أنت هنا

قراءة كتاب ليل تشيلي

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
ليل تشيلي

ليل تشيلي

كتاب " ليل تشيلي " ، تأليف روبرتو بولانيو ترجمه إلى العربية عبد السلام باشا ، والذي صدر عن دار التنوير عام 2014 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
دار النشر: دار التنوير
الصفحة رقم: 3

ليل تشيلي

أنا الآن أموت، لكن لديَّ أشياء كثيرة لم أقلها بعد. كنت في سلام مع نفسي. صامت وفي سلام. لكن فجأة حدث كلُّ شيء. ذلك الشابُّ الهَرِم هو السبب. كنتُ في سلام، والآن فقدته. يجب إيضاح بعض النقاط. لهذا سأستند على مِرفقي وأرفع رأسي النبيل المرتعش، وسأبحث في ركن الذكريات عن تلك الوقائع التي تنصفني وبالتالي تفضح الأكاذيب التي نثرها الشابُّ الهَرِم لكي يُفقدَني مصداقيّتي، في ليلةٍ واحدةٍ عاصفةٍ لم يتوقّف فيها البرق. مقصِدُه فقدانُ مصداقيتي. يجب أن يكون المرء مسئولًا. قلتُ هذا طوال حياتي. الفرد عليه التزامٌ أخلاقي بالمسئولية عن أفعاله، وأيضًا عن كلماته، وحتَّى عن صمته، نعم، عن صمته؛ لأنَّ الصمت يصعد إلى السماء أيضا، ويسمعه الربُّ، وهو، فقط، يفهمه ويحكم عليه. وهكذا، حذارِ من الصمت. أنا مسئولٌ عن كلّ شيء. صمتي طاهر. فليكن هذا واضحًا. وعلى الأخصِّ فليكن واضحًا للربّ. ما عداه لا أهمّيةَ له، أمَّا الربُّ فهو ما يهمّني. لا أدري عمّا أتكلّم. أحيانًا أُفاجَأ بنفسي متَّكأً على مِرفقي. أشرد، وأحلم، وأحاول أن أكون في سلام مع نفسي. لكنّني أحيانًا أنسى اسمي نفسَه. اسمي سباستيان أوروتيا لاكروا. أنا من تشيلي. أسلافي من ناحية الأب يتحدّرون في الأصل من محافظات الباسك أو إقليم الباسك أو «اويسكادي» كما يُطلق عليها اليوم. من ناحية الأمِّ أنتمي إلى أراضي فرنسا الجميلة، من قرية صغيرة يعني اسمها بالإسبانية (رجل واقف على الأرض) أو (رجل واقف على قدميه)، ولغتي الفرنسية مع اقتراب النهاية، ليست جيّدة كما كانت من قبل. لكن ما زالت لديّ قدرةٌ على التذكّر والردِّ على افتراءات هذا الشابّ الهرِم الذي وصل فجأة حتَّى باب بيتي وسبَّني من دون أسباب أو مقدّمات. فليكن هذا واضحًا. أنا لا أسعى للمواجهة، لم أسعَ لها قطّ. أنا أسعى للسلام، مسئولٌ عن الأفعال والكلمات وعن الصمت. أنا رجل عقلاني. كنت دائمًا رجلًا عقلانيًّا. في الثالثة عشرة شعرت بنداء الربِّ ورغبت في الالتحاق بمدرسة اللاهوت. اعترض أبي. لم يكن حازمًا في رفضه، لكنَّه اعترض. ما زلتُ أتذكَّر ظلَّه مُتسحّبًا في غرف بيتنا، كأنّه ظلٌّ لابن عرسٍ أو ثعبان البحر. وأتذكَّر، لا أعرف كيف، لكنّ المؤكَّد أنّني أتذكّر ابتسامتي وسط العتمة، ابتسامةَ الطفل الذي كنتَه. وأتذكَّر البساط المعلَّق على الحائط ويمثّل مشهدَ صيد. وطَبَقًا معدنيًّا مُزيَّنًا بمشهد عشاء وفيه كلُّ الزخارف المناسبة. ابتسامتي وارتعاشي. بعد عامٍ، في الرابعة عشرة دخلتُ مدرسة اللاهوت، وعندما خرجتُ بعد وقت طويل، أُمِّي قبّلت يدي وقالت لي: «أبي»، أو أعتقدُ أنَّها نادتني «أبي» وإزاء دهشتي واعتراضي قلت: (يا أمّي،لا تناديني أبي، أنا ابنُك)، قلتُ لها هذا وربّما لم أقل لها أنا ابنك، لكن أنا الابن. فـأخذَتْ في البكاء أو النواح. وفي تلك اللحظة فكّرتُ، وربّما الآن فقط أفكّر، أنَّ الحياة ليست سوى سلسلةٍ من الأخطاء تقودُنا إلى الحقيقة النهائية، الحقيقةِ الوحيدة. قبل أو بعد وقت قصير، أي قبل أيّامٍ من رسامتي قَسًّا أو بعد أيّام من أخذ القَسَم المقدَّس تعرّفت على فارويل(1)، فارويل الشهير، لا أتذكَّر بدقَّة أين، ربَّما في بيته فقد زرتُ بيتَه وربَّما ذهبتُ إلى مكتبه في الصحيفة. وربَّما رأيتُه لأوّل مرّة في النادي الذي كان عضوًا فيه، في مساءٍ كئيبٍ مثل الكثير من أُمسِيَات أبريل في سانتياجو. لكن في داخلي كانت الطيور تغنّي والبراعم يانعة كما يقول الشاعر. كان فارويل هناك، طويلًا، مئة