كتاب " الرواية العربية والتنوير " ، تأليف د. صالح زياد ، والذي صدر عن دار الفارابي للنشر والتوزيع عام 2012 ، ومما جاء في مقدمة الكتاب:
أنت هنا
قراءة كتاب الرواية العربية والتنوير
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

الرواية العربية والتنوير
رواية التاريخ ومعارضته
إن «اليهودي الحالي» رواية تحكي عن التاريخ وليس عن الحاضر، فراويها يعلن في أولها بداية تدوينه لها، حين دخلت سنة 1054هـ (1644) وتبدأ أحداثها قبل سبع سنوات من هذا التاريخ، وتمتد إلى رواية الحفيد عما حدث له بعد عام 1125هـ بقليل. وهذا تجذير زمني تضاعفه الإحالة على أسماء أئمة الدولة اليمنية في ذلك الزمن: المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم، وخليفته أحمد بن الحسن، الملقّب بالمهدي، والأمير علي بن المؤيد، الملقَّب بجمال الإسلام، والأحداث التي عاصروها، إلى جانب التجذير المكاني للرواية الذي ابتدأ في موطن سالم وفاطمة في قرية (ريدة) اليمنية ثم لهما ولابنهما وحفيدهما في صنعاء.
وليس لذلك ـ بالطبع ـ أي معنى ما لم نأخذ ما تنبني عليه الرواية، وكل رواية تاريخية ـ على نحو ما لاحظ جورج لوكاتش ـ من صلة محددة بالحاضر تجعل الحياة الحاضرة على ما هي عليه(12).
لكن اكتشاف صلة الرواية التاريخية بالحاضر، لا يعني ضرورة الإحالة على قصدية المؤلف، بحيث تغدو قراءة النص تقييداً للمعنى بتوهم حقيقة تشدُّه من خلفه هي ما أراده الروائي؛ فقراءة من هذا القبيل هي قراءة تفتيشية وبوليسية أكثر منها قراءة إنتاجية أدبية.
لذلك فإن الكشف عن مثل هذه الصلة التي تجمع بين الماضي والحاضر، وتعطف الجديد على القديم، هي إحالة على مقروئية النص التي تبتدئ منه لا من شيء قبله، وهو ما يؤدي إلى انفتاحه بالقراءة لا انغلاقه واتساعه بقرائه لا ضيقه. وقد كان تجذير رواية «اليهودي الحالي» في التاريخ، كما رأينا، إضفاءً لقيمة تداولية، بالتحديد لمقام سوسيوثقافي، يؤلف الرواية نظيراً لمرجع خارجي، ويطبعها بأثر لمعنى الواقع. ونتيجة ذلك تعني أن ما تولِّده الرواية من معنى هو ناتج علاقات واقع سوسيوثقافي، أحسنت الرواية اختيارها وبناءها، بما يجعلها دالة على ما يجاوز لحظتها ومكانها.
ولم يكن للتاريخ في هذه الرواية هيمنة بادية، فليس لمن يقرأها أن يستشعر وثائقية تاريخية تماهي الرواية في المرجعي، أو تقنِّعها به، وتستعيره لها. فأبطال الرواية الفاعلون، وأولهم اليهودي الحالي، مختلَقون، والحبكة التي تجمعهم وترتب سيرورة الأحداث وتطور الصراع بينهم ومعهم وبهم، خيالية. وهذا يعني أن العلاقة بالتاريخ، هنا، هي علاقة اصطناع لخلفية تجري الرواية عليها أحداثها وحبكتها الخيالية، وتنشئ عالمها المنفتح على قضايا عاطفية وسياسية واجتماعية لم يكن لكتب التاريخ أن تحفل بها.
وهي على عكس الشائع في العودة ـ روائياً ـ إلى التاريخ وتوظيفه واستلهامه حيث تبرز النزعة القومية التي تستشعر أمجاد الماضي وتقصد الكشف عن صفحاته الناصعة والفهم لانكساراته، والدوران حول القيادات التاريخية وأرباب السلطان ومن في معيتهم، حتى وإن كان ذلك ـ كما هو بارز في روايات تاريخية عديدة ـ بمعنى انتقادي، أو يصنع إسقاطاً ورمزية على الواقع الحديث والمعاصر. إننا، هنا، خلافاً لذلك، بصدد تاريخ مسكوت عنه وأبطال منفيين وهامشيين ومجهولين تاريخياً.
أما تجذير هذه الشخصيات وأحداثها في حقبة ماضية، من تاريخ اليمن، وذلك باصطناع خلفية من القرن السابع عشر الميلادي تتخلق فيها الرواية وتتأطر بها، فإنه يستثمر التاريخ الذي يتوتَّر دوماً في علاقة مع الحاضر والمستقبل من جهة الرغبة في مجاوزته أو من جهة الرغبة في العودة إليه والإجلال له، وهما وجهتان لا تنفصمان عما يؤلفه التاريخ في حسابات الهوية الاجتماعية والثقافية، التي تستند بالضرورة إلى شكل سردي للماضي.
هنا تبدو إشكالية العلاقة مع الآخر في صلب التكوين التاريخي للهوية الثقافية الاجتماعية، وقد كانت تلك الفترة التاريخية في اليمن داعمة لصدقية ما تؤشر عليه الرواية من تعصب وإقصاء للآخر، بسبب تخلف مستويات التعليم فيها ومجافاة الاستنارة العقلانية وهما أمران متصلان بتغول السلطة واستبدادها في ذلك الزمن واستمداد شرعيتها واستمرارها من وقود خطاب ديني شديد الانغلاق والتعصب.
وبالطبع فإن فكرة الآخر واصطلاحه بالمعنى الفلسفي والحقوقي الإنساني والاجتماعي والثقافي فكرة حديثة عالمياً. وقد أخذت دلالتها المجرِّمة للتمييز والعنصرية والإقصاء للمختلف، ضمن ترقِّيات الوعي الإنساني المتدرجة، في معاني الحرية والعدالة والمساواة، ونهضة الفكر العقلاني النقدي، ونشأة نظم الحكم الديمقراطية والمنظمات والهيئات الحقوقية الدولية.

