كتاب " الجدران " ، تأليف طارق شما ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2011 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب الجدران
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

الجدران
مريم
عند المغيب تعود الفتيات من جهة النهر، يحملن الجرار على الدروب الضيقة، يتهادين على مهل بين الأسوار الحجرية الواطئة، يتبادلن الحديث ويتهامسن أحياناً. تتعالى الضحكات من حين لآخر، عالية حيناً وخفيضة حيناً آخر، جريئة أو خجولة، منطلقة أو مكتومة، بريئة أو ماكرة، ولكل منها معناها الذي تدركه على نحو ما، وإن كانت لا تعرف سببه المحدد.
تتسارع حركات الفتيات قليلاً حين تمر في جوارهن بعض من جماعات الرجال العائدين من الحقول، تتقارب أجسادهن بشكل غريزي وتنخفض أصواتهن قليلاً. يرددن السلام أحياناً باقتضاب ويتابعن أحاديثهن دون تغيير في الظاهر، ولكن في تلك اللحظات العابرة يصير لكل حركة معناها، الضحكة واللفتة ونبرة الصوت، وإيماءاتك حتى وأنت تحدثين صاحباتك وتتظاهرين أنك لا ترين أحداً غيرهن. يتواصلن بلغة خفية يفهمنها دون تفكير. يسري في الجو تيار من الترقب يوقظ مشاعر كامنة ويبعث في النفس أحاسيس مبهجة لذيذة.
سبعة أيام مرت في عزلة عن العالم. يمضي الوقت ببطء مؤلم، قطرة قطرة، والجدران تحدق إليها في صمت. الصوت الذي ظهر فجأة من قلب الظلمة غاب وتركها وحدها، والهواء الذي كانت تسري فيه روح من عالم آخر صار ميتاً. هل كان كل ذلك حلماً؟ أكان ملاكاً ما سمعته أم وهماً صنعته مخيلة أذكاها الصيام والعزلة؟ بعد أسابيع من إعمال الفكر ومعاناة الجسد تتلاطم الأفكار وتتداخل. يكاد الفكر يفقد اتصاله بالدنيا، ويحلق الخيال بعيداً عن الأرض.
النداء ما يزال يرن في أذنيها واضحاً قوياً. هذا صوت لا يأتي من الداخل. نبراته واضحة، أقرب إليها من نبضات قلبها، أكثر حقيقة من ملمس الأرض التي تجلس عليها، أوضح من صورة وجهها في صفحة المياه.
ولد؟ أهذا ما قاله الصوت؟ تتسارع أنفاسها ويخفق قلبها حتى يكاد يخرج من صدرها. يستولي عليها الرعب فتجوس في أرجاء المكان، تستند إلى الجدران، ولا ملاذ في الأرض تفر إليه. تتخيل وجوه الناس حين يعرفون، كلامهم، أهلها وصاحباتها. من يصدق قصتها؟ أن الله حدثها؟ وبأي دليل؟ هل يكذبونها ويهزأون بها؟ ينبذونها؟ أم ...
تتمنى وتكاد تصدق أنها واهمة. تدور بها الدنيا، ويلقي بها الخيال في أماكن مخيفة. لو أن الأرض تميد بها أو ريحاً تتقتلعها وتلقي بها حيث لا يراها أحد! ثم تعود وتتخيل وجوهاً عامرة بالتقوى، وألسنة تسبح بقدرة الخالق، وأيدي حانية تستقبلها وتنقذها من هذه العزلة. تتذكر وجه أمها الهادئ، وتتمنى لو أنها تدفن وجهها في صدرها.
في لحظة واحدة تنقلب حياتها، تخرج يد من المجهول وتقتلعها من حياة البشر. لقد سمعت عمن اتصلوا بالله، من بعيد أو قريب، من أرسل إليهم علامات رأوها أو سمعوها، ولكنهم لم يعدوا أن سمعوا صوته أو رأوه. فلماذا اختارها هي لذلك الحمل الذي يفوق طاقة البشر؟ ولماذا هي من بين نساء العالمين؟ أليس لها أن تعيش كباقي النساء؟ تلتقي من تحب كباقي النساء، وتتزوج كباقي النساء؟ مثل أختها وأمها، تحمل مثلهما وسط أهلها، وتلد طفلاً ليس بنبي، ولكنه لا ينوء بهذا العبء، ولد كباقي الأولاد الذين تحب ضحكاتهم وعجزهم واحتياجهم إلى كلّ شيء. فلم لا تكون مثل باقي البشر؟ لم لا يكون هو كسائر الأولاد وتكون هي كسائر النساء؟
ولكنها تدرك أن مصيرها قد تقرر، لقد عبرت الخط الفاصل بين عالمين، والرجوع الآن مستحيل. لم يعد أمامها الآن إلا الانتظار، معلقة بين الوهم واليقين، انتظار اللحظة التالية، وسط الخوف والوحدة والظلمة التي تتزايد شيئاً فشيئاً.
الصفحات
- « first
- ‹ previous
- 1
- 2
- 3
- 4

