كتاب " جيل دولوز - سياسات الرغبة " ، تأليف د. أحمد عبد الحليم عطية ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب جيل دولوز - سياسات الرغبة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

جيل دولوز - سياسات الرغبة
ثم يتناول نهاية العصور الحديثة في «فوكو» 1986 وبداية مقاربة جديدة للمعرفة في منطوق متمايز عن الكلمات والعبارات والقضايا، فالفكر قوة، ومنطق العلاقات علاقات قوة. تصبح المعرفة «عبور الخط» الخط الخارجي، من المركز إلى الهامش، من المعرفة إلى السياسي. إن موت الإنسان ليس حدثاً حزيناً ولا مصيبة بل هو تحول الفكر إلى شيء، والمعنى إلى كلمة، عود إلى الحياة البهيمية الأولى، من «الأرشيف» إلى «الدياغرام» وهو ما بدأه فوكو في «حفريات المعرفة» و «المراقبة والعقاب» .
التفكير طوبوغرافيا تراثية أو تشكيلات تاريخية، من المنطوق إلى المرئي. الفكرة تخارج وليست تداخلاً، قوة وليست عزوفاً، إقدام وليست إجحاماً، مسار إلى العالم وليست انزلاقاً في عالم الذاتية. لقد مات الإنسان كما مات الإنسان المتميز، السوبرمان، انتهى عصر التنوير وانتهى عصر نيتشه، ولم يبقَ شيء يمكن البداية منه أو الانتهاء إليه.
وإذا كانت وظيفة تاريخ الفلسفة هو قراءتها من أجل الانتهاء إلى فلسفة تاريخ الفلسفة أو فلسفة الحضارة أو فلسفة التاريخ أو الفلسفة العامة أو الميتافيزيقا، فإن دولوز انتهى إلى فلسفة كالتي بدأ منها تاريخ الفلسفة (هي التجريبية الذاتية التي مثلتها الفلسفة الأنغلوسكسونية: بيكون ولوك وهوبز وهيوم). وذلك في كتابه «التجريبية والذاتية» عام 1953، وحاول تنظيرها في «منطق الحواس» في 1969. فالبداية نظرية المعرفة، ولكن النهاية شيء آخر، ضد النمطية والتكرار والتشابه لصالح الاختلاف كما عبر عن ذلك في «الاختلاف والتكرار» في 1969، ثم في «العلية» (le pli) عام 1986، عكس ما تقصد إليه الهندسة من خطوط مستقيمة في «النافدة» (L’épuisé) وهو ما يسميه الصوفية «الفقد في مقابل الوجود» وأقرب إلى العدم منه إلى الوجود، وإلى المرض منه إلى الصحة وكما عبر عن ذلك مرة أخرى في «النقد والعبارة» عام 1993 كيف تخرج لغة من لغة، كيف تتخارج اللغة إلى ما وراء حدودها إشارة إلى الخارج وليست تعبيراً عن الداخل تعبيراً عن الأمراض النفسية ودافع الجنون؟ خارج اللغة هناك عامل من المعجزات والمسموعات، عالم غير لغوي هو الذي يجعل اللغة ممكنة. ولا فرق في ذلك بين لغة الفلسفة والأدب والفن، بين المفكرين والرسامين والموسيقيين مع دراسات تطبيقية على الأدب الغربي: الألماني والإنكليزي والأميركي خارج الأدب الفرنسي.
ولا يؤسس مذهباً جديداً متراكماً عبر تاريخ الفلسفة، فهو ضد المتحدثين الرسميين باسم المذاهب، سواء كانوا أصحابها أو أتباعها، روادها أو مريديها وكما كتب في «المتحدثون الرسميون» عام 1990.
وفي النقد الأدبي كتب «مارسيل بروست والعلامات» عام 1964 باحثاً عن الزمن الضائع، ومحولاً التاريخ إلى ذاكرة، واللغة إلى علامات. فالأدب لا واقع له نشأ منه، بل أنه يدل على العالم النفسي للأديب. لذلك كتب «تقديم ساشيه مازوش» عام 1967 محللاً عقدة المازوشية، لذة تعذيب الذات. فالعالم خداع. ووجد تطبيق ذلك في السينما. فكتب «الصورة ـ الحركة» عام 1983 ثم «الصورة ـ الزمان» عام 1985 ليحلل خداع السينما للزمان والمكان عن طريق خداع الحواس. فالعالم الخارجي هو ما يبقى في الذهن منه.
«الصورة الحركة» ليست دراسة لتاريخ السينما بل محاولة لتصنيف الصور والعلامات كما تظهر في السينما مثل الصورة ـ الإدراك، والصورة ـ الانفعال، والصورة ـ الفعل. وهي علامات غير لغوية، النور والظلام، والأبيض والأسود. لغة السينما قسمات الوجه في فضاء وهمي. السينمائيون مثل المصورين والمهندسين والموسيقيين والمفكرين، يتعاملون مع فضاءات بديلة، اللون، والخط، والإيقاع، والتصور.
العالم السينمائي سمعي وبصري وليس عالماً ذهنياً تصورياً. والفكر أولى أن يتحول من فضائه التصوري القديم إلى فضاء الصورة والصوت. والإنسان يعيش في عالم الظلام وهو عالم وسيط بين التصورات الفارغة والانطباعات الحسية العمياء. سمّاه ديكارت الحركة والامتداد. وكانط الشيائية الترانسندنتالية، وهوسرل حالة الشيء أو الظل وسارتر الخيال. وهي منطقة يتصالح فيها الوجود والعدم لصالح العدم.

