كتاب " الفتوحات اللغوية - انتشـار اللغـة العربيـة وولادة اللهجـات في القرن الأول الهجري"؛ للكاتب محمد الشرقاوي، ويأتي في مقدمته:
أنت هنا
قراءة كتاب الفتوحات اللغوية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

الفتوحات اللغوية
يقوم هذا التصور ثلاثي الأبعاد للإيكولوجيا اللغوية على فكرة أن المتكلم الفرد يبتكر في لغته لسبب فردي خاص كأن يجري عملية مماثلة بناء على تعلم غير كامل أو سبب اجتماعي كأن يحاول مسايرة وظيفة تواصلية جديدة من خلال عملية إعادة التحليل، يجب أن يصبح هذا الابتكار مقبولًا في النظم اللغوية المتاحة للفرد المبتكر نفسه فيصبح جزءًا من الإيكولوجيا الداخلية للفرد المتكلم، وإن تم هذا يصبح العنصر الجديد واحدًا من عدد ما من العناصر التي تتنافس فيما بينها للتعبير عن وظيفة لغوية أو تواصلية معينة، فبمجرد أن يستخدم المبتكر ابتكاره اللغوي في الجماعة اللغوية التي يشترك فيها والبيئة الاجتماعية التي يتحرك فيها يتنافس العنصر المبتكر مع بقية العناصر في نفس التعبير الوظيفي، وهنا تفضل الجماعة اللغوية عنصرًا واحدًا على بقية العناصر فتنتخبه للاستخدام بحسب الإيكولوجيا الخارجية التي يتعرض لها هذا العنصر، أما العناصر التي لم يتم انتخابها فإما أنها تبقى في موقع مهمش أو تحصل على وظيفة تواصلية أو لغوية متخصصة أو تذهب للإهمال، أما العنصر المختار فينتشر بالتعلم بين الأطفال الذين يتعلمون لغتهم الأم وبالمسايرة بين البالغين، وفي هذه اللحظة فقط يصبح هذا الابتكار تطورًا لغويًا.
إن الارتقاء اللغوي إذن هو عملية منافسة بين ابتكارات لغوية على نفس الوظيفة التواصلية أو اللغوية، وتنجح في تلك المنافسة لتدخل في النظم اللغوية للفرد المتكلم، هنا يصبح التطور اللغوي مفهومًا مهمًا في عملية التغير اللغوي كلها، التطور اللغوي هو العملية التي قدمتها في الفقرات السابقة أي الابتكار والارتقاء، وهي عملية مستمرة تشمل التراكيب المفردة والنظم معًا، أما الابتكار فلا، إذ إنه مجموعة من السمات اللغوية أو سلسلة منها أو حتى سمة واحدة تعبر عن وظيفة لغوية ورثتها من سمة سابقة، أي أنه خرق للتوازن العشوائي القائم بين الشكل اللغوي والمعنى، عملية التطور اللغوي وعملية الابتكار وما ينتج عنهما هو التغير اللغوي عمومًا. الغرض من هذا الكتاب إذن أن نقدم الإيكولوجيا الداخلية اللغوية والخارجية غير اللغوية التي تمثل بوتقة ارتقاء العربية في فترة ما بعد ظهور الإسلام والفتوحات العربية.
تختلف فكرة الارتقاء التي نقدمها هنا عن فكرة الارتقاء في القرن التاسع عشر قبل داروين والفكرة البيولوجية الداروينية في القرن العشرين التي تكلم عنها ماكماهون (1994 ص 315-314)، كان هناك في القرن التاسع عشر تصور يشيع أن اللغة كائن حي، وقد كان الارتقاء لذلك انتقالًا لسمات تلك اللغة من مرحلة لمرحلة أخرى أكثر نضجًا ومن مرحلة النضج تلك لمرحلة الذبول والأفول كأي كائن حي، من بين أدعياء تلك النظرية بوب وشلايشر وغيرهما؛ إذ كانوا يستخدمون تلك الفكرة لاستشراف مصير اللغات، ولكن تلك الجماعة من اللغويين لم تستخدم قواعد الارتقاء التي وضعها علماء الأحياء بالرغم من أنهم كانوا يفكرون بمنطق تحويلي كل الوقت(14) إلا أن تصورهم عن اللغة باعتبارها كائنًا حيًّا لم يمكنهم من تصور كيفية هذا التحول، ولذلك لم يكن من الممكن للتغير اللغوي أن يحدث في إطار النظريات الداروينية دون التنوع والانتخاب.
