كتاب " الأرض الثامنة " ، تأليف محمود زعرور ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب الأرض الثامنة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

الأرض الثامنة
الفصل الأول
يعيد ممدوح، مجدداً، قراءة الرسالة، ويستعرض الأسماء، ثم يتأكد من العنوان، اسم الشارع، رقم المبنى، وكذلك طريقة الوصول في الوقت المحدد.
إنه الموعد الحاسم الذي انتظره طويلاً، وهو لقاء ليس ككل اللقاءات التي قام بها، فهو، بحق، خاص واستثنائي، وثمة أمور كثيرة ومختلفة ستتحدد به، وبما سيكون فيه.
أجل، لن تكون تلك الأمور بعد هذا اليوم هي نفسها قبله، نعم، بكل تأكيد، سيتغير كل شيء بعد حدوثه، نعم، سيتغير كل شيء تماماً، وعلى نحو سريع!.
الترقب والاضطراب هما ما يعيشه الآن، إنه يتذكر شيئاً من هذا، نعم، لقد عانى ما يشبه هذا القلق والاضطراب عندما كان في حالة انتظار.
في تلك الأيام انتظر ممدوح قدوم صاحبه سديم طويلاً، أجل، لقد انتظره حتى بلغ به ما يشبه اليأس، أو الملل، ولم يأت، كما كان يرجو، ولم يجد، أبداً، سبباً يركن إليه في تفسير أمر ذاك الغياب الذي أرهق روحه بشكل بالغ.
لكنه كان ينتظر مرة أخرى، وأخرى، وبدأب، كان يلتمس له الأعذار والحجج المختلفة، ويمنّي النَّفس، من جديد، بقدومه الذي سيغير كل شيء، وعلى نحو شامل.
ربما كانت وطأة السجن القاسية تمدّ له حبالاً لا تنتهي من الصبر، وكان كلما نجح في إبقاء جذوة الأمل قريبة، ودافئة، كان يتجدّد يقينه الكبير بمجيء صاحبه وملهمه.
لن يترك هذا الأمل يتلاشى، لأن العلاقة مع سديم وقومه تعني أنهم قد تبنوا قضيته، مرة واحدة وإلى الأبد، وتكفلوا بأمره كله، وسيعملون، من دون كلل، على إظهار رده المنتظر، كجواب منه على كل ما كان قد عاشه في زمن الخوف والألم.
يتذكّر ذلك اليوم بكل تفاصيله الموجعة، حيث كان وحيداً بالرغم من وجود الجميع، ولم يكن حضور رفاقه يقلل من وطأة وحدته، أو يخفف من ألمها الضاغط.
تأمل وجهه في المرآة، حدّق ملياً في عينيه، ومرة بعد مرة، وبنفاذ صبر شديد، تطلع إلى جدران الزنزانة، السقف، والأشياء المبعثرة، وجال بعينيه كل شيء، وما من إشارة تنبئ عن قدوم سديم، أو علامة ما تقرِّب له الأمل المرتقب.
انهمك، كذلك، في معاينة أنحاء الساحة، تلك الساحة التي يقضون فيها ساعة كل يوم، وأيضاً ما من شيء جديد، أوأمر ناشئ يبدّد عنه هذا الذي فيه.
صار يردّد في نفسه:
(يأتوك.. يأتوك..).
وهو مسعى يقرّب الاستجابة، ويعجّل في الحدوث، وهذا ما عرفه منذ أمد بعيد.
وخطر له أن يبدل في الصياغة، فبدأ يصرخ بصمت:
(يأتين... يأتين).
- هل من فرق أو من اختلاف في الدلالة؟
سأل نفسه كمن يكتشف أمراً برز لتوّه.
يتذكر الشيخ، وتأتيه، سريعة، وخاطفة، سنوات طفولته الأولى، وفترات تردده عليه، استجابة لطلب، وإسداءً لخدمة، ويعتريه حنين غامض، يمتزج بمشاعر متضاربة، ومتناقضة في نفسه، تبسط له بعض الذكريات الهاربة.

