كتاب " الجدران " ، تأليف طارق شما ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب الجدران
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

الجدران
الجدران
قطعة صغيرة حمراء، هي كل ما تبقى من قالب كبير تآكل جزء منه جراء الاستخدام وبقي أكثر من نصفه سليماً وإن كان مغطىً بالخدوش والغبار. التقطها عن الأرض وأخذ يتأملها بدهشة. ما الذي يأتي بقطعة طباشير إلى فناء السجن؟ من يحتاج إليها؟ ومن يمكن أن يستخدمها في هذا المكان؟ هل هناك تلاميذ مثلاً؟! أم أن هناك من يتعلمون باستخدام سبورة؟! التقطها وأخذ يقلبها في يده وينفض عنها الغبار، ثم بلل إصبعه بلعابه وأخذ يمسحها بعناية حتى بان لونها الأحمر المشرق، وبدا مظهرها مبهجاً في كآبة الصباح الشتائي البارد. عاد ينظر إليها ويقلبها بين يديه قبل أن يضعها بعناية في جيب قميصه العلوي. من يدري، لعلها تنفع يوماً في شيء ما.
وضع يديه في جيبيه وراح يمشي بخطوات متثاقلة وهو يغالب النعاس والكآبة. واتجه إلى إحدى البقع المشمسة حيث تجمع الآخرون بعيونهم الذابلة والمتعبة، وكلهم صامتون ينظرون إلى داخلهم ووجوههم خالية من أية تعابير. من يرغب في الكلام في الساعة الخامسة صباحاً بمعدة خاوية وذهن تغلفه غشاوة نوم لم يكتمل؟
حين أسند ظهره إلى الجدار ولملم أطرافه في أشعة الشمس الشاحبة، أحس بلذة الدفء وهو يسري في أوصاله، وتذكر أوقاتاً أخرى باردة وهانئة. تذكر استيقاظه أيام المدرسة في أيام الشتاء: رائحة الصباح الطازجة والأشياء من حوله وقد علتها هالة من الجدة والنضارة بعد سبات الليل الطويل، شوارع المدينة الهادئة وقد بدأت تدب فيها أول أنفاس الحياة في يوم جديد، رائحة الخبز الساخن وطعم الكعك المغموس بالحليب تداعب حواسه التي لم تكد تستيقظ بعد. تذكر فناء المدرسة في الصباح الباكر، والدقائق القليلة قبل طابور الصباح وتحية العلم، يمضونها في كرة القدم إن كان الجو ملائماً، وإذا منعهم البرد بحثوا عن بقعة مشمسة يلتمسون فيها الدفء. كان بعض المدرسين يرونهم أحياناً فيعجبون لحضورهم في الصباح الباكر ويسألونهم بسخرية هل ذلك لمحبتهم للعلم وإقبالهم عليه.
وابتسم ابتسامة باهتة ورفع بصره فتوقفت عيناه عند قمة الجدران العالية.
***
في وحدة السجن لا شيء حقيقياً إلا الوقت. يتكثف الزمن ويتصلد حتى يصير كياناً مجسداً ومحسوساً، ينتشر فيملأ فراغ الصمت والعزلة ويزاحم ذرات الهواء.
كان سر النجاة بالنسبة إليه أن يتمكن من مواجهة الوقت، أن يحاول تطويعه والتأقلم معه. وشيئاً فشيئاً أخذ يتعلم كيف يجعل منه شيئاً مفهوماً ومألوفاً. وفي سبيل ذلك كان يحاول تنظيم الوقت وتقسيمه إلى فترات واضحة ومحددة، مستخدماً كل ما يتاح له من إشارات. تنتهي الفترة الأولى مثلاً حين يصل العمود القائم في نهاية الساحة إلى طرف البوابة الرئيسية، وتنتهي الثانية مع تغيير أول نوبة حراسة، وهكذا إلى أن يغيب آخر جزء من الشمس الغاربة وراء حافة الجدار لتبدأ المرحلة الأخيرة، فيسود الظلام ويخيم صمت لا تعكره إلا خطوات الحرس وهمهماتهم، وأصوات متفرقة ترتفع بالغناء في محاولة لمعاندة الصمت، ويستمر بعضها بإصرار ومكابرة يتناقصان تدريجاً إلى أن تتلاشى وتغيب في العتمة. إلا أن هذا الوقت لم يحن بعد، وما زال هناك الكثير من الوقت قبل الغداء، والكثير من الوقت بعده إلى أن يأتي الليل. نهار كامل من الصمت والخواء!
