أنت هنا

قراءة كتاب تماما أمامك

تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"

‏اللغة: العربية
تماما أمامك

تماما أمامك

في المجموعة القصصية "تماما أمامك" للكاتب السعودي ساري العتيبي، يعودُ الشاب حتى إذا تجاوز شجرةً هناك كانت تفصلُ بيننا في نصف الطريق, وأراد أنْ يعطيها \"الورقة\" اقتحمتني نظراتُه كالموج ثم انحسرتْ أمواج عينيه الثائرتين نحوها، فهمت الفتاةُ أنه ينبهها إلى وجودي

تقييمك:
0
لا توجد اصوات
المؤلف:
الصفحة رقم: 2

ورقة

تجلسُ فوق مقعدٍ تطويه زاويةُ الحديقة، يقعُ عند التقاء المدى الذي تشغلُه فسحةُ المكان، وتكتنفه شجرةٌ تكادُ تلامسُ ذوائبُ أغصانها غُرّةَ شعرها الضَّجِر بتلاعب النسائم به.
ما كانت لتأسر نظري إليها، وتطوقني بنزق الفضول؛ لولا أنها كانت قد سمّرت عينيها في اتجاهٍ ينشقُّ عن شاب كثير التلفّت يقصدُ نحوها، ليخرج من "جيبه" ورقةً بيضاء يدفعها إليها، فما تكادُ تلامس أناملها حتى تخبئها ما بين صدرها وطرف "الوشاح"، أما الشاب فينسجُ بنظراته أنحاءَ المكان، ثم تعيد "الورقة" إليه مرةً أخرى، ويقفلُ عائداً من حيث أتى وبدون التفاتٍ هذه المرّة.
لكنّها تلاحقه بنظراتها، تقتفي آثار خطاه العجلى، ثم لا يلبثُ أنْ يعود مرةً أخرى:
يتلفتُ.. يخرج الورقة.. تخبئها.. تُرجعها إليه..
سرقني تطفلي دون أنْ أشعر، جلستُ قريباً منها أحدثُ نفسي أنها لم تشعر بي، أقلقتني شدة الفضول المستبد بي، ولكنْ ما يغريني بالاستمرار؛ أنها لا تلتفت نحوي أبداً.
يعودُ الشاب حتى إذا تجاوز شجرةً هناك كانت تفصلُ بيننا في نصف الطريق، وأراد أنْ يعطيها "الورقة"، اقتحمتني نظراتُه كالموج ثم انحسرتْ أمواج عينيه الثائرتين نحوها، فهمتْ الفتاةُ أنه ينبهها إلى وجودي، فالتفتت نحوي وقالت بدون مقدمات: "أغمض عينيك" لا أدري كيف ولكن امتثلتُ الأمر فوراً وأغمضتهما.
لقد شعرتُ بخوف غريب..
كأن إنسانَ عينيّ يضطربُ تحت جفني المطبقين بشدة وكأنني أحبسُه فيهما حبساً، ومع هذا كنتُ أتخيلهما، كأنني أراهما وهي تأخذ الورقة... وتخبئها.. وتعيدها إليه.. وينصرف.
شعرتُ بأنهما قريبان مني جداً، أحسستُ بأنهما يشيران همساً إلى وجودي، بل يتوجهان نحوي فتملكني الخوف، استجمعتُ شجاعتي وبكل قوة فتحتُ عيني لكني لم أرهما، لقد رحلا وليس هناك سوى "الورقة" تلصقُها الريحُ بقدم المقعد الخشبي الذي كانت تجلسُ عليه، تقدمتُ وأخذتُ الورقة، وبكل فضول الدنيا نظرتُ فيها فكانت:
" بيضاءَ فارغةْ"!

الصفحات