في المجموعة القصصية "تماما أمامك" للكاتب السعودي ساري العتيبي، يعودُ الشاب حتى إذا تجاوز شجرةً هناك كانت تفصلُ بيننا في نصف الطريق, وأراد أنْ يعطيها \"الورقة\" اقتحمتني نظراتُه كالموج ثم انحسرتْ أمواج عينيه الثائرتين نحوها، فهمت الفتاةُ أنه ينبهها إلى وجودي
أنت هنا
قراءة كتاب تماما أمامك
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
مَـــــد
في البدء..
ألبسُ حُلتين! أين تكمن المشكلة إذاً؟
كنت صغيراً عندما كان أبي يتفقدُ (مزودة الطعام)، وقربة الماء المعلقة بجيدي، كان يتفقدهما جيداً أما أنا فأتحسسُ ما تبقى من نومٍ في عينيَّ المُطبقتين، أو لعلّي أتحسسُ ما تفتّحَ من عينيّ تحت نومٍ مُطبق.
أنتظرُ صرخة الضوء لأصرخ بغنم أبي، كم أحببتها؛ لم تكن تتعبني بل كانت تعرفُ أين سنذهب، بقي أن أعرف أنا.
أعاد عليّ أبي حديث الصباح اليومي: "لا تعجل على الغنم اتركها ترعى حيثُ تقف، امشِ أمامها ولا تمشِ خلفها، ارفق بها هذه (عطايا الله)، لا تنس الصلاة، ارجع بها قبل الظلام".
كانت هذه الوصايا لا تحتمل مني التفكر، وما يثير فيّ الغرابة أنه يردفُ ناصحاً بلهجة أشد صرامةً: إياك أن تقترب من طريق الإسفلت إياك.
بعد البدء..
طريقُ الإسفلت يقع خلف التلال التي أرعى بها، شُقّ حديثاً نحو المدينة، كم كان أبي يكرهه.
كنتُ أتمنى أن أراه لكثرة حديثه عنه، كنتُ أتخيله قطعةً ممتدةً من حصيرٍ أسود، لا أدري لم تخيلته من حصير!
فجأةً.. رأيتُ ثورة غبار تخفي زمجرةً غريبة، ركضتُ حتى وقفتُ بين غنم أبي ومصدر الصوت.
انجلى الغبار عن سيارة مقبلة، توقفت بالقرب مني، أطلّ منها رجلٌ وناداني بلهجةٍ غريبة لم أسمعها من قبل، فهمتُ أنه يريدني أن أقترب، لم أخف من السيارة فقد رأيتها من قبل، كثيراً ما تمرّ من قريتنا تسأل عن اتجاه طريق الإسفلت.
اقتربت منها وليس شيءٌ في الدنيا يشغلني مثل غنم أبي إنها (عطايا الله).
عندما اقتربتُ، كان في السيارة شخص آخر عليه آثار النعمة يلبسُ ثوباً ناصع البياض، وعليه معطفٌ أسود جميلٌ لونه، قال لي: أين طريق الإسفلت يا بني؟ أجبته: في هذا الاتجاه خلف تلك التلال، قال: لنا حوالى ساعة وهذا السائق الأعجمي يدور في المكان نفسه؛ هل تركب معنا لتخرجنا من هذه المتاهة؟ أجبته: لا أستطيع ترك غنمي، ضحك وقال: لا تخف لن يسرقها أحد!
كان يحدثني وهو يرى رِعدة البرد تدبُّ في جسمي، ألحّ عليّ فاستجبتُ له.
أخرجته من دوامة التلال حتى بدا لنا وجه الطريق من بعيد، شعرت بشعور غريب، لعله خوف! لا أدري، أهذا هو الطريق؟ سألتُ نفسي.
قال لي: سامحنا لا نستطيع إرجاعك نخشى أن نضيع مجدداً، ولكنني أراك ترتجفُ من البرد، سأعطيك معطفي.
أعطاني معطفه وكنت ألبسُ ثوباً قصير الأكمام، يغطي نصف ساقيّ فقط، وعليه (شَملةٌ) خاطتها لي أمي؛ أتقي بها البرد، كنتُ أظنها ترد عني البرد هناك بين التلال، أما هنا عند طريق الإسفلت فشعرتُ أنها لا تكفي!
لبستُ المعطف الجديد ذا اللون الجميل فوق ملابسي البالية وعدتُ إلى غنم أبي (عطايا الله).
صرتُ ألبسُ حُلتين..
عدتُ بغنم أبي قبل غروب الشمس.. كان ينتظرها، وقد أعد لها حياض الماء كي تشرب، وكأنه ينتظر غائباً من بنيه، عادت غنمك يا أبي كما كانت تعود كل مساء لم تتغير جلودها، عادت كما هي (عطايا الله)، وأنت كما أنت كل مساء تنتظرها.
ولكنني لم أعد كما كنت أعود كل مساء؛ لقد رأيت طريق الإسفلت وعلمت أنه ليس مثل الحصير.
لم أعد كما كنتُ أعود كل مساء؛ لقد عدت لابساً معطفاً جديداً ذا لونٍ جميل.
أبي لم ينكر غنمه حين رآها، أبي أنكرني حين رآني!
كنتُ مزهوّاً جداً بمعطف الرجل الغريب، لا أخلعه عن كاهلي أبداً حتى ساعات النوم، مازال أبي يتفقدُ مزودة الطعام وقربة الماء كل فجر، ولكنها صارت على جيدٍ يغطيه معطفُ الرجل الغريب.
توارت شَمْلةُ أمي تحت هذا المعطف، بل تواريتُ أنا كُلي تحته؛ لم يعد إخوتي يسمونني إلا: (أبو معطف).
خفتت مع الأيام فرحتي بهذا المعطف - معطف الرجل الغريب -، وصارت نداءات أهلي لي بهذا الاسم تثير جنوني، كنتُ أتمزقُ بين حُلتين شَملَة أمي وهذا المعطف، أشعر بأنني كنتُ أملك ثوباً واحداً، واسماً واحداً، أما الآن فلا أعرف إلى أين أنتمي؛ أحبُّ أمي وشملتها، ولكنه معطفٌ جميل.
ليتني لم أرَ الطريق ولم آخذ معطف الرجل الغريب!
الصفحات
- « first
- ‹ previous
- 1
- 2
- 3