أخذ يحدق إلى الجدار المواجه له برسومه المبهمة. وخطرت له قطعة الطباشير فأخرجها من جيبه وأخذ يتلمسها بأصابعه، وحاول أن يتذكر آخر مرة استعمل فيها قطعة طباشير. عاودته أيام المدرسة بحلوها ومرها: رفاقه وصخبهم، الدراسة والتهرب منها، المعلمون والمعلمات وكل منهم عالم قائم بذاته. كانت الصور تتوارد حية في ذهنه، إلا أنها جميعاً بدت غريبة وبعيدة على نحو ما وكأنها حدثت لشخص آخر غيره. لشد ما تقلبت به الأيام!
كان الجدار مغطىً بكتابات ورسوم من كل الأشكال والألوان. خطوط متناثرة في كل مكان، معظمها متشابك يتداخل بعضه مع البعض الآخر. كانت بعض الكتابات واضحة ومقروءة، وبعضها أشبه بخطوط تلاميذ يتهجأون كلماتهم الأولى، بخطوطها المتعثرة المرتجفة وأخطائها الإملائية الساذجة. كانت هناك رسوم أيضاً، معظمها بدائي أخرق، نساء وأشجار وحيوانات وأشكال غريبة لا يعرف ماذا قصد لها أن تكون. كما كانت هناك أشعار و أمثال وحكم، بل إن أحدهم كتب آية قرآنية في إحدى الزوايا. غير أن معظم الكتابات كان أسماء وتواريخ، سجلات دوّن فيها بعضهم أسماءهم ومدنهم وقراهم، وأفكارهم وآمالهم، وأهاليهم وأصدقاءهم ونساءهم. "عدنان الحمود" كتب بحروف كبيرة متعرجة، وتحتها رسم لقلب تتوسطه كلمة "أمل". ترى من هو هذا "الضبع الأسود"، ومن أين أتى بهذا الاسم المضحك؟ تخيله رجلاً ضخماً قوي البنية خشن الملامح والصوت، مجرماً خطيراً عديم الرحمة. وربما كان على العكس من ذلك، رجلاً هزيلاً، صغير الجسم ضعيف البنية، وأراد التعويض عن شعوره بالنقص بهذا اللقب الرنان. أخذ يفكر في عدنان الحمود، وحاول أن يتخيل شكله ومظهره. ترى ماذا يفعل الآن؟ ربما يكون في سجن آخر، ولكنه قد يكون أعدم مثلاً. ولعله يكون حراً طليقاً، قد عاد إلى بلده وأهله. ومن هي أمل هذه؟ زوجته أم خطيبته؟ أم الفتاة التي يحبها والتي انتظرته حتى عاد إليها من السجن؟ أم لم تنتظره وتزوجت غيره؟ ومن الممكن أنها لم تكن تبادله الحب، أو حتى لا تعرفه أصلاً، بينما يحبها هو بصمت. بل لعلها غير موجودة على الإطلاق، وما هي إلا من صنع خياله الذى ألهبته عزلة السجن. ترى من هذا الذي كتب الآية القرآنية، وكيف جاء إلى هنا، وما هو رأيه في الصور المرسومة على الجدران؟ أم أنها رسمت بعد رحيله؟
وأخذ يجول بعينيه وأفكاره في أرجاء المكان، فأخذت تتكشف أمامه عوالم غامضة غنية لم تكن تخطر له على بال. أحلام وآمال، وطموحات وأحزان، وتواريخ وذكريات تتداخل وتمتد عبر الجدران لتشكل وشائج خفية تتجاوز حدود الزمن وتربط بين كل من احتوته أرجاء هذا المكان. وأخذه العجب كيف لم يلاحظ كل ذلك من قبل. لقد كانت الجدران ماثلة أمامه صباح مساء، وكم من مرة نظر إلى هذه الأشكال دون أن تعني له شيئاً، بل دون أن يراها أصلاً. كان قد اعتادها حتى صارت جزءاً لا يتجزأ من الجدران، لا تختلف في شيء عما يعلوها من خدوش وأوساخ.
