنا أرى أبي ممدداً عاجزاً على هذا النحو. لم يكن يستطيع الحركة. عيناه فقط تحركتا. أظنه عرفني، كان ثقيل اللسان.
ـ عوي... عوي... علـ... علـ... (كان يريد أن يناديني باسمي: علي).
كان في زيارته بعض الجيران وبعض زوجات أعمامي، وأختي عائشة، العجيب أن عائشة تمالكت نفسها، بل راحت تشجع والدنا وتقول له: لا بأس يا بابا. لا بأس. أيام وتعود إلى المنزل إن شاء الله.
فهم عليها ولا شك، إذ إنه رفع عينيه إلى سقف الغرفة، داعياً مبتهلاً.
وكان أخي زكريا يجلس في زاوية بعيدة بعض الشيء، وهو جامد الأسارير. كان يصر بأسنانه، ونقل إليَّ فكرته بسرعة. نعم، يجب الانتقام لوالدنا. ولكن ممن؟ أخوالي الآن في السجن. ووالدتنا بعيدة عنا. كيف تكون حالتك الآن يا أماه؟
بعد أسابيع طويلة خرج والدي من المستشفى، وبديهي أن أكثرنا سقط في امتحانات ذلك العام. وفكرنا، نحن الفتيان الكبار في ترك الدراسة، لكن المعلم أبو سعد الدين، رئيس شغيلة المقهى صرخ فينا:
ـ لا تفكروا في العمل ولا في المقهى. الأمور تسير على ما يرام. فكروا في دروسكم وفي مستقبلكم. ما حدث لوالدكم حادث عابر. وخالكم الذي ثبت عليه الجرم ـ كان هو الخال الأصغر قاسم يقضي الآن «محبوسيته» التي تزيد عن خمس سنوات. وقد باع أخوالكم نصف أراضيهم ليقوموا بنفقات تطبيب والدكم. من جهتي نصحته حين استعاد وعيه، أن لا يسمح بذلك، إذ كان يريد سعدية أمكم. لكنه لم يقبل بإيقاف عملية البيع. والأصح القول إنه كان ضائع الفكر والتقدير. وهكذا تعمقت جراح الانفصال بشدة بين والدكم ووالدتكم. إنني أكلمكم بكل صراحة لأنكم فتيان، لكن الظروف تتطلب منكم الآن أن تكونوا رجالاً. والآن، لقد آن أوان السنة الدراسية، فإلى المدارس أيها الفتيان والفتيات.
كانت أمي امرأة شديدة المراس، حسنة التدبير، سديدة الرأي، فقد تدبرت أمرها، خفية عن أبي، لتستطيع أن ترانا عند إحدى الجارات التي يبعد منزلها قليلاً عن بيتنا. وكانت تسأل زكريا أحياناً، وهي تداري ما يشبه الخجل الذي يكاد يعقد لسانها: وأبوك يا زكريا كيف حاله؟ يتلعثم زكريا. السؤال مفاجىء ومستغرب بعض الشيء، لكن من واجب زكريا أن يجيب، فيقول: أحسن إن شاء الله. لقد سمح له الطبيب بأن يسير قليلاً في الحديقة. ويسكت زكريا، وتكاد العبرات تخنق صوته. وهو لا يضيف إلى قوله إن والدنا كان يسقط في كل مرة يحاول فيها السير بمفرده، بدون معونة عمتي نفيسة، أو إحدى الممرضات اللواتي كان يرسلهن المستشفى لضرب الإبر، وإن بعض جراح والدنا كانت تنفتح مجدداً إثر سقوطه لا سيما إذا سقط على حجارة بركة المياه، أو اصطدم بجذع شجرة. وكان الأطباء يسارعون إلى رتق الجراح. ولم يشف والدنا، ظاهرياً، إلا في أواخر تشرين الثاني.


