رواية "أسوار الكراهية" للكاتب التركي جيم مومجو، والتي ترجمها للعربية محرم شيخ إبراهيم، والصادرة عن دار الحوار للنشر والتوزيع، يرصد من خلالها الرو
أنت هنا
قراءة كتاب أسوار الكراهية
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 2
الفصل الثاني
كان محرّم يخرج من البيت صباحاً حتى في ساعات الصيف الباردة. وحين اضطرّ إلى أن يخبر أحد الشيوخ الذين يفركهم، أنّ هذا الاسم قد أُطلق عليه على شرف الشهر الذي وُلِدَ فيه، أجابه الرجلُ: "لحسن الحظ، أنك لم تولد في شهر ذي الحجّة"، فنظرَ في وجه الرجل الخبير في الحياة بتمعّن، كما ينظر إلى الأمور كلها. وأفهمه أنه لا يحمل أي نوع من ملامح الغضب أو الحنق في وجهه، كما أفهم الجميع قبله.
كان محرّم أباً لطفلين، صاحب حمّام، ذا شعر أشيبَ، ينوء تحت حمل لن يكون بمقدوره أن يكفر عنه من ماضٍ أليم ومستقبل مجهول.
وُلد محرّم في (العُلية) (1) الخشبيّة القديمة حفيداً لعلي رضا بيك، صاحبِ الحمّام. وبعدما وُلد لم يعد لذلك البيتِ حاجة إلى حفيدٍ جديدٍ، أو رغبة فيه... رأى النورَ ذات صباح عاديٍّ على يد قابلةٍ عاديةٍ...هذا كلَّ ما في الأمر... أُطلق عليه اسمٌ من أسهل الأسماء تيمناً بالشهر الحرام... كان القماشُ النظيفُ والماءُ الساخنُ متوافرين بسخاءٍ... في تلك الليلة غفا أبوه (بخار بيك) الذي سيذهب إلى عمله في الحمام في الصباح الباكر، في غرفة مستقلة بعيداً عن زوجته التي تعاني آلام المخاض... وهكذا تمّ تجاوز أهم شيء وهو الحمّام، مع كلماتٍ أخرى متداولة كالرزق والعمل، مع الانشغال بمحرّم. وانصبّ الاهتمام على فرحة قدومه... كان بخار بيك يطلب طفلاً، يريد أن يكون أباً، ولكنه لم يكن قادراً على البوح بما يريده. وكان عليه أن يُبقى رغبته طيَّ الكتمان. وحين خرج من البيتِ طرحَ بما يشبهُ السؤال على الخبيرة: "سلطانة":
-"هل وُلد؟ ماذا؟".
فأجابت جواباً عادياً:
-"وُلد قبل قليل".
في تلك الأثناء تناهى إلى سمعه صدى أذان يتلوه (علي رضا بيك) على أذن المولود الجديد. لكنّ (بخار بيك) خرج من البيت كدأبه مقدّماً رجله اليمنى بادئ ذي بدء، قائلاً: "بسم الله"، دون أن يسأل، أو يجرؤ على السؤال: "هل هو ذكر أم أثنى؟".
هكذا كان ذلك الصباح.. بداية يوم جديدٍ عاديٍّ بالنسبة للكلِّ... كانت الساعاتُ الأولى ليوم لا يَعرف هو نفسه أنّ كلّ شيءٍ سيتغيّر فيه بعيد الظهر... كان ذلك الأحد أشبه بأمٍّ على وشك الولادة، لكنها ليست على علم بها. وعلى الرغم من أنّ (بخار) في ذلك اليوم سيكون ضحية الحرارة الرطبة التي لم يكن يطيقها منذ الطفولة، لكنه لم يكن يُسِرّ بهذا لأحد، ولن يلبث خبرُ موته أن يصلَ إلى البيت.
في البيت الخشبي كان مهدُ الصبيّ بهذا، الذي انتقل إليه من الأحفاد الآخرين، يُهزّ في غرفةٍ، وفي غرفةٍ أخرى كان جسدُ أبيه مسجّىً لا حرَاكَ فيه، يُهوّى بمهواةٍ، تحرِّكُ الشرشف إن لم يكن الجسدَ، وقد صدّق الحضورُ أوّل مرّة أنه لم يكن يطيقُ الحرارةَ.
كانت الأم (راضية هانم) في ذلك اليوم تعاني مخاض ألمين متناقضين: الأوّل ولادة محرّم الذي حملته مصادفة ودون إرادة منها، والثاني موتُ زوجها (بخار) الذي تزوّجته مرغمة ودون أدنى حبٍّ. وبعد الموت والولادة انتابتها آلام أمرين مختلفين، واختلج في نفسها شعورٌ بذنبين ثقلين.
في اليوم التالي كان المتوفى قد غُسل، ومحرّم قد لفلف بالشكل نفسه... كلاهما قد قمّط داخل قماش قطنيّ أبيض. وكلاهما على وشك الخروج في رحلته... أحدهما وُضع في المهد والثاني في التابوت، وكان مذهبُ كلٍّ منهما لغزاً.
بعد صلاة الجنازة التي صُليت عقب صلاة الظهر وُوريَ (بخار بيك) الثرى. هكذا أسدل الستارُ على حياته. ها هو قد انتهى. أمّا محرّم فكان يخطو أولى خطواته نحو الحياة.