أما الآن فراح ينظر إليها وهو يفكر في ما سيكتب.
****
كان نومه عميقاً وهادئاً، كما لم ينم منذ زمن بعيد. وفي الليل رآهم جميعاً، مع أحلامهم وأفكارهم وآمالهم، وزوجاتهم وأطفالهم ونسائهم، جاءوه عبر الجدران ليشاركوه في وحدته ويملأوا عليه فراغ الزنزانة الموحش.
وحين اجتمعوا حوله وراحوا يحدثونه ويواسونه في وحدته، أحس بعزلته تتلاشى والبرد ينحسر من داخله، ورأى الجدران تتراجع وتمّحي لتنفتح من ورائها آفاق لا حدود لها، وعوالم ملأى بالدفء والضوء والحياة.
****
كان يرى كل شيء يجري من حوله وكأنه في حلم. كانت تمر به الأشياء وكأنها تقع في عالم آخر، أو كأن ستاراً خفياً قد أطبق عليه من كل الجوانب وألقى بغشاوة كتيمة على حواسه.
كانوا يأخذونه من مكتب إلى آخر ومن إجراءات إلى غيرها وهو يتحرك بشكل آلي وكأن كل ذلك يجري لشخص آخر لا علاقة له به. وحين ختموا آخر الأوراق وقادوه في الممر الطويل المعتم غار قلبه في صدره، وأدرك حين سمع البوابة الحديدية وهي تغلق من ورائه أنه قد جاوز نقطة اللاعودة. وعندما وجد نفسه وحيداً في زنزانته خيم على روحه شعور العزلة المطلقة، ورأى نفسه وقد ألقي به فوق حافة العالم وقد أحاط به الفراغ من كل جانب. وأحس كمن ألقي به في قعر وادٍ سحيق وقد ارتفعت من حوله جدران شاهقة تفصله عن الدنيا برمتها.
كان يتطلع حواليه فترتد نظراته عن سقف واطئ وجدران عتيقة قاتمة متسخة بشتى أنواع الكتابات المتداخل بعضها مع بعض، والتي انتشرت على الجدران حتى غطت مساحة كبيرة منها. وكانت على تنوعها واختلافها مغطاة بغشاوة رقيقة من التقادم والإهمال كادت تحجب معالمها، عدا بضعة خطوط حمراء بارزة بحداثتها ونضارة لونها. اقترب من الجدار وأخذ يتأملها. كانت جملاً قليلة متفرقة في عدة أماكن، إلا أنها مكتوبة بدقة وأناة، ربما لأن صاحبها أراد لها أن تسجل شيئاً قريباً إلى نفسه.
وأخذ يجول بعينيه متأملاً الكتابات الأخرى المتناثرة على الجدران. كانت تسجل أسماء وتواريخ في أزمان مختلفة ولأشخاص مختلفين، وعواطف بسيطة وساذجة، إلا أنها تعني لأصحابها الكثير. ترى ما الذي دفعهم إلى تسجيلها؟ ألمجرد البوح بما في أنفسهم؟ أم حتى يقرأها آخرون؟ وماذا تصوروا أن يعني ذلك لهم؟
وشيئاً فشيئاً أخذ يتمثل له تاريخ غني متصل رأى نفسه جزءاً من حركته المستمرة، حلقة في سلسلة طويلة سبقه فيها البعض وسوف يتبعه آخرون غيرهم بوقائع يدونونها في أوقات مختلفة وبأشكال مختلفة، إلا أنه ينتظمها جميعاً خيط واحد خفي يشد بعضها إلى بعض ويجعل منها رباطاً قوياً من الإلفة والتواصل.
كان صاحب الخطوط الحمراء الأخير في تلك السلسلة، إلا أنه فيما يبدو قال كل ما يريد قوله، أو إنه شاء أن يترك حيزاً صغيراً لمن يجيء بعده. ففي زاوية عند أسفل الحائط كانت هناك قطعة صغيرة من الطباشير الحمراء، هي ما تبقى مما استخدمه من أتى قبله. تناولها وأخذ يقلبها بين أصابعه. كانت صغيرة حقاً، إلا أن ما بقي منها يسمح بكتابة قدر لا بأس به، وعلى الجدار بقيت مساحات تتسع للكثير.
وضع قطعة الطباشير بين السبابة والإبهام، وراح يفكر.