وثمانون سنتيمترًا، لكن كان يبدو لي أنّه يبلغ المترين. كان يرتدي حُلّةً كاملةً رماديةً من الصوف الإنجليزي الجيّد. حذاءً يدويَّ الصنع. رابطةَ عنقٍ من الحرير، وقميصًا أبيضَ بلا شائبةٍ كأحلامي، أزرار أكمامٍه ذهبية. ودبوسًا في رابطة العنق ميزت فيه بعض النقوش التي لم أرغب في قراءتها لكنَّ مغزاها لم يغب عنِّي على الإطلاق. أجلسني فارويل إلى جانبه، بالقرب منه. وربَّما قبل ذلك صحبني إلى مكتبته أو مكتبة النادي وبينما كنَّا ننظر إلى كعوب الكتب، أخذ يسعل وربَّما كان ينظر لي بطرف عينه أثناء سعاله، لكن لا يمكنني أن أؤكِّدَ هذا. فلم أكن أرفع نظري عن الكتب، ثم قال لي شيئًا لم أفهمه أو لم تحتفظ به ذاكرتي، ثم عدنا للجلوس. هو على مقعد ذي مسندين وأنا على كرسي، وتحدّثنا عن الكتب التي كنَّا ننظر إليها منذ قليل ونداعب كعوبَها، أنا بأصابعي النَّضِرة كشابٍّ حديث التخرُّج من مدرسة اللاهوت، وفارويل بأصابعه الغليظة المشوّهة قليلًا كما يُنتَظر من عجوز طويل للغاية. وتحدّثنا عن الكتب، وعن مؤلِّفِي تلك الكتب. كان صوت فارويل كعُواءِ طائر قنصٍ ضخمٍ يحلِّق فوق أنهارٍ وجبالٍ ووديانٍ ومضايقَ. يتكلّم دائمًا بالتعبير المناسب، الجملة المتَّسقة مع فكرته كإحاطة القفَّاز باليد. وعندما قلتُ له بسذاجة عصفور إنّني أريد أن أصبح ناقدًا أدبيًّا، وأن أواصل الطريق الذي فتحه. وأنّه لا يوجد شيء على الأرض يفوق حبِّي القراءة والتعبير بصوتٍ عالٍ وبنثر جميل عن نتائج قراءاتي. آه. عندما قلت له هذا، ابتسم فارويل ووضع يده فوق كتفي (يد ثقيلة كأنّه يحمل قفازًا من الحديد أو أثقل)، تفرَّس في عينيّ وقال إنّ الطريق ليس سهلًا. في هذا البلد الهمجي، قال، هذا ليس طريقًا مفروشاً بالورود. في بلد أصحابه من مُلّاك الضياع، الأدب يعتبر شيئًا شاذًّا ومعرفة القراءة لا قيمة لها... ولأنّني لم أرد عليه خجلًا، سألني مقرِّبًا وجهَه من وجهي إن كنت أشعر بالضيق أو الإهانة من أيِّ شيء. هل أنت أو أبوك من ملَّاك الضياع؟ لا، قلتُ له. أمَّا أنا فنعم، قال فارويل. أمتلك ضيعةً بالقرب من (شيان)، فيها حقلُ عنبٍ صغير، إنتاجُها من النبيذ ليس سيِّئًا. وبعد ذلك مباشرة، دعاني في عطلة نهاية الأسبوع التالية إلى ضيعته التي كان اسمُها على اسم أحد كتب (هيوسمانز)، لكن لا أتذكّر أيّ كتاب. ربّما «Á rebours» أو «Lá-bas» بل قد يكون اسمُها «L’Oblat». ذاكرتي لم تعد كما كانت من قبل. أعتقد أنَّ اسمها «لا ـ باس»، والنبيذ كان يحمل نفس الاسم. وبعد أن دعاني فارويل ظلَّ صامتًا على الرغم من أنَّ عينيه الزرقاوين كانتا ثابتتين على عينيّ. وأنا أيضًا ظللتُ صامتًا ولم أستطع احتمال نظرة فارويل النافذة، فخفضت بصري بتواضعٍ كعُصفورٍ جريح وتخيّلت تلك المزرعة حيث كان الأدبُ طريقًا من الورود وحيث معرفة القراءة لها قيمة. حيث كان تذوُّق الثقافة أكثر أهمِّيةً من الاحتياجات اليومية ومن الإلتزامات. وبعد ذلك رفعتُ بصري والتقت عينيّ طالب مدرسة اللاهوت بعينَيّ الصقر فارويل فأحنيتُ رأسي موافقًا عدّة مرّات، وقلتُ إنّني سأذهب، وإنّه لشرفٌ لي أن أقضيَ نهاية الأسبوع في ضيعة الناقد الأدبي الأكبر في تشيلي. وعندما حلَّ اليوم الموعود كانت روحي مليئةً بالارتباك والشكّ، لم أكن أعرف أيَّ الملابس أرتدي، الرداء الكهنوتي أم الملابسَ الدنيوية. وإن قرّرت اختيار الملابس الدنيوية، لم أعرف أيّها أختار. وإن استقررت على الرّداء كانت الشكوك تساورني حول الاستقبال الذي سوف ألقاه. كما لم أعرف أيَّ كتبٍ أحمل للقراءة في القطار في طريق الذهاب والعودة. ربّما «تاريخ إيطاليا» لرحلة الذهاب، وربّما «مختارات من الشعر التشيلي» لفارويل في طريق العودة. أو العكس. كما أنني لم أكن أعرف أيَّ الكُتَاب سأجد في «لا ـ باس» (كان لديه دائمًا ضيوفٌ من الكُتَّاب في مزرعته). ربّما الشاعر «اوريبارينا»،

الصفحات