لقد كان هناك أيضًا تصور آخر للارتقاء وهو أنه سلسلة تراكمية من الابتكارات في اتجاه معين ليس بالضرورة اتجاهًا من البدائية للتقدم، الارتقاء إذن سلسلة من التغيرات الصغيرة على مستويات لغوية مختلفة وفي أنساق مختلفة عبر فترة زمنية ما في اتجاه تركيب لغوي معين أو مفهوم خاص باللغة محل البحث، ولذلك فقد استطاع علم اللغة التاريخي أن يفسر تنقل تركيب لغوي معين عبر عدد من المراحل التي حدثت في متوالية والتي أدت للشكل الحاضر للتركيب محل البحث، هذه السلسلة العلية ما هي إلا تمرين عقلي غير ضار لرسم التغيرات اللغوية في شكل خريطة معينة، ولكن الضار في المسألة هو بعض التفسيرات التي تقدمها تلك النظرة لتفسير بعض التطورات التي تحدث لكي يحصل تبسيط في التعبير بشكل صوتي أو صرفي أو نحوي، هذه التفسيرات العلية للارتقاء لها عيبان سنذكرهما هنا لأنهما يلقيان الضوء على ارتقاء العربية.
أولا: كانت هناك سمتان صوتيتان في اللهجات العربية في الجاهلية وخاصة في الحجاز، الظاهرة الأولى هي غياب المماثلة في أصوات اللين والتي كانت تميز اللهجات الشرقية وعربية القرآن الكريم (الشرقاوي 2008 ص691)، وأما الظاهرة الثانية فهي وجود صوت لين قصير إضافي بين كل صائتين على حدود المقطع أي في آخره أو أوله (الشرقاوي 2008 ص695)، ولو كان الباحث يتصور أن الارتقاء اللغوي مسألة مكونة من سلسلة من التغيرات الهادفة لتصورنا أن ظاهرة تماثل أصوات اللين هي ظاهرة من ظواهر المماثلة عمومًا ولذلك يجب أن يكون الغرض اللغوي الواعي هو منع المماثلة ومن هنا يصبح من المنطقي أن نتصور أن صوت اللين الزائد بين الصائتين المقطعيين أمر ناتج نتيجة مباشرة من غياب التماثل في أصوات اللين، أي أننا يمكننا أن نقول إن غياب التماثل في أصوات اللين والصوت الزائد هما نتيجة مباشرة للقرار اللغوي المسبق بمنع المماثلة بغية التعبير اللغوي الأوضح، ويمكننا بهذه الطريقة أن نتصور أن اللهجات الحجازية الغربية كانت تتجه نحو تعبير لفظي صوتي أوضح وأكمل لكل فونيم بينما لا تتجه اللهجات الشرقية نفس المسلك، كما يمكننا أن نجد في بقية الظواهر الصوتية إشارات لنفس المسلك إذ كانت اللهجات الحجازية مثلا تحتفظ بنفس طول صوت اللين في نهاية الكلمة وفي منتصفها أيضًا (الشرقاوي 2008 ص691).
ليس هناك دليل لغوي مباشر على وجود تلك العلاقة العلية بالرغم من منطقية التفسير السابق، فالأدلة التي يقدمها لنا البحث في علم اللغة التاريخي غامضة وليست مقنعة في أحسن الأحوال، فالنماذج اللغوية الموجودة بين أيدينا عن الظاهرتين السابقتين تأتي من فترة زمنية واحدة وليس عندنا مثل لظاهرة من الظاهرتين في فترة أسبق حيث لا توجد الظاهرة الأخرى، بالإضافة لهذا لو افترضنا أن التطورات اللغوية السابقة لها غرض وهدف فإن هذا يعني أن اللغة كائن حي له إرادته وعقله، في هذه الحالة يجب أن تسعى اللغة للأحسن وهذا يعني أن هناك بعض اللغات التي تسعى للأحسن فتبتكر وتغير من تراكيبها لتصل لأفضل صورة ممكنة فتصل للكمال التعبيري، وبالتالي فإن اللغات الأخرى التي تمتلك نفس الظواهر اللغوية ولا تتخذ قرار الابتكار والتطور أو تتخذ قرارًا معاكسًا لا تسعى للكمال التعبيري والنضج التواصلي، مثل هذا التفكير هو ما يقودنا للنظريات غير المؤسسة والتي كانت سائدة في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات التاسع عشر، والتي تقول إن بعض اللغات الإنسانية أحسن من الأخرى بشكل مبدئي، وإن كانت الإرادة التي تصنع الابتكار اللغوي هي إرادة المتكلم فيجب أن نفكر أن المتكلم سيرمي دائمًا للأحسن والكمال التعبيري والتركيبي، ولكن إن كان الحال كذلك فكيف يفسر الباحثون غياب التماثل والصوت الزائد من بعض اللهجات وحضورهما في غيرها؟ هل يعني هذا أن المتكلمين في تلك اللهجات لا يريدون تجويد أنماطهم اللغوية؟ وهل يعرف المتكلم بشكل واع ما الطرق التي يستطيع بها إصلاح أنماطه اللغوية التعبيرية؟